دريد لحام في الخربة … نجم الموسم الرمضاني دون منازع

الكبير دريد لحام في الخربة

الكبير دريد لحام في الخربة

بعد سنوات من الغياب , عاد النجم الكبير دريد لحام للشاشة الصغيرة بإطلالة مميزة في مسلسل الخربة , خاطفا ً الأضواء في الموسم الرمضاني المنصرم , بأداء استثنائي ربما يكون الأفضل لعام 2011 على الإطلاق .
عودة لحام للدراما السورية لم تأت عن فراغ , و لم يكن قرار الرجوع اعتباطيا ً على الإطلاق , بل كان نتيجة حتمية لمجموعة مقدمات منطقية لا يمكن إغفالها , فأمام نص قوي لكاتب بحجم د. ممدوح حمادة و مخرج مبدع كالليث حجو و إنتاج باذخ من شركة سورية الدولية المرموقة و كوكبة نجوم كبار على الساحة العربية , يصبح الرفض مهمة صعبة و أقرب للمستحيل بالنسبة لأي ممثل , إضافة للقيمة الفنية العالية التي يحملها العمل على مختلف المستويات , و تحديدا ً على صعيد تحقيق إضافة ما لرصيد لحام الفني الكبير عبر السنين .
لعب لحام في الخربة شخصية أبي نمر , كبير عائلة ” بو قعقور ” , العجوز الذكي الداهية , و العدو الأزلي لأبي نايف بو مالحة ( رشيد عساف ) , ليشكلا معا ً محور الأحداث و منبع التطورات المختلفة عبر حلقات العمل , مع أسبقية أبي نمر الدائمة كونه يشكل غالبا ً الفعل الأول و المحرك الأساسي لردود أفعال باقي شخصيات المسلسل .
في ذات السياق , يبرز أبو نمر كرجل صاحب مميزات شخصية كثيرة , فهو رجل كبير السن في الريف و لذا يعتبر نفسه صاحب أحقية في زعامة مجتمعه المحلي , و هو رجل صاحب حس فكاهي ساخر , حساس ٌ صاحب عواطف جياشة , يغضب بسرعة و يحب عائلته دون حدود , لكنه في الوقت نفسه رجل ذكي صاحب طموح يحركه عداؤه الشديد لأبي نايف , و من هنا يأتي تسخيره لعواطفه بشدة و حزم في سبيل تحقيق مخططاته المختلفة , لكنه يقع دائما ً في فخ التسرع و الحماسة الزائدة نتيجة ثقته الزائدة بنفسه ما يقوده غالبا ً للفشل الذريع دون أن يفقده ذلك الأمل بنصر آخر في يوم قريب .
و مع تطور الأحداث و تشابك القصص مع بعضها , تبرز الجوانب الخفية في شخصية أبي نمر , كالخوف من السلطة بمختلف أشكالها , و التقدير العالي للذات إلى حد جنون العظمة , و الرغبة العارمة في التفوق على الآخرين , لكن هذه الجوانب لا تتفاقم لديه بصورة مرضية , بل تظهر و تختفي من حين لآخر مشكلة ً الأبعاد النفسية الكامنة وراء تصرفات الشخصية المختلفة طوال حلقات العمل .
على ضوء ذلك كله , كانت الحاجة واضحة لممثل بقيمة دريد لحام العالية لتجسيد شخصية تتضمن كل هذا العمق و التعقيد دون المساس بروح العمل الكوميدية , و لم يخيب لحام الآمال المعقودة عليه , مقدما ً لجمهوره دورا ً لا ينسى , مضفيا ً بعدا ً آخر على العمل و الشخصية معا ً بتفصيلات كثيرة , محفزا ً طاقم العمل على تقديم أفضل ما لديه لمجاراة نسقه العالي و عفويته الهائلة .
في الخربة يكثر النجوم و يرتفع مستوى الأداء , و تختلف طريقة التقديم من ممثل لآخر , لكن لحام أخذ خطا ً آخر في أدائه لأبي نمر بعيدا ً عن المبالغة في الحركات بشكل يبدو عاديا ً جدا ً أمام فواصل باسم ياخور و أقواسه التي تفتح و تغلق , أو أمام ضحى الدبس بطريقة كلامها و رفعها لثوبها , أو حتى أمام رشيد عساف بلسانه الطويل و ضحكته الغريبة و ساقه التي ترتج مع كل رنة هاتف , لكن لحام يبرز بين الجميع بإشعاع غريب لا يدعك ترى سواه في أي مشهد يظهر فيه , صمته أقوى من كلامه , و عيناه تتحدثان أكثر من الجميع و تبوحان ببواطن صاحبهما دون مراءاة , و إطلالته في أي مشهد تخطف الأنظار و كأنه يملك المكان بأسره و الباقون مجرد ضيوف عابرين في فضائه الواسع .
