خمسة أيام في باريس تكشف الحقيقة المختبئة طوال حياة كاملة

خمسة أيام في باريس - دانيال ستيل
خمسة أيام في باريس – دانيال ستيل

بمزيج من الرومانسية و الواقعية , تقدم الكاتبة الكبيرة دانيال ستيل روايتها ” خمسة أيام في باريس ” لجمهورها العريض حول العالم , عبر صراع نفسي خفي يدور في أعماق شخصياتها متمحورا ً بين الواجب و الحاجة , قبل أن تظهره للعلن بحدة ٍ , خمسة أيام من مواجهة الحقيقة في مدينة الأنوار باريس .
الرواية ببساطة قصة رجل ( بيتر هاسكل ) من أقطاب الصناعات الدوائية في العالم , يقصد باريس للوقوف على حقيقة بعض مشاكل تقنية تواجه مشروع حياته الذي يقدمه خدمة للإنسانية ( دواء يشفي من السرطان ) , إنه يبدو كاملا ً , مديرٌ لإحدى أكبر الشركات العابرة للقارات في الولايات المتحدة , متزوج بعد قصة حب طويلة بابنة مدير شركته , و ما مسيرة حياته سوى سلسلة من النجاحات الباهرة , زواج ناجح , عمل يدر عليه الملايين , أطفال أذكياء , و مكانة مرموقة في المجتمع .

 لكن بيتر ليس سعيدا ً , هو نفسه لا يدرك ذلك بعد , هناك سلسلة من المنغصات الخفية تعكر عليه التمتع بباريس التي يعشقها , و ماض سحيق يمتد وراءه إلى أيام طفولته التي لم يعد ينتمي لجوها الريفي بعد اليوم , و تلك العبودية التي يشعر بها خفية ً لزوجته و والدها .
فجأة يلتقي بيتر بأوليفيا تاتشر , المرأة الأسطورية الغامضة , و زوجة المرشح للانتخابات الرئاسية الأميركية , و تحدث شرارة من الحب بينهما بتواطئ خفي مع الحياة التعسة التي أجبرتهما الظروف على خوض غمارها , فأوليفيا الكارهة للسياسة و المفجوعة بوفاة ابنها الوحيد ترغب بالحرية من زوجها البعيد عنها في عوالم أخرى , لتجد في بيتر عزاء لها مما تعانيه , و حافزا ً لها للمضي قدما ً في حياتها .
و بعد خمسة أيام فقط , ينتهي كل شيء و يعود كل منهما إلى حياته السابقة معلنا ً هدنة مع الواقع , لكن الحقيقة التي اكتشفاها في باريس تؤرقهما ليلة بعد ليلة و تزيد من حدة عواطفهما المضطربة , قبل أن تقودهما في النهاية لاتخاذ قرارات مصيرية شجاعة بالتحرر من القيود التي تكبل روحهما عن الانطلاق .
إذا ً , خمسة أيام فقط كانت كافية لتقديم حياة كاملة … استخدمت فيها ستيل موهبتها بمزيج من السرد التقليدي و الذكريات المنبعثة بالتداعي النفسي , لترسم بكلماتها لوحة عن الإنسان الخائف من مواجهة حقيقته رغم أنه في أعماقه يعرفها حق المعرفة .
ما يميز الرواية بشكل خاص , هو تلك الرقة التي كتبت بها ستيل الأحداث , و تلك البساطة في سرد التفاصيل , و السلاسة التي تنساب بها الكلمات دون توقف , لدرجة تشعر فيها أنك تحيا مع الشخصيات و تتنفس معها نفس الهواء و تشاطرها ذات الأريكة … فيما تنساب الذكريات من بين السطور مضيفة عمقا ً كبيرا ً لأبطال القصة و محركة ً لردود أفعالهم و تصرفاتهم في حيز من ترتيب منطقي ذكي لا يترك مجالا ً للتعجب مما يجري .
من جانب آخر , تقدم ستيل في روايتها مثالا ً رائعا ً في بناء شخصياتها , و تحديدا ً على المستوى النفسي , فلا نجد إحساسا ً يطغى على بقية الأحاسيس أو يلغيها , بل على العكس من ذلك , كل شعور يتموضع في زاويته الخاصة متحدا ً بانسجام مع غيره , ما يشكل بإتقان بيئة نفسية خصبة للأحداث , أما التفاصيل الكثيرة التي تقدمها الرواية فلا تشتت تفكيرنا عن جوهر الكتاب الأصلي , و لا تبعدنا عن فكرته الأساسية المتمثلة ببحث الإنسان عن السعادة و الحرية و خوفه من مواجهة الحقيقة القاسية .
في ذات السياق , و رغم أن الشخصيات تنتمي أساسا ً للطبقة العليا من المجتمع , إلا أن ذلك لم يجردها من صفاتها الإنسانية الأساسية , فالكل يحب و يكره و يفكر و يغتاظ و يمرض و يمتلك عشرات المشاعر المتضاربة , هذا كله يبني جسورا ً متينة من الألفة بين القارئ و شخصيات الورق , و يخلق جوا ً عاما ًمن الإثارة و الاهتمام .
و لا تفتقد سطور الرواية للحيوية , فالأحداث تتنقل بسرعة من مكان لآخر , مع وصف دقيق بسيط لكل واحد منها , لتتجاوز ستيل ببراعة مفهوم المكان التقليدي و تحوله من مجرد حيز مادي للأحداث إلى رموز متعددة و إيحاءات عميقة تعبر الزمن عبر الذاكرة , فلكل مكان ميزاته الخاصة و ارتباطاته النفسية مع الشخصيات المختلفة , و لكل مكان ظلاله الطويلة التي يرميها على تصرفات الأبطال فيه .
في ضوء ما سبق , تشكل “خمسة أيام في باريس” , وجبة أدبية دسمة , تدفع القارئ منذ أول صفحة للاهتمام أكثر و أكثر بالأحداث , و تقوده للقراءة بنهم لإشباع رغبته في معرفة ما ستؤول إليه النهاية , في إطار من الرومانسية الرقيقة .
الرواية من إصدار عام 1995 , و تشكل حلقة أخرى في سلسلة نجاحات صاحبتها الأميركية دانيال ستيل (64 عاما ً) ذات المكانة المرموقة في عالم الأدب , إذ تحتل المرتبة الثامنة في عدد النسخ المباعة من رواياتها في جميع الأوقات , و تعتبر الكاتبة الأكثر بيعا ً للنسخ بين الكتاب الأحياء عبر العالم , دون أن ننسى غزارتها في الإنتاج حيث يفوق عدد كتبها الخمسة و الثمانين خلال 38 عاما ً في عالم النشر , إضافة لترجمة أعمالها إلى 28 لغة حية و تحويل عدد كبير منها إلى مشاريع تلفزيونية و سينمائية متعددة .

لتحميل الرواية :
http://www.4shared.com/document/_UAVEsgK/____.htm

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات أدبية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s