اختطاف مدام دوفارج

مدام دوفارج
مدام دوفارج

لم يكن تشارلز ديكنز صادقا ً تماما ً عندما نقل إلينا خبر وفاة مدام دوفارج في قصة مدينتين , لكن بطريقة أو بأخرى لا يمكنني لومه على ذلك الخطأ غير المقصود , و لا يمكنني لومه على تفسيره لما حصل و ربطه بمجرد الموت , فالحقيقة أكبر من أن يصدقها العقل البشري , على الأقل في ذلك الزمان .
ما حصل باختصار شديد , أن مدام دوفارج اختفت , لا أقصد أنها توارت عن الأنظار , بل أعني أنها تلاشت تماما ً , و من هنا أتى الاعتقاد الشائع بموتها , أما كيف عرفت أنا هذه الحقيقة الصادمة , فهذا ما سأخبركم به الآن .
حسنا ً بدأ كل شيء عن طريق المصادفة , عندما وقعت في يدي مجموعة من الأوراق القديمة في غرفة بأحد الفنادق الرخيصة التي اضطررت للمبيت فيها لأسباب قاهرة , ليلتها لم أستطع النوم كعادتي التي لا تألف الأماكن الجديدة بسرعة , و وجدت نفسي مستلقيا ً على السرير أحدق بالسقف و أفكاري تتقاذفني بقسوة في العتمة المحيطة بي .
دسست يدي تحت الوسادة القديمة بحثا ً عن راحة لا توفرها لرقبتي المتعبة , و عندها شعرت بشي ما يلامس أصابعي , سحبته بهدوء لأجد في يدي رزمة من الأوراق القديمة , جلست بسرعة و قد تنبهت أحاسيسي , أضأت المصباح المجاور للسرير لكنه لم يعمل , فنهضت من مكاني و أنرت الغرفة بشكل كامل و عدت للسرير بسرعة حيث تركت الأوراق .
كانت الأوراق مهترئة من شدة قدمها , و صعقت لما وجدته فيها … لم أجد فيها خريطة توصلني لكنوز ثمينة كما يشتهي خيالي الرومانسي , بل وجدت توثيقا ً دقيقا ً للحالات التي شوهدت فيها مدام دوفارج بعد وفاتها المزعومة .
إنها تظهر في أوقات متفرقة في أماكن عدة حول العالم : روسيا 1917 , أميركا الجنوبية في خمسينات القرن الماضي , أوكرانيا 2004 … و مجموعة من الصور غير الواضحة يفترض بها تأكيد الكلمات المتراصة إلى جوار بعضها بتواطئ الحقيقة و الدهشة .
أطلقت من شفتي صفيرا ً طويلا ً , مذهولا ً من كل كلمة قرأتها , و في عقلي تدور جلسات محاكمة صارمة أطلق دماغي في نهايتها حكمه الأخير برفض ما قدم إليه , ضحكت من سذاجتي و انفعالاتي الطفولية , و قبل أن أبالغ في التفكير و الخيال , داهمني نعاس مفاجئ لم أستطع مقاومته .
عدت إلى منزلي أخيرا ً , لا شيء هنا سوى الوحدة الخانقة , و مجموعة من الشاشات التي تختزل حياتي , ما زالت الأوراق القديمة مدسوسة في جيب معطفي الداخلي , أحببت الاحتفاظ بها على سبيل الفكاهة , أو ربما على سبيل الفضول لا أكثر .
رميت جسدي المتعب على الأريكة الكبيرة , تأملت البرودة المحيطة بي , لم أعد من رحلتي القصيرة بشيء يفيد كتاباتي , خرجت بحثا ً عن أجواء مثيرة في فندق رخيص لكني فشلت في رصدها , حسنا ً على الأقل عدت بحكاية مثيرة عبر أوراق قديمة .
تنهدت بحسرة منزعجا ً من عقلي الفارغ و عادته الجديدة في الكسل , شعرت بظلال طويلة من اليأس تشدني من ساقي نحو العالم السفلي المظلم , استسلمت لها علني أجد فكرة عن منتهى اليأس البشري , لكنني لم أرد الغرق في دوامات أفكاري التي بدأت تشتد , و في النهاية قاومتها كعادتي مع كل فكرة جديدة , أشعلت التلفاز بحثا ً عن قليل من الإلهام البصري , يا لبؤسي !!! أإلى هذا الحد وصل بي الأمر .
