مجرد شتاء آخر

مجرد شتاء آخر

مجرد شتاء آخر

إنه مجرد شتاء آخر
لا شيء جديد معه
إنها فقط تمطر
و تمطر
كما لم تمطر أبداً من قبل

قطرات صغيرة متلألئة تولد رغماً عنها
هناك في أعالي السماء
تبحث حولها عن النور
كباقي أطفال العالم
و قبل أن تقع عيونها المتألقة بالأمل
على وجه أمها المتجهم
تهوي دون أن تدري لماذا
و تلعن في درب حياتها القصيرة
حيث تلمع مقل الموت في أسفله بشراهة
أماً رمادية تخلت عنها بقسوة
و أباً لا تدري حتى من يكون
تلطمها فجأة يد باردة غير مرئية
تصحو على نفسها
تبتسم بمرارة
و تضحي بحياتها البائسة على مذبح الأرض العطشى
دون ندم
و تدرك و هي تغمض عينيها للأبد
أنه مجرد شتاء آخر
و لا شيء جديد معه
إنها فقط تمطر
و تمطر
كما لم تمطر أبداً من قبل

تتجمع القطرات الميتة
تشكل فاجعتها جداولَ من الحزن الأبدي
تجرف معها دموع الشوارع الباكية بصمت
دون أن يشعر بألمها أحد
تتجمع عصافير باهتة على أسطح المنازل
تراقب المشهد الحزين
دون أن تبدو على ريشها المبلل أية عاطفة
وقبل أن يفرقها البرد في كل مكان
تزقزق شامتة بصوت كريه
و هي تتلفت باحثة عن ملجأ ما
و عندما تفقد الأمل
تدس نفسها في أعمدة المداخن
و هي تفكر بسذاجة
إنه مجرد شتاء آخر
و لا شيء جديد معه
إنها فقط تمطر
و تمطر
كما لم تمطر أبداً من قبل

تعصف الرياح القارسة في أرجاء المدينة
غير عابئة بشيء
تدوس بعجرفة على رداء الحياة الممزق
و تتلاعب بمصير الجميع من حولها
تندفع بقسوة نحو قطرات المطر الضعيفة
تضربها دون رحمة على زجاج النوافذ
و تزهق روحها هناك
على مرأىً من الجميع
تعود إلى الشوارع مجدداً
فرحة ً بانتصارها المدوي
تضاجع دون حب
جميع أشجار الأرصفة معاً
و تقف بعدها بشهوانيةٍ مطلقة
عند زوايا الطرقات
منتظرة فريسة جديدة
و هي تطلق ضحكاتها المعربدة المألوفة
ككل عام
و هذا العام لا تغيير يذكر
إنه مجرد شتاء آخر
و لا شيء جديد معه
إنها فقط تمطر
و تمطر
كما لم تمطر أبداً من قبل

عاشق وحيد يقف وراء نافذته
يراقب كل شيء بحزن
يتذكر أياماً مضت و لن تعود
كان يمشي معها
تحت مطر كهذا تماماً
لم يكن الأسى قد وجد طريقه إلى قلبه بعد
كان يركض في الأزقة الباردة بروح أشعلها الحب
يلهو عابثاً ببرك المياه الصغيرة
يفتح ذراعيه على اتساعهما
يعانق الكون الفسيح
يراقص الرياح الجذلى
يرمي بنفسه على أرض الشوارع
يعانق فرحها المنتظر
يضحك ببراءة طفولية
و يعود إلى حبيبته التي تنتظره عند الزاوية
ليقدم لها رائحة المطر المختزنة في جسده
عطراً إلهياً لا يذوي
و مع قبلتهما الأخيرة هناك
فاجأ القدر أنفاسهما الباردة
و رمى عليهما حاجزاً جليدياً من الفراق
دون أن يدريا
كان ذلك آخر شتاء لهما معاً
و اليوم كان مجرد شتاء آخر
و لا شيء جديد معه
إنها فقط تمطر
و تمطر
كما لم تمطر أبداً من قبل

أمشي وحيداً وسط أسى الشوارع
تحيطني الحياة بحزنها اللانهائي
و تعصف رياحها بأعمدة قلبي الخالي
أسمع تأوهات العاشقين من وراء النوافذ
أبحث عن صوتك معهم
لكنني لا أجد سوى أصداء ذكرياتي
أتابع سيري خائباً
و في روحي حسرة
يغمرني المطر فجأة بحزنه
و ينفذ إلى أعماقي رغماً عني
مردداً صدى الخيبة في فراغاتي الجليدية
غريبة هي الفاجعة كيف تجمعنا
باردة هي الحقيقة عندما تصدمنا
رقيقة هي مشاعرنا
كيف تبزغ مع أول زخة مطر عاشقة
و كيف تذوي مع أول زخة حزن عابرة
قليلة هي القلوب الساكنة طويلاً
كقلبي الذي يهجع وراء نافذته
يوماً بعد يوم
و هو ينتظر ولادة شمس جديدة
تنهي له شتاءه الأبدي ..

– وليد بركسية –

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من شعري وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to مجرد شتاء آخر

  1. nourzahi كتب:

    رغم أنّ الشتاء هو أحب الفصول إليّ ولكنني استمتعت بقراءة تصويرك إياه بطريقة مختلفة غارقة في الحزن…

    إعجاب

  2. الشتاء ما هو لا بداية لحب حقيقي يملاه اعاصير الالم وثلوج المشاعر وامطار الدموع تبشرنا بان ربيع الحب قادم بتفتح الابتسامات

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s