في الخربة تتداعى الفواصل القائمة بين لحام و شخصيته الدرامية , لتنسى أن هناك ممثلا ً يدعى دريد لحام , و لا ترى أمامك إلا أبا نمر ٍ صاحب الشاربين الكبيرين المنتصبين على الدوام مع الفكاهة الدائمة على شفتيه , دون أن تنسينا نكته و ضحكاته ذلك الحزن القديم الساكن في عينيه طوال الوقت .
من جهة أخرى , يمكن القول أن شخصية أبي نمر أخرجت دريد لحام من عباءة غوار إلى الأبد , الأمر الذي فشلت فيه جميع شخصياته السابقة ( الكوميدية تحديدا ً ) , فأبو الهنا منتصف التسعينيات حظي بانتقادات واسعة و لم يتقبله الناس إلا بعد سنوات عديدة على خلفية المقارنات الكبيرة بينه و بين غوار , بينما لم يحظى مسلسله ” عائلتي و أنا ” مطلع القرن الجديد بشعبية واسعة لأسباب تسويقية على الأغلب , فيما غاب مسلسل ” أيام الولدنة ” عام 2006 عن خارطة المحطات الكبرى و لم ينل ما يستحقه في الإعلام رغم المستوى العالي الذي طرحه على مختلف الأصعدة .
لكن الأمر يختلف تماما ً مع أبي نمر , فهنا شخصية شديدة الخصوصية بشكل جديد و لهجة غير مألوفة , مع قوة و سيطرة و تحكم في مجريات الأحداث على عكس الشخصيات الضعيفة و الانهزامية التي لعبها لحام بعد غوار , الأمر الذي كان يثير حفيظة الجمهور العاشق لغوار صاحب الذكاء النادر و المقالب التي لا تنتهي .
دريد لحام في الخربة مختلف عن كل ما قدمه من قبل , تجربة جديدة مع مخرج شاب مشهور بتفجير طاقات الممثلين الكامنة , و تعطش شديد للكاميرا بعد غياب طويل , و رغبة كبيرة في تقديم الأفضل , ليثبت لحام للجميع – مرة أخرى – أنه ممثل من طراز خاص لا يمكن استبداله أو تعويضه بأي كان .
بناء على ما سبق , يستحق دريد لحام لقب نجم الموسم الرمضاني لعام 2011 دون منازع , لكن هل ينصفه موسم الجوائز العربية هذا العام , أم أن المهرجانات الكبرى و التظاهرات الفنية العريقة ستتجه نحو ” النجوم الشباب ” كما درجت العادة في السنوات الأخيرة , مع فلسفة اجتذاب المراهقين و المراهنة عليهم لحصد أكبر كمية ممكنة من الأرباح , دون أدنى اهتمام بالمستوى الفني المقدم .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات متعددة الألوان وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to دريد لحام في الخربة … نجم الموسم الرمضاني دون منازع

  1. اورفيوس كتب:

    دريد كأنك تتكلم عن خمسين او ستين سنة من الابداع والعمل المضني , اؤم ان هذا الرجل لو حرك اصبعة سوف يضحك الناس او يوصل رسالة و الله يحفظ الرجل فهو بجد بودقة من النبيذ المعتق . رائع ولحد الان رائع واعجب لهذا العمر الطويل وهذا النشاط الشبابي الرائع .

    اورفيوس

    إعجاب

    • شكراً لتعليقك , و لمرورك الكريم , أتمنى أن تشرفنا دائماً في فقاعات صابون …. و معك كامل الحق في كلامك عن الكبير دريد لحام …
      شكراً مرة أخرى …

      إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s