في التلفاز لا شيء سوى نشرات الأخبار , ” ثورة مفترضة ” هنا و أخرى هناك , لا شيء يستحق عناء المتابعة , غرقت في أفكاري مجدداً في عالم رومانسي , ربما علي كتابة قصة حب عاصف بين ” ثائر متعصب ” و فتاة لطيفة من الطبقة الحاكمة , لا , لا … ذلك شديد الكلاسيكية , إذا ماذا أفعل ..؟ ربما علي التركيز فقط على كتابة اختطاف مدام دوفارج , لم لا ؟ أستطيع رؤيتها أمامي الآن .
لكن لا , إنني لا أحلم … إنها هناك , في خلفية المشهد التلفزيوني الدامي , يا إلهي , إنها هي دون ريب , تلك هي يداها ما زالتا تحيكان الصوف ببرودة و الحقد يتقاطر من عينيها … و للحظة التقت عيناي بعينيها عبر الشاشة الكبيرة التي تفصل بيننا و شعرت بها تراني , كنت أمامها مكشوفا ً عاريا ً بكامل أفكاري التي لن تعجبها على الإطلاق , و شعرت بشفتيها الحادتين تلفظان اسمي دونما صوت … إنها هناك , طليقة في الخارج , تحيا على حقدها القديم بحثا ً عن الانتقام الأبدي , ربما باعت روحها للشيطان , لكن لا حتى الشيطان نفسه لا يستطيع الصبر عليها , إنها مستقلة بحد ذاتها , أجل , هي و هي فقط , ضد الحياة كما نعرفها .
شعرت بشيء من الذعر يجتاح عالمي الداخلي , أطفأت التلفاز بسرعة و أنا ألهث , ما تزال نظرات عينيها العتيقتين تشيعان اضطرابا ً عنيفا ً في أفكاري , إنها موجودة حقا ً .. لم تكن كذبة , و لم يكن موتها إلا خدعة , لقد عادت من جديد , لقد عادت من جديد , مازالت حية , يا إلهي ماذا سأفعل الآن ..؟ أجل , أجل .. علي أن أوقفها , علي أن أتصدى لحقدها , علي أن أكتب قصتها من جديد .
أعجبتني الفكرة الأخيرة , ضحكت بغرور و أنا أسترسل في وهمها اللذيذ , أجل سأجعل عظام ديكنز ترتاح في قبره , لا بد أن روحه تهيم في العالم السفلي بحثا ً عن السلام دون فائدة , أجل إنها تعكر صفاء العوالم على روحه الطيبة … لكنني لن أكتفي مثله بموتها على الورق , هذه المرة يجب أن تموت للأبد , أجل يجب أن أحرص على ذلك , لن أجعل روحي تهيم في المجهول بصحبته فهو كلاسيكي جدا ً بالنسبة لي .
أطلقت ضحكة مجلجلة أخرى , و حماستي المفاجئة تطغى على كل شيء , و نسيت معها أن عقلي فارغ تماما ً من الأفكار , و نسيت مواقفي التي لن تعجب مدام دوفارج على الإطلاق , و لم أنتبه لروحي التي انعتقت قبل فترة قريبة من جسدي بغتة برصاص مجهول المصدر , انتبهت فقط لأصابع مدام دوفارج الملطخة بالدم تتخطى اسمي على لائحتها الصوفية إلى غيري دون مبالاة .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to اختطاف مدام دوفارج

  1. هاني هاشم كتب:

    ذلك الخيال الذي تحمله يا صديقي أجمل شيء تملكه إضافة إلى نقاءة روحك وسريرتك أكمل دربك حتى النهاية ولا تجعل لعثرات الحياة طريقاً إلى درب نجاحك وتفوقك لأنه من الكفر بالأدب كبت الإبداع ولجمه عند أهله وانت أهله …

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s