بحيرة الموت

بحيرة الموت

بحيرة الموت

بعيداً عن المدينة
في ذلك الصباح الخريفي المكفهر
ذي الوجه الكالح المربد
هبت ريح باردة
بقسوة
تطايرت الأوراق اليابسة
في كل اتجاه
بعشوائية مذعورة
و هي تحتمي بين الأرجل
العارية
للأشجار المنهكة أبداً
من بيع جسدها باستمرار
على مرأىً من الجميع

وصلت إلى هناك
دون أن أدري
كيف
و دون أن يلاحظ أحد
وجودي المحرم
في تلك المساحة المحصورة
بين إحساسين يتنازعان
ربما كنت
أطارد شجون قلبي الذي
توقف منذ فترة طويلة
عن الخفقان
احتميت بالظلال الداكنة
لمشاعري
و أنا أراقب بخشية
كيف ينتهي كل شيء

توقفت الرياح بغتة ً
التقطت أنفاسها المتلاحقة
أطلقت ضحكة مجلجلة
كمجرمي الأزقة الخلفية
و هي تتأمل الموت القادم
لا محالة
تدفقت بعدها بين الأغصان
بهدوء كنسيم ٍ خطر
صمت رهيب يغلف النفوس المذعورة
ظلال رمادية تنير المكان
بمأساوية سحابةٍ صباحية
و أشباح الماضي تتكاثف بسرعة
و تنسحب إلى أوكارها القصية
لسبب ما

فجأة ً
انكسر جدار الصمت
حفيف بسيط للورقة الأخيرة
الباقية بأعجوبة على غصن ميت
تتلو صلواتها الأخيرة
بيأس
و هي تختار الموت طواعية
أغمضت عينيها الباكيتين
على مشهد الخراب المحيط بها
دون أن تلاحظني
و هوت بتحدّ سافر
للرياح التي تشاهد كل شيء
عن كثب
كإله قديم عاجز
تهاوت الورقة فوق الأثير
بنعومة
و قبل أن تستقر على الأديم
و تعانق جثث صديقاتها المتصلبات
دفعتها الرياح دون رحمة
لتلاقي قدرها الأخير
في أعماق الغابة المرتعدة
حيث تسكن منذ الأزل
مختلف أنواع الشرور التي
تعزف بأظافرها الطويلة
على أوتار مخاوفنا الهاجعة
في قاعاتنا الداخلية الفارغة

ينتهي كل شيء
بصمت كما بداً
و تتلاشى الصرخات المذعورة
في الظلام الذي يكتنف
الأعماق البعيدة
تبتعد الرياح دون جلبة
لأبقى وحيداً وسط الأسى العميق
أتردد قليلاً
لا أدري أين أتجه
كل شيء متشابه
إلى حدّ مؤلم
و الزمن يلعب لعبته القذرة
مرة أخرى
أرفع رأسي نحو بقايا السماء
طلباً للمساعدة
لكنّ حيرتي الحائرة
تصطدم بالأغصان المتشابكة
فوقي بكثافة
و في نهاية المطاف
أغمض عينيّ و أسير دون هدىً
نحو أي مكان آخر
تقودني قدماي المربوطتان
بخيوط عنكبوتية مع القدر الدامي
عبر العتمة المقدسة
إلى ضفاف بحيرة الموت
أفتح عينيّ التائهتين
و يقع بصري الزائغ على زورق عتيق
ينقل من يشاء دون شروط
إلى العالم الآخر
أتقدم نحوه بحذر
مدفوعاً برغبات غير واضحة
أنطلق به
في المياه الساكنة الراكدة
التي لا تعكس صفحتها
أي شيء على الإطلاق
سوى توهجات خضراء غامضة

أستسلم لمصيري
ظلال شبحية تنبعث من حولي
دون ضجة
و تحيط بي من كل صوب
أرتعد بخوف
أصرخ دون صوت
أنادي ملكات العالم السفلي اللواتي
يرقدن دون اكتراث في القاع
لكنني لا أتلقى رداً
سوى صدى صوتي
معكوساً
تمسكني الأيدي الرطبة
تكبل جسدي دون أن أقاوم
و تسحبني معها
إلى الأسفل
تتسلل المياه إلى جوفي
رائحة عفنة تحتل آلامي ببطء
و عندما أتحرر أخيراً
أبقى راقداً فوق الحجارة الرخوة
منتظراً عبور زورق جديد
بسكون تامّ في الأعلى
حاملاً معه فريسة جديدة
توقظ رائحة يأسها
توهجاً أخضر باهتا ً
في عيوني المطفأة

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من شعري وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to بحيرة الموت

  1. أحمد إبراهيم كتب:

    وليد رائع والأروع الصورة اللي حاططها كتييييييييير مناسبة للقصيدة:)

    إعجاب

  2. قصيدة جميلة يا صديقي, و رائع ما كتبته
    شكرا

    إعجاب

  3. Mohammad Adnan Dawood كتب:

    what a very nice poem

    إعجاب

    • thank you dear , in fact this is a poem I’m proud of it ,,,, I wrote the first version of it 7 or 8 years ago but it wasn’t what I really wanted so I developed it somehow and kept the some of the original parts there …. glad to hear that you like it 🙂

      إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s