سوداوية الطرح الدرامي في عالم متعدد الألوان … حالات إشكالية و تعميم لا مبرر له

يارا صبري

يارا صبري

تستمد الحياة رونقها و جمالها و خصائصها الأساسية , من التنوع الهائل الذي تحتويه بين طياتها و الذي يجعل تفصيلاتها اليومية – على اختلافها – تتراوح بين الأبيض الناصع و الأسود القاتم و بينهما كافة التدرجات الرمادية التي لا نهاية لها , ما يجعل الحياة في نهاية المطاف وجهة نظر شخصية تنطلق من زاوية الرؤية التي نرنو منها إلى الأشياء باعتبارنا أفراداً مستقلين .
و مع تنامي الثورة التكنولوجية و تخطيها حدود الخيال لم يعد العالم مجرد قرية صغيرة , بل أصبح مختزلاً في الشاشات الصغيرة التي غزت بيوت الناس , لتلعب دوراً أساسياً ( و وحيداً أحياناً ) في صياغة رؤية كل فرد للحياة و الواقع من حوله تحت تأثير بضعة متغيرات , لعل أبرزها انحسار حيز التجربة الشخصية و الخبرة المباشرة و اكتفاء الأفراد بالخبرات الإعلامية التي تقدم إليهم جاهزة عبر وسائل الإعلام و على رأسها التلفزيون بمضامينه المختلفة و في طليعتها النشرات الإخبارية و الأعمال الدرامية .
ضمن هذه الرؤية العامة , و لكونها تحظى بنسب مشاهدة عالية في المنطقة العربية , تبرز الدراما السورية كقوة لا يستهان بها على صعيد تشكيل الرؤى و الأفكار المختلفة تجاه الحياة الواقعية خارج حدود شاشاتنا , و تنفرد الأعمال الاجتماعية عن غيرها بميزة أساسية و هي استنادها إلى الواقع الحي و استلهام قصصها و حكاياتها منه , لتعبر بطريقة أو بأخرى عن ذلك الواقع بكل إيجابياته و سلبياته و نقلها للمشاهد ضمن قوالب غير مباشرة تتوخى الدقة و تتلمس الموضوعية .
و عيب على الدراما السورية في فترة ما , ابتعادها عن تقديم سلبيات الواقع و مشاكل الناس الحقيقية , و لجوؤها إلى سيناريوهات افتراضية و قصص أشبه بالحكايا الخيالية , لكنها استطاعت تجاوز ذلك فيما بعد عبر الغوص في تفاصيل الحياة الواقعية و الخروج منها بقصص درامية شيقة و شاملة , ترضي المشاهد و تشبع حاجاته للتعبير عن نفسه و محاكاة ذاته في بيئة افتراضية تشكل متنفسا ً له ضمن زحمة الحياة و سرعة وتيرتها .
و هكذا قدمت الدراما السورية الحياة بحلوها و مرها , بحزنها و فرحها , بنورها و ظلامها , عبر أعمال كثيرة منها مثلاً : ( الفصول الأربعة , ليس سراباً , ذكريات الزمن القادم , الشمس تشرق من جديد , … ) , و غيرها الكثير من المسلسلات التي طرحت رؤية ً موضوعية للحياة و نقدت الواقع عبر عرضها لتناقضات النفس البشرية و صراع الخير و الشر بغض النظر عن المنتصر في النهاية .
بالمقابل , شاعت في الفترة الأخيرة ظاهرة الأعمال الدرامية المفرطة في سوداويتها تجاه الواقع و الحياة , و رغم كونها تعالج مشاكل هامة و قضايا إشكالية حادة , إلا أنها تعتبر ناقصة و غير مكتملة بل و غير ناضجة نظراً لطرحها الواقع العريض من وجهة نظر واحدة ضيقة و إلغائها لما سواها من تدرجات رمادية في ربما تصل حدّ الأبيض .
المشكلة في هذه الأعمال ليست الطرح الدرامي بحد ذاته , بل تعميم ذلك الطرح القاصر على الحياة نفسها ( أي تعميم الجزء على الكل ) , و ذلك عبر تكريسه مفاهيم محددة في أذهان المشاهدين طوال ثلاثين حلقة , و إحجامه عن عرض وجهات نظر بديلة تحت مسمى ” النقد القاسي لمعالجة الحالات الإشكالية ” , و الأمثلة هنا كثيرة و منها أعمال ك : ( ولادة من الخاصرة , قلوب صغيرة , غزلان في غابة الذئاب , قاع المدينة , تحت المداس , … ) و غيرها من الأعمال التي توحي أسماؤها بكمية هائلة من البؤس و الإحباط و التشاؤم و الظلام الكامن بين سطورها دون أي بصيص أمل بالنجاة أو رائحة عابرة بالتفاؤل , لتضع ثقلاً جديداً على كاهل المشاهد الذي يرزح أصلاً تحت هموم لا حصر لها و لا نهاية .
و في السياق ذاته , كان الأجدر بتلك الأعمال السوداوية أن تطرح أفكارها و قضاياها ضمن باقة ملونة من القضايا الأخرى , و عدم فرد مساحة الثلاثين حلقة بشكل شبه كامل للحديث عن حالة إشكالية واحدة , و عزلها عن نقيضاتها و متمماتها , لأن القضية نفسها تستمد أهميتها و قيمتها من مدى أهمية الجانب المقابل لها , فما قيمة النجاح لولا وجود الفشل و ما حلاوة الابتسامة لولا مرارة الدمعة .
من جهة أخرى , ربما يكون هذا النوع من المعالجة الدرامية مقبولاً و مرحباً به بحرارة في عالم السينما , حيث يقدم الفيلم السينمائي بذلك حالة من الواقع , لكن ضيق وقته لا يسمح له غالباً بتعميمها على الواقع بأسره , لتبقى بذلك في إطار الحالة الفردية التي تمثلها قصة الفيلم و شخصياته , و هي النقطة الذي تفتقدها الدراما التلفزيونية و يجب أن تسعى لتعويضها بالتنوع و التعدد .
و من هذا المنطلق , ينبغي على صناع الدراما السورية ( و خاصة كتاب السيناريو ) الانتباه إلى شمولية أعمالهم للواقع الاجتماعي بكافة تناقضاته , و الحرص على تضمين ” لطخاتهم السوداء ” بحذر شديد كيلا تهيمن على ألوان الحياة و تفقدها ألقها و جمالها .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات متعددة الألوان وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s