الحياة داخل العقل البشري في الفيلم الكبير Eternal sunshine of the spotless mind

Eternal sunshine of the spotless mind

Eternal sunshine of the spotless mind

إنه ليس فيلما ً عاديا ً على الإطلاق , تلك هي الكلمات المناسبة لوصف فيلم عظيم ك Eternal sunshine of the spotless mind … حيث يمتزج الواقع البشري البائس بالخيال العلمي المبهر في قصة عاشقين يقرران محي ذكرياتهما المشتركة بعد الانفصال اعتمادا ً على التكنولوجيا الطبية المتقدمة .
يبدأ الفيلم من النهاية تقريبا ً عندما يستيقظ Joel المنطوي على ذاته في غرفته مع إحساس غريب يدفعه للتخلي عن روتين حياته اليومية , ليجد نفسه في القطار المتجه نحو أحد الشواطئ الباردة ليلتقي صدفة ً ب Clementine صاحبة الأفكار الغريبة الجريئة و الشخصية المتغيرة مع كل صبغة شعر تقوم بها , و تحدث بينهما على الفور شرارة من التفاهم و الود كأنهما يعرفان بعضهما منذ فترة طويلة , و بينما تبدو الأمور بينهما سائرة في الاتجاه الصحيح نحو قصة حب جميلة و تقليدية , يتوقف الفيلم و يعود بنا في الزمن إلى الوراء لنكتشف الماضي المتواري خلف ظلال الواقع الممزقة .
فقبل أسبوع فقط من المقدمة المثيرة , كان الانفصال الفعلي بين Joel و Clementine إثر علاقة دانت لسنتين , المدهش في الأمر أن Joel يتذكر كل شيء بعكس Clementine التي تتصرف كأنها لم تقابله من قبل على الإطلاق , و يكتشف Joel أخيرا ً أن حبيبته السابقة محته من ذكرياتها نهائيا ً بالاعتماد على التقنيات الطبية المتطورة التي تقدمها إحدى العيادات المتخصصة .
بناء على ذلك يقرر Joel الانتقام بخضوعه لمحي الذكريات هو الآخر , ليدخل الفيلم منعطفا ً حقيقيا ً باقتحامه دماغ Joel و رصده ما يدور هناك من الداخل أثناء عملية مسح الذكريات , حيث يكتشف Joel الأمور الصغيرة التي أدت بتراكمها لقتل الحب الذي كان يجمعه ب Clementine في ذكرياته الأولى معها , و يقرر فجأة التمرد على ما يجري , بهروبه من ذكرياته نحو ذكريات أخرى لا تشمل Clementine عسى أن ينقذ ذلك و لو ذكرى واحدة فقط لأنه أدرك كم تعني له تلك الفتاة , و لأنه أدرك قيمة الذكريات في الحياة البشرية .
و مع الذكرى الأخيرة , يتلاشى عالم كامل داخل عقل Joel الذي يبدو حزينا ً فتواسيه Clementine و هي تودعه لآخر مرة ٍ راجية ً أن يتذكرها رغم كل شيء , و تهمس في أذنه أن يلاقيها عند الشاطئ , و في الصباح يستيقظ Joel بعد العملية و في ذهنه رغبة ملحة غامضة الدوافع بالذهاب إلى الشاطئ حيث ابتدأ الفيلم , قبل أن يكتشف العاشقان حقيقة ما جرى بينهما , لكنهما يتجاهلان الموضوع و يقرران البدء من جديد رغم أن النهاية المأساوية لنهاية الحب تلوح أمام أعينهما .
من جهة أخرى يطرح الفيلم جملة من التساؤلات متعلقة بالخيارات البشرية في الحياة , بشكل يتمحور أساسا ً حول قيمة الذكريات في حياتنا و إلى أي مدى نستحق التحكم بها كجزء من تكويننا النفسي الداخلي , كما يناقش المجال الذي يتحكم به الماضي في تفاصيل حياتنا الراهنة , على اعتبار أننا نتيجة حتمية لذلك الماضي الذي تمتد ظلاله وراءنا طويلا ً .
و في ذات السياق تبرز قيمة الزمن من ناحية الطرح السينمائي المعتمد على التداخلات الزمنية المتعددة , فالحاضر يمثل عملية مسح الذكريات من دماغ Joel الغائب عن الوعي , و الماضي هو الذكريات التي يحيا فيها لاوعي Joel متداخلا ً مع وعيه الخارجي و ذكرياته البعيدة عن عملية المسح , و يبقى المستقبل ماثلا ً في الصورة الكلية باعتباره السؤال أو الغاية النهائية من كل ما يجري .
لم يعمد الفيلم إلى طرح نهاية مثالية طوباوية كما في أفلام الرسوم المتحركة أو القصص الخيالية , و لم يمجد الحب على أنه الإحساس الخالد الذي لا يزول , فلا نجد Joel يصحو من أحلامه لينادي Clementine بلهفة و شوق قبل أن ترمي تلك الأخيرة نفسها في أحضانه وسط الدموع و القبلات , بل على العكس تماما ً , رومانسية واقعية و منطق محكم يفرض نفسه على التفاصيل الدقيقة , فلولا التمرد العقلي الذي قام به Joel لما همست ذكرى Clementine أن يلاقيها عند الشاطئ , و حتى عند اللقاء الأخير لم يذكر أحدهما الآخر بل قررا البدء من جديد كأن شيئا ً لم يكن .
إن كل ما سبق لا يشكل عائقا ً أمام متعة المشاهدة أو الضياع وسط الأفكار الكثيرة , حيث يساهم الإخراج المتقن في تبسيط الأمور , فلا نجد تطويلا ً مبالغا ً فيه أو إبهارا ً بصريا ً يزيد في تهويل القصة الدسمة أصلا ً , بينما يتداخل الصوت في نهاية المشاهد مع بداية المشهد التالي بحيث يشكل رابطا ً بين الأفكار المتشتتة , لينحصر بذلك عقل المشاهد بالشاشة أمامه دون مجال للضياع , و يأتي التشويق عبر صراع الشخصيات مع الزمن ضد إرادتهم في المقام الأول و ضد القدر بشكل عام .
و تجدر الإشارة هنا إلى البيئة النفسية الخصبة التي يقدمها الفيلم عبر عالم الذكريات و الأفكار المتداخلة بحدة , دون أن ننسى الحداثة السينمائية التي يقترحها الفيلم عبر الحياة داخل دماغ بشري لرصد كل شيء من هناك دون العبء بتفاصيل الزمان و المكان التي تتلاشى أمام قوة العقل دون أدنى مقاومة .
من جانب آخر , يلعب دور البطولة في الفيلم النجم Jim Carrey إلى جوار النجمة المتألقة Kate Winslet , يبدو الثنائي للوهلة الأولى غريبا ً بعض الشيء نظرا ً للصورة الذهنية التي يملكها الجمهور عنهما , خاصة Carrey المشهور بأدواره الكوميدية الكثيرة لدرجة ينسى معها الجمهور قوته الهائلة في الأدوار الدرامية , مع أنه برأيي الخاص أفضل بكثير في أفلام الدراما و التعقيد النفسي , و ربما يعود ذلك لقوة النصوص السينمائية الدرامية التي يختارها و غناها مقارنة بأعماله الكوميدية ( كدوره الذي لا ينسى في فيلم الجريمة و الغموض The number 23 ) .
جدير بالذكر أن الفيلم من إنتاج عام 2004 و إخراج Michel Gondry , و حظي بضجة واسعة و تحديدا ً على صعيد النقد الإيجابي الذي تلقاه , ليدخل عددا ً كبيرا ً من القوائم السينمائية لأفضل الأفلام عبر التاريخ دون أن ننسى العدد الكبير من الترشيحات في موسم الجوائز الأميركية 2004 حيث حظي بأوسكار أفضل نص سينمائي أصلي .
Eternal sunshine of the spotless mind … فيلم رائع , يقدم الحب بطريقة شديدة الحداثة , مشاعر كثيرة وسط برودة العلم الصرف , و براعة شديدة في نقل التداعيات النفسية , و تشويق لا يمل المشاهد من متابعته مرة تلو الأخرى .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to الحياة داخل العقل البشري في الفيلم الكبير Eternal sunshine of the spotless mind

