“رواية لم تكتب بعد” لفرجينيا وولف … الخروج الأخير من عباءة الكلاسيكية المهترئة

فيرجينيا وولف
فيرجينيا وولف

أصدرت الروائية الانجليزية الكبيرة فيرجينيا وولف عام 1921 قصتها ” رواية لم تكتب بعد ” في إطار حربها الأبدية مع الكلاسيكية و مدارس السرد التقليدي القائمة على نقل الواقع إلى الأدب نقلا ً فوتوغرافيا ً جامدا ً دون لمسة ذاتية أو مسحة جمالية .
و كجميع كتاباتها , تتخذ وولف منحى آخر في البناء الدرامي مختلفا ً عن السائد في عصرها , فتقحم نفسها داخل عقل كاتبة افتراضية تحاول خلق نص جديد أثناء ركوبها قطارا ً محليا ً يخترق الريف الانجليزي , لترصد كل فكرة طارئة و كل جملة مفترضة في رواية قيد الإنشاء , فاتحة الباب أمام احتمالات لا نهائية لسيناريوهات متعددة لم تحصل بعد سوى في دماغ صاحبتها الغارقة في أفكارها .
في البداية , يبدو أن لا شيء يحدث في مقصورة القطار الصغيرة , مجموعة من الوجوه الجامدة تخفي حقيقة أصحابها , وجه واحد فقط يبدو قلقا ً , وجه لامرأة ذات عينين كئيبتين , تلتقطه عيون الكاتبة فورا ً , تعطيه اسما ً ما و تبدأ بنسج قصة حوله لعلها تفسر ذلك الحزن القابع في وجه رفيقة رحلتها , تتعدد الاحتمالات لكن الكاتبة توازن بينها و تنتقي أفضلها , ماض مأساوي , جريمة قديمة , عائلة قاسية , وحدة دائمة , علاقة غرامية , غرائز متقدة , شعور بالذنب لا ينتهي و لا تنفع معه الصلوات , و قبل أن تنتهي الكاتبة من تصوراتها يتوقف القطار في محطة ما و تنزل المسافرة حيث ينتظرها ابنها في المحطة , لتبقى الكاتبة عند نافذة المقصورة تراقب رحيل بطلتها تاركة وراءها رواية لم تكتمل بعد .
بنت وولف قصتها على ثلاث مستويات رئيسية تتداخل فيما بينها دون فواصل واضحة , فمن أفكار الكاتبة المتلاحقة بسرعة , إلى سطور افتراضية في روايتها , مرورا ً بومضات من الواقع المحيط بالكاتبة في القطار بشكل يقطع تسلسل أفكارها , منظر عابر للريف عبر النافذة , كلمات قليلة تتفوه بها المسافرة الغامضة , أو مجرد اهتزاز مفاجئ لعربات القطار في رحلته المنتظمة , بخلطة مبهرة من الأفكار المتلاحقة بسرعة و المتدفقة عبر قنوات الكاتبة الشعورية دون مبالاة بحدود الزمان و المكان .
بناء على ذلك , استطاعت وولف تسخير الواقع بذكاء شديد لتصوير العقل البشري من الداخل , ليصبح الواقع مجرد أداة تستخدمها لغايات أدبية محضة , تتمحور حول الإنسان كفرد و ما يجول في عوالمه الداخلية من أفكار و مشاعر , بشكل يشحذ الخيال و يحفز التفكير لدى المتلقي و يتركه أمام حالة ما , قد تكون بسيطة في ظاهرها أو قصيرة في زمنها لكنها تحتضن داخلها حياة كاملة مليئة بعشرات الأشخاص الآخرين , و بعدد لا نهائي من المتغيرات و المتناقضات و الاحتمالات .
من جهة أخرى , تنساب كلمات القصة بسلاسة وفق منطق تداعي الأفكار , كل فكرة تقود لأخرى , و كل تغير طفيف في الأجواء المحيطة يبدل مجرى التيارات الفكرية داخل الدماغ , و تتصل الأفكار المتضاربة معا ً بخيط رفيع من الوهم الأدبي الافتراضي , فكل شيء يتمحور في النهاية حول تصورات الكاتبة عن زميلة سفرها , بمزيج شديد الإتقان من الفوضوية و العبث و التحرر من القيود التي تكبل العقل البشري و تمنعه من الانطلاق دون قواعد صارمة أو منطق جامد , لتتجاوز وولف بذلك الحدود الفاصلة بين الإنسان و الرموز مقدمة نظرة فلسفة عميقة عبر النص بأكمله .
ربما يكون هذا الأسلوب محيرا ً للقارئ في بداية الأمر , و ربما يضطره لقراءة الصفحة بضع مرات كي يصل لتفسير محدد للكلمات أمامه , لكن ذلك لا يدفعه نحو الملل أو الشعور بحالة فقد المعاني في النص , لأن الفكرة الأساسية تبقى ماثلة أمام عينيه , بينما يعمل خياله باتجاهات متعددة لمجاراة أفكار وولف و كاتبتها المفترضة ما يخلق أجواء من المتعة و التحدي بين السطور , و تزيدها حدة تلك الفواصل المتعددة التي تركتها وولف فارغة في نسيج القصة عن عمد , لتعبر بها عن الانقطاعات المتتالية في أفكار الكاتبة و عجزها عن إضافة المزيد في لحظة التفكير بها , ملقية بذلك على عاتق قارئها بتواطئ خفي بين الفضول البشري و الرغبة الطبيعية في المشاركة .
في سياق متصل , تزخر القصة بشاعرية رقيقة و رومانسية عالية , حيث ترسم وولف نسيج قصتها على شكل قصيدة نثرية طويلة مرهفة الإحساس لتبلغ بعض المقاطع هنا و هناك درجة الشعر الخالص , عبر حرصها الدائم على انتقاء الكلمات بعناية و اهتمام لرفع قيمة الجمال في النص , ما يشكل غاية مرجوة من الكتابة بحد ذاتها حسب رؤية وولف الحداثية للأدب أو ما ينبغي أن يكون عليه , في عصر شهد بداية انتفاضة أدبية حقيقية على المدارس الكلاسيكية القديمة .
رواية لم تكتب بعد ” , قصة شديدة الإتقان لكاتبة تعتبر واحدة من أبرز القامات الأدبية العالمية , و المجددة الأبرز في تاريخ الأدب الانجليزي الحديث , و حاملة لواء التغيير ضد مدارس الكلاسيكية و الواقعية المترهلتين في النصف الأول من القرن العشرين , عبر عدد كبير من الروايات و القصص و المقالات , أبرزها السيدة دالاواي ( 1925 ) , صوب المنارة ( 1927 ) و الأمواج ( 1931 ) , لتنجح قبل انتحارها عام 1941 في تغيير مسار الرواية العالمية إلى الأبد .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات أدبية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s