في ذكرى ولادته هذا الشهر … كنوت هامسون و صرخة في وجه المادية البشع

كنوت هامسون - الجوع

كنوت هامسون - الجوع

يا رب السموات , إلى أي مدى سارت بي الأمور ” … تلك هي صرخة الإنسان الوحيد اليائس وسط العالم المادي القاسي من حوله … و هي الصرخة التي يريد الكاتب النرويجي الكبير كنوت هامسون ( 1859 – 1952 ) إيصالها لمسامعنا في روايته الخالدة ” الجوع ” على لسان شخصيتها الًأساسية ؛ ذلك الكاتب الصحفي المسكين الذي يعاني التشرد و الفقر الجوع في شوارع مدينة كريستيانا الباردة ( الاسم القديم لأوسلو ) .
فمن سيء إلى أسوأ , يمضي بطلنا الذي لا نعرف له اسما ً أيامه متنقلا ً من شارع إلى شارع , في محاولات جادة لنيل قوت يومه دون أن ينال النجاح , ليعود كل مرة إلى محولات الكتابة التي تدر عليه من فترة لأخرى دخلا ً ضئيلا ً يسد به رمقه و يدفع به شيئا ً من ديونه , و يضحي بجزء يسير منه لمن يظنهم أسوأ حالا ً منه باعتباره رجلا ً شريفا ً خانته الظروف و وقفت ضده الأقدار .
و مع كثرة الأبواب المسدودة في وجهه , يجد المسكين نفسه دون مأوى لعجزه عن دفع إيجار الغرفة الحقيرة التي يقطنها , و بعدما رهن كل ما يملكه حتى القميص الوحيد المسؤول عن تدفئة جسده الهزيل , يعرف المعنى الحقيق للجوع ؛ أيام متتالية دون كسرة خبز , و كبرياؤه تأبى الانحطاط لمستوى السرقة أو التسول , و حتى عندما يجرب ذلك الأخير تحت وطأة شهوة الجوع التي لا تستكين , يلاقي الرفض و الذل بانتظاره … و يصل به الحال حد الهبل و الهذيان لولا تدخل العناية الإلهية في أحلك اللحظات لتنتشله و تضعه في نهاية المطاف أمام باخرة تستعد للرحيل عن المدينة , فينضم لطاقمها و كل همه الابتعاد عن شبح الجوع الرابض في الشوارع بانتظار فريسة جديدة تلقى له دون رحمة أو شفقة .
نشر هامسون تحفته عام 1890 و حققت له شهرة كبيرة حول العالم , و حتى يومنا هذا يعتبر صاحب جائزة نوبل للآداب عام 1920 واحدا ً من أشهر الأدباء في القرن العشرين و من أكثرهم تأثيرا ً على الأدب بصورة عامة , و له فضل لا يمكن إنكاره في الوصول إلى مدارس الحداثة و ما بعد الحداثة في السرد الروائي , لدرجة اعتباره الأب الروحي للأدب المعاصر بكافة تفاصيله , و في هذا يقول الأديب الأميركي الكبير إرنست همنغواي لشدة تأثره به : ” لقد علمني هامسون كيفية الكتابة ” .
يبدي هامسون في أعماله المختلفة اعتراضه على مدارس الواقعية و الطبيعية في نقل تفاصيل الحياة , و أوجد لذلك أساليب سردية غير تقليدية تقوم أساسا ً على الحوار الداخلي مع الذات و الغوص في العقل البشري مع الأفكار فيما يمكن تسميته بالأدب السيكولوجي , و الذي تبلور بشدة فيما بعد عن عدد من الأدباء و على رأسهم فرجينيا وولف و جيمس جويس صاحبا الحركات التجديدية في الأدب الحديث , و يرى هامسون أن الغاية الأساسية من الأدب يجب أن تكون ” وصف همسات الدماء , و التماس نخاع العظام ” , مع تركيزه على تعقيدات العقل البشري المختلفة .
ظهرت هذه الخصائص أول مرة في رواية الجوع ممتزجة بشيء من السرد التقليدي الآتي إلينا على لسان البطل , و مع تسلسل أفكاره نلاحظ الارتباط الشديد بين إنسان هامسون و الطبيعة من حوله , لتصبح الأفكار المتتالية انعكاسا ً لتقلبات الطبيعة المختلفة , حتى الوصول إلى شيء من الخبل و الهذيان عند فصل الشتاء الذي لا يرحم .
و رغم المواقف المأساوية التي يتعرض لها الصحفي المتشرد , لم تأت الرواية بلغة شديدة الكآبة و السوداوية , بل على العكس من ذلك , كلما ازدادت صعوبة الموقف تزداد غرابة أفكار البطل و فكاهتها أحيانا ً حتى تصل حد “الهبل المنطقي” من شدة الضعف و اليأٍس .
ما يلفت النظر في ” الجوع ” بشكل خاص , هو حال الوحدة التي يعاني منها البطل , فلا عائلة و لا أصدقاء , و كأنه يمثل الإنسان القابع في داخلنا دون أن ننتبه لما يعانيه من جوع يتخطى المعنى الفيزيائي للكلمة إلى معان أخرى تختلف من شخص لآخر , أو ربما يكشف حقيقة الغرور الذي وصل الإنسان في داخلنا إليه و يعري لنا ضعفه و وحدته أمام تقلبات الزمن و قوى الطبيعة .
تشكل فلسفة هامسون رد فعل صارخ على المادية التي غزت العالم أوائل القرن العشرين , و تشكيكا ً بقدرة الحضارة المادية على بث الراحة و الأمان في قلب الإنسان الخائف , ليبرز بذلك تأثره بفلاسفة كبار كشوبنهاور و نيتشه و بأدباء كتيودور ديستيوفسكي .
و مع مرور الأيام , شكل هامسون حالة إشكالية في تاريخ الأدب العالمي , بآرائه الجريئة و المختلفة خاصة في دعمه للنازية ما دفع لاعتباره خائنا ً للشعب النرويجي و تم وضعه في مصح للأمراض العقلية , لكن كل ذلك لم يقلل من قيمته الأدبية و مكانته في عالم الأدب , فإلى اليوم تعتبر رواية الجوع من التحف الخالدة , و أوردتها صحيفة نيويورك تايمز الشهيرة في قائمتها للكتب التي يجب على كل شخص قراءتها قبل وفاته .
جدير بالذكر , أن العالم يحتفل هذا الشهر بالذكرى الثانية و الخمسين بعد المئة لولادة الأديب الكبير الذي يعتبر عن جدارة واحدا ً من أهم الرموز في تاريخ الأدب الحديث , و حالة إشكالية مازالت تلقي بظلالها على الأدب حتى يومنا هذا .

لتحميل الرواية :
http://www.4shared.com/document/reAgTAhM/_-___.htm

أو :

http://www.4shared.com/document/QPm-ANUW/_-___.htm

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات أدبية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s