Doubt … عندما يصبح الشك هو اليقين الوحيد

Doubt
Doubt

أطلقت شركة Miramax العملاقة عام 2008 فيلم Doubt في صالات الولايات المتحدة و العالم , ليحقق نجاحا ً جماهيريا ً كبيرا ً على صعيد شباك التذاكر , إضافة للنقد الإيجابي الواسع الذي حظي به من قبل الصحافة و وسائل الإعلام , ما دفع به بقوة إلى نيل ترشيحات عديدة في موسم الجوائز الأميركي آنذاك .
يعود بنا الفيلم إلى عام 1964 بعد اغتيال الرئيس جون كينيدي في الولايات المتحدة … ليرصد صراعا ً كبيرا ً تدور رحاه في كنيسة صغيرة بين الأب فلين صاحب النظرة التقدمية الجديدة من جهة و الأخت ألويشس المتزمتة بعادات الكنيسة القديمة من جهة أخرى , في إطار فلسفي عميق يتمحور حول طبيعة الإيمان و كيف يذهب الإنسان بعيدا ً جدا ً لتغطية حقيقته .
تدير الأخت ألويشس المدرسة التابعة للكنيسة بصرامة شديدة ناشرة الرعب بين الطلاب , وسط قوانين مشددة تمنع التعامل بكل شيء حديث , بدءا ً من قلم الحبر الجاف و انتهاء ً ببكلات شعر الفتيات , مقدمة ً نفسها لكل من حولها كمؤمنة عتيدة بيقين عميق و إيمان راسخ تحسد عليهما , فخلف قسوتها الظاهرة و صرامتها المخيفة , تحمل قلبا ً طيبا ً يتجلى في معاملتها الحنونة للراهبة المسنة فيرونيكا التي أشرفت على العمى , و حرصها على مصلحة طلابها بالدرجة الأولى .
لكن خلف ذلك القناع تمكث شخصية أخرى تماما ً , هشة خائفة و غير واثقة بشيء , ليصبح الإيمان مجرد غريزة دفاعية تنتهجها أمام الآخرين , و غطاء ً يستر شكوكا ً كبيرة تقض مضجعها و تمنعها من النوم في الليل , و يصل بها الأمر حد التعصب المقيت في محاولتها الدائمة للهرب من حقيقتها و خوفها من التغيير .
لذا , تجد الأخت ألويشس في الأب فلين خطرا ً كبيرا ً يهدد كينونتها , فهو على النقيض منها تماما ً ( ظاهريا ً على الأقل ) , صاحب قلب كبير و أفكار تقدمية تجاه الكنيسة و المجتمع , يتمتع بالحياة إلى حد ما , فلا يحرم نفسه من قطع السكر مع الشاي , و يتناول النبيذ بدل الحليب مع الطعام و يسمح لنفسه بالتدخين , و يطيل أظافره لأنه يحب رؤيتها طويلة و نظيفة .
لكن الشكوك تحوم حول استغلاله لأحد الأطفال جنسيا ً في المذبح , دون أن يثبت أحد ذلك , باستثناء الأخت ألويشس المتيقنة من تلك الحقيقة البشعة … و تبدأ رحلة بحثها عن الحقيقة مجندة كل طاقتها لإبعاد فلين عن الكنيسة , لاجئة لكذبة ذكية يخاف منها فلين و يتراجع راضخا ً لشروط ألويشس على أن يبقى الأمر بينهما فقط .
و لأن الأسقف لا يصدق اتهاماتها , ترضى الأخت ألويشس بما وصلت إليه و تكتفي بابتعاد فلين عن كنيستها رغم صدمتها بنيله ترقية لعمله الدؤوب في تجديد الكنيسة , و بانهيار منظومتها الدفاعية في نهاية الفيلم , نشعر أن رياح التغيير التي ضربتها زعزعت في كيانها شيئا ً ما يدفعها للبكاء مفصحة بشكوكها الدفينة للعلن .
في ضوء ذلك , يطرح الفيلم أسئلة دقيقة حول طبيعة الإيمان و الشك في عالم سريع التغير من حولنا , فمن جهة لا يتعدى الإيمان مجرد شعور باليقين في القلب البشري , ليتحول الشك في لحظة ما إلى رابطة توحد البشر معا ً في دروب حياتهم المختلفة .
و في ذات السياق , لا يطرح الفيلم يقينا ً ما على الإطلاق , تاركا ً المشاهد عند نهايته في شك مما رآه و شاهده , من كان محقاً ..؟ و من كان مخطئا ً ..؟ و ماذا حصل بالتحديد ..؟ لا أحد يدري فعلا ً , ليغدو كل شيء – كما في الحياة – وجهة نظر شخصية تتغير باختلاف زاوية النظر للقضية .
المعالجة الفنية للفكرة أتت رائعة , عبر استخدام مكثف لزوايا التصوير المائلة التي توحي بالاضطراب الراقد في أعماق أبطال القصة , بينما يهيمن الصمت على مساحات متعددة من المشاهد بدلا ً من الموسيقا , ليزيد ذلك من الترقب لكل كلمة ستقال , معززا ً لدينا الشك بمصداقيتها في اللحظة نفسها .
من جهة أخرى , تتصدى لبطولة الفيلم النجمة الكبيرة Meryl Streep في أداء رفيع المستوى كان كفيلا ً بترشيحها لأوسكار أفضل ممثلة للمرة الخامسة عشرة في حياتها , لكنه للأسف لم يكن كافيا ً لنيلها الجائزة التي ذهبت حينها ل Kate Winslet عن دورها في فيلم The reader .
تظهر Streep في أدائها للأخت ألويشس مقدرة كبيرة على لعب المعلن و الخفي دون أن نشعر بوجودهما معا ً إلا بعد نهاية الفيلم , أما أداؤها الصوتي فكان مثاليا ً عبر الهدوء الكامل رغم القسوة و السيطرة التي تتمتع بهما الشخصية , و ما تحولها في لحظة واحدة إلى انكسار و ضعف هائلين عند اعترافها للأب فلين بخطيئتها القديمة , سوى دليل على عظمة صاحبة ال 62 عاماً و وقدرتها على العطاء دون حدود .
جدير بالذكر أن الفيلم من كتابة و إخراج John Patrick Shanley عن مسرحيته Doubt: A Parable الحاصلة على جائزة بوليتزر في وقت سابق , و يقوم ببطولته إلى جانب Streep كل من Philip Seymour Hoffman و Amy Adams , لينال كل منهما ترشيحا ً لنيل أوسكار أفضل ممثل مساعد و أفضل ممثلة مساعدة على التوالي .
في النهاية أدعوكم جميعا ً لمشاهدة الفيلم , على أمل أن تطلعوني بآرائكم حوله , و أتمنى لكم مشاهدة ممتعة .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s