Before sunset … روح البساطة المفقودة في السينما الأميركية المعاصرة

Before sunset

Before sunset

يتخطى فيلم Before sunset لمخرجه Richard Linklater حدود الزمان و المكان السائدة في السينما التقليدية , مقدما ً رؤية سينمائية متقدمة على صعيد البناء الدرامي و الإخراجي بمزيج فعال بين ميزانيته المنخفضة و حساسيته العالية , لينال إعجاب النقاد حول العالم و يقبع حسب صحيفة الغارديان البريطانية في المركز الثالث بين أفضل الأفلام الرومانسية عبر التاريخ .
يكمل Linklater قصة الحب التي بدأها قبل تسع سنوات في فيلم Before sunrise , عندما التقى Jesse الشاب الأميركي (Ethan Hawke) ب Celine الفتاة الفرنسية (Julie Delpy) في أحد القطارات قبل أن يقضيا معا ً ليلة رائعة تحت سماء فيينا , لتلتقي دروبهم من جديد في Before sunset بعد تسع سنوات من الفراق كالواقع تماما ً .
لكن Jesse و Celine لم يعودا كما كانا , فكل شيء تغير بعد تلك السنوات , الشاب الأميركي أصبح كاتبا ً مشهورا ً يطوف أوروبا ترويجا ً لكتابه الجديد الذي يرصد فيه قصة حبه القديم , أم الصبية الفرنسية فانضوت تحت جناح منظمات الدفاع عن البيئة بشغف كبير بعد سنوات الدراسة في الولايات المتحدة , و بينما يتحدث Jesse إلى الصحفيين في مكتبة قديمة بباريس , تتداعى ذكريات قديمة أمام عينيه , و يجد نفسه فجأة أمام Celine التي تراقبه بهدوء عبر الزجاج .
ساعات قليلة تفصل Jesse عن طائرته المقلعة إلى نيويورك عند المغيب , و في هذا الزمن القليل ينطلق عاشقا الأمس في شوارع باريس الجميلة متنقلين من حديث إلى حديث بشكل يعكس حياة كاملة , ماض قديم تصبغه ليلة حب في فيينا بشيء من السعادة المريرة , و حاضر تعس يحيا فيه Jesse متزوجا ً من امرأة لا يحبها حفاظا ً على طفله فقط بينما تقضي Celine معظم وقتها وحيدة دون أن ترى حبيبها المنشغل عنها بعمله طوال الوقت .
يقدم الفيلم شخصياته كنتيجة حتمية لماضيها البعيد , و كانعكاس لما جرى معها قبل تسع سنوات , و مع الأحاديث الفلسفية الممزوجة بذكريات بعيدة يبدو Jesse و Celine صورة لإنسان رقيق حطمه القدر , أو ربما حطمه الواقع , يقوم كل يوم بواجباته دون رغبة أو دون شغف , يستمر في الحياة محاولا ً لملمة أجزائه المبعثرة , باحثا ً عن شبح أحلامه القديمة في نومه , أو هاربا ً منها إلى قسوة ظاهرية .
من مكان لآخر عبر باريس , تتشعب الأحاديث من موضوع لآخر , الدين , الجنس , الحب , الحياة , البيئة , السياسة , و غيرها , أما حديث الذكريات فيشيع توترا ً خفيا ً و يزيل الغبار عن الحزن الراكد في النفوس , و نوقن لحظة بعد لحظة أن الحب القديم بين Jesse و Celine ما زال في قلبيهما كما كان قبل تسع سنوات في فيينا , لكن الوقت مرة أخرى يقف عائقا ً أمامهما , بينما يخيم شبح الحاضر المخيف عليهما و يمنع أيديهما من الاشتباك في لحظة شديدة الحساسية من الأحداث .
تعتبر نهاية الفيلم واحدة من أجمل النهايات التي شهدها تاريخ السينما العالمية و أكثرها إبداعا ً , فبينما تحثه Celine على الإسراع , يتلكأ Jesse و يؤجل توجهه إلى المطار مرة بعد مرة , حتى يصل أخيرا ً بيت Celine , لينتهي الفيلم على أنغام أغنية ألفتها Celine عن حبيبها البعيد بإيحاء ليلة فيينا , بينما يحرك Jesse خاتم زواجه في إصبعه مفكرا ً بعمق و موقنا ً أنه سيتأخر عن طائرته هذه المرة , فاتحا ً الباب أمام احتمالات لا نهاية لها .