  1. Wow… Wonderful choice and review
    I like this movies so much…
    thanks,

    إعجاب

  2. أحمد إبراهيم كتب:

    حلووووووووووووووووووووووووووووووووو وليدووووووووووووووووووووووو.
    ظلال الواقع الممزقة:)

    إعجاب

  3. الفيلم قصته عجبتني وشوفت الفيلم مرة وقرأت قصته اكتر من مرة ورغم ذلك انا لسه مش فاهم فيه بعض الحاجات ومش قادر اربط احداث الفيلم ببعض بشكل صحيح ولسه متلخبط.. اعمل ايه !
    مع العلم السبب الاساسي اللي خلاني اشوف الفيلم انه يور حول قصة وصراع داخل العقل ممزوجا برومانسية وخيال علمي لاني بحب الثلاثة اشياء العقل والرومانسية والعلم والتكنولوجيا وايضا الخيال
    وعقلي اشبه بكتييييييييييير بعقلية الشخصية جول باريش الموجوة بالفيلم وعقلي فعلا غريب واعاني من صراعات وحرووب داخلية بعقلية ممزوجة بخيال وعلم ورزمانسية ومجموعة من التراكيب الداخلية بعقلي الغير مفهومة ويمكن لكل من يقرأ تعليقي وكلامي الاحساس بذلك الصراع العقلي..

    إعجاب

  4. غير معروف كتب:

    فيلم عظيم، وصورته وألوانه حلوة جدًا خاصة ألوان مشهد اللي هم الاتنين بيبقوا ع سرير على الثلج

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s