شكوك مشروعة في طبيعة صفقة تبادل الأسرى 2011

شكوك مشروعة في طبيعة صفقة تبادل الأسرى 2011
شكوك مشروعة في طبيعة صفقة تبادل الأسرى 2011

بعد سنوات عدة من احتجازه في مكان مجهول , أطلقت حركة المقاومة الإٍسلامية حماس سراح الجندي الإسرائيلي المأسور جلعاد شاليط , مقابل إفراج السلطات الإسرائيلية عن 1027 معتقلا ً فلسطينيا ً داخل سجونها , في صفقة تبادل وصفها المراقبون للشأن الفلسطيني بالتاريخية نظرا ً للظروف الكثيرة التي أحاطت بها .
إبقاء شاليط محتجزا ً طوال خمس سنوات كاملة دون أن يعلم مصيره أحد يعد معجزة بحد ذاته , و ظهوره حيا ً و بحالة جيدة بعد جميع الشائعات التي أحاطت به في وسائل الإعلام يعتبر نصرا ً لحماس و برهانا ً على كسبها المعركة مع إسرائيل التي اجتاحت قطاع غزة عام 2008 لتحرير شاليط من قبضة حماس أو التخلص منه في أسوأ الأحوال كيلا يصبح ورقة ضغط بيد حماس كما آلت إليه الأمور لاحقا ً .
و في سياق متصل , استطاعت حماس و لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي , إطلاق سراح عدد من الفلسطينيين المحكومين بتهمة ” قتل إسرائيلي ” , الأمر الذي كانت تعتبره حكومة الكيان الصهيوني خطا ً أحمر لا يمكن تجاوزه , لكنها غضت الطرف على لسان رئيس وزرائها بنيامين نيتنياهو و قبلت التنازل مقابل عودة شاليط لأسرته و دياره , ما أثار ردود فعل غاضبة في الأوساط الإسرائيلية و خاصة الدينية المتشددة إلى حد دفع أحد كبار الحاخامات اليهود إلى دعوة الحكومة الإسرائيلية مجددا ً قتل كل فلسطيني ( أو عربي ) بدل اعتقاله , كي لا تضطر الدولة العبرية إلى تقديم تنازلات كثيرة لا تليق بسمعتها و مكانتها و لا تحقق الرضى لشعبها المختار .
في ضوء ذلك , يكثر الحديث عن إيجابيات الصفقة , و تحديدا ً في جوانبها الإنسانية , حيث لمت شمل عائلات كثيرة من جديد , و رسمت البسمة على الوجه الفلسطيني الحزين أبدا ً , و أعادت الأمل لأكثر من خمسة آلاف معتقل آخرين داخل سجون الاحتلال برؤية نور الشمس مرة أخرى , بعد خروجهم من إضراب طويل عن الطعام لتحسين ظروف اعتقالهم الوحشية دون أن يبالي بهم أحد تقريبا ً .
لكن رغم كل ما سبق , لم تكن أجواء الصفقة كافية لإبعاد الشكوك عنها , حيث حامت الشبهات في الآونة الأخيرة حول بنود سرية تضمنتها الاتفاقية بين حماس و إسرائيل دون الكشف عن طبيعة هذه الشبهات و اتجاهاتها , لكن حماس سارعت إلى نفي ذلك , معتبرة إياه مجرد محاولات للالتفاف على ما أنجزته , و مؤكدة استمرارها في خطيها السياسي و المسلح في آن معا ً .
و على هذا الصعيد , تبدو الشكوك بمصداقية الصفقة مشروعة و مبررة , و ذلك لأسباب كثيرة على رأسها توقيت الصفقة و شروطها المفاجئة , و تحديدا ً من قبل الجانب الإسرائيلي بتنازلاته غير المسبوقة , و يبرز إلى جوار ذلك حركات الربيع العربي التي تجتاح المنطقة برمتها وسط انقسامات في الرأي بين مؤيد لها ( كحركات تحرر طال انتظارها ) و معارض لطبيعتها ( انقلابات عسكرية بدعم خارجي ) , إضافة للدور الذي لعبته الحكومة المصرية المؤقتة و أجهزة مخابراتها في العملية كوسيط وحيد بين طرفيها .
و هنا يجب القول , أن الصفقة أتت في هذا التوقيت بالذات لذر الرماد في العيون , و لإظهار الثورات العربية المفترضة على أنها صاحبة الفضل في ما جرى , لتسري في دماء العرب كالمخدر مستفيدة من المشاعر المختزنة داخل النفوس العربية و المتضامنة بشدة مع الفلسطينيين و مأساتهم عبر التاريخ .
و هكذا , تحولت المشاعر العربية بحدة نحو الإشادة بإنجازات الثورة المصرية ( على الأقل ) و مهللة بعودة مصر إلى مسارها القومي مجددا ً , في وقت تكثر فيه المطالبات داخل الأراضي المصرية بإغلاق السفارة الإسرائيلية في القاهرة و قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل , رغم أن الصفقة بتاريخها الطويل تحسب لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي كان الراعي الأساسي لها طوال السنوات الماضية , بينما لم تقدم ثورة 25 يناير لها شيئا ً باستثناء تزامنهما معا ً , ما يفتح باب الأسئلة على مصراعيه حول طبيعة الصفقة , و مدى وجود ضوء أخضر اتخذ على أعلى المستويات الدولية و تحديدا ً الأميركية لتنفيذ الصفقة في هذا التوقيت بالذات , مع فشل ٍ صاحب إبرامها مرات عدة في السابق دون تبريرات مقنعة أو ظروف واضحة لتلك التعثرات .
إذا ً , لا بد من النظر بعمق نحو الأحداث , فلا شيء يجري لمجرد أنه يجري , و الصلات الغربية مع الحركات الإسلامية المختلفة لم تعد مستترة في الخفاء كما كانت , في وقت تتعاظم في طموحات تلك الحركات لقلب الأنظمة السياسية في المنطقة لغايات شخصية و طموحات قيادية تحت مسمى التغيير و الصحوة الإسلامية , و اللعب على الوتر الديني الحساس في المنطقة , و التخلص من العلمانية التي تعتبر بواقعها الإيجابي المنافس الأكبر لتلك الحركات مهما اختلفت تسمياتها و أهدافها المعلنة .
بناء على ما سبق , تشكل صفقة تبادل الأسرى 2011 , حلقة جديدة في سلسلة الصراع العربي الإسرائيلي , و إن كانت في ظاهرها تشير إلى تفوق حماس بفرضها شروطا ً غير مسبوقة على الكيان الصهيوني , فإنها تحمل في باطنها كثيرا ً من التساؤلات حول طبيعة صلتها بأجندات تخدم حلف الناتو , في وقت تطفو فيه على السطح صلات الحركات الإسلامية المختلفة مع الحكومات الغربية , لجر المنطقة العربية نحو مصير مجهول .
في النهاية لا بد من تهنئة الأسرى المحررين و عائلاتهم , فرغم كل ما يثار حول الصفقة يبقى الجانب الإنساني هو الأبرز و الأهم , و يبقى الأسرى المحررون محور ما جرى , و عودتهم للحياة بحرية مرة أخرى هي النصر الحقيقي , بانتظار تحرير ما تبقى منهم داخل المعتقلات الإسرائيلية في قادم الأيام .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات متعددة الألوان وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s