أكثر ما يميز الفيلم هو الطريقة التي أنجز بها و خاصة من ناحية الزمن , فنلاحظ أولا ً أن الزمن الذي يفصله عن Before sunrise مساو للزمن الذي يفصل بين شخصيات القصة , كما يتقدم زمن التصوير في سماء باريس بشكل مماثل لمروره في المشاهد المختلفة , ما ساهم في إضفاء مزيد من المصداقية و الأصالة على مجريات الفيلم , بينما تدور الكاميرا بحيوية لاحقة الممثلين عبر الشوارع في لقطات طويلة شكلت أساس الفيلم بصريا ً .
من جهة أخرى , تجدر الإشارة إلى التطور النفسي الذي شهدته الشخصيات بعد تسع سنوات من إطلاقهما الأول , فالماضي و التجارب المختلفة التي شهدها كل من Jesse و Celine على انفصال صقلت شخصيتهما جيدا ً , ليظهرا بشكل أكثر نضجا ً و حكمة مما كانا عليه في Before sunrise , و لم يعودا مجرد شابين طائشين يتذوقان غراما ً عابرا ً تحت سماء مدينة أوروبية غريبة , بل أصبحا إنسانيين كاملين بتجربة حياتية عميقة تعكس عالما ً كاملا ً من العلاقات المتشابكة .
و في هذا السياق , يتخطى الممثلان Ethan Hawke و Julie Delpy حدود نفسيهما , و يغوص كل منهما في أعماق شخصيته , و يذهبان بعيدا ً في صمتهما و حديثهما عبر أداء عال شديد الإتقان لا يبعدنا عن جوهر الشخصيتين أو ينسينا ذلك الماضي الذي تلوح ظلاله وراءهما , ليشعر المشاهد ببساطة كأنهما خلقا لبعضهما منذ الأزل , و ساعد على ذلك اشتراكهما في كتابة سيناريو الفيلم مع مخرجه و كاتبة Before sunrise الأصلية Kim Krizan .
تعتبر طاولة الكتابة الجماعية أساس نجاح الفيلم , حيث بني في مجمله على مدارس الحداثة في الأدب المعاصر عبر استدعاء مكثف للذكريات المنبعثة بالتداعي النفسي , ليشكل زمن الفيلم نافذة على زمن آخر بشكل يرصد حياة كاملة بين الزمنين , ما كان كفيلا ً بترشيح كتابه لأوسكار أفضل نص سينمائي عام 2004 , إضافة لنيله ترشيحا ً للدب الذهبي كأفضل فيلم في مهرجان برلين من ذات العام .
جدير بالذكر أن الفيلم أطلق أول مرة في مهرجان برلين السينمائي عام 2004 , قبل أن يطرح بشكل ضيق في الولايات المتحدة و العالم ليحصد نجاحا ً كبيرا ً على مستوى النقد الإيجابي , بينما وقف توزيعه المحدود عائقا ً دون انتشاره كقوة ضاربة في شباك التذاكر , لكنه يبقى دون شك واحدا ً من التحف السينمائية الحديثة , و مثالا ً صارخا ً لجمال السينما المستقلة التي أعادت روح البساطة بشكل أو بآخر للسينما الأميركية المعاصرة .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to Before sunset … روح البساطة المفقودة في السينما الأميركية المعاصرة

  1. mode كتب:

    هذا من بين جميع افلام الرومانسيه البحته اللي تحمستلها من فتره بس اخاف اهلي يشوفوني وانا اتفرج على فيلم رومانسي ويتريقون عليا XD
    وعلى حسب علمي من قراءة بعض المراجعات عنه ان حواراتهم ليست فقط رومانسيه بل هي اكثر عمق من ذلك لكن طبعا عشين افهم الفيلم لازم اتفرج الثلاثيه كامله بالترتيب

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s