De andras liv … حلم في عقل مخرجه و أسطورة في أذهان عشاق الفن السابع

De andras liv ... حلم في عقل مخرجه و أسطورة في أذهان عشاق الفن السابع

De andras liv ... حلم في عقل مخرجه و أسطورة في أذهان عشاق الفن السابع

لم يتوقع المخرج الألماني Florian Henckel Von Donnersmarck أن يحصد نجاحا ً منقطع النظير في تجربته السينمائية الأولى عام 2006 عندما أطلق تحفته The lives of others ( بالألمانية De andras liv ) حاصدا ً بها النجاح تلو الآخر في شباك التذاكر جنبا ً إلى جنب مع التكريمات المتعددة في مختلف المهرجانات العالمية , منتزعا ً في نهاية المطاف أوسكار أفضل فيلم أجنبي و ما يعادلها من الأكاديميتين الفرنسية و البريطانية , إضافة لجائزة أفضل فيلم في مهرجان الأفلام الأوروبية و مهرجان لندن السينمائي , دون أن ننسى انتزاعه جائزة اختيار الجمهور في ثمانية مهرجانات كبرى حول العالم , ما دفعه بقوة نحو انتزاع مراكز متقدمة في القوائم السينمائية المتخصصة بأفضل الأفلام في القرن الجديد و تاريخ السينما على حد سواء , و منها قوائم لوسائل إعلام مرموقة كصحيفة نيويورك تايمز و مجلتي تايم و نيوزويك .
يعود الفيلم إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي ليرصد أجواء الحياة الثقافية السائدة في ألمانيا الشرقية قبيل انهيار جدار برلين عام 1989 , عبر قصة تجسس يقوم بها Gerd Wiesler عميل وكالة الأمن القومي للجمهورية الشيوعية على الكاتب المسرحي المشهور Georg Dreyman و حبيبته الممثلة Christa-Maria Sieland كونهما يمثلان خطرا ً محتملا ً على الدولة بصلاتهم البسيطة مع مثقفين يمينيين و أفراد مختلفين في ألمانيا الغربية رغم انتمائهما للحزب الشيوعي الحاكم و إيمانهما بالاشتراكية كمبدأ عام .
لكن الأمور ليست كما تبدو عليه في الظاهر , حيث يكتشف Wiesler أن الغاية الحقيقية من كامل العملية هي رغبة رئيسه المباشر في استغلال أي فرصة للارتقاء بمنصبه الإداري عبر كشف العلاقة السرية بين Christa-Maria و وزير الفنون Bruno Hempf الذي يستغلها جنسيا ً مقابل حماية مهنتها من الانهيار كونه يتحكم بما يعرض و يحظر في البلاد , و من هنا ينمو شعور جديد داخله بالتعاطف مع العاشقين و التفاعل مع أجواء الثقافة الدافئة و الراقية المخيمة على منزلهما , ما يبعدهما بنظره عن دائرة ” الأعداء الخطرين ” فيبدأ بالتدخل في تفاصيل حياتهما دون أن يشعرا , و يقنع Christa-Maria بترك الوزير لصالح الصدق الذي تحمله في قلبها .
يوما ً بعد يوم , تلامس الموسيقا الراقية و كتابات بريخت قلب Wiesler في العمق , فيدرك بشاعة الحياة الفارغة التي لديه : شقة خاوية تنتظر عودته كل ليلة ببرودة , طعام يتناوله دون رغبة أو متعة , و قليل من الجنس الخالي من العواطف مع أجساد المومسات . و من هنا يبدأ Wiesler الكذب في تقاريره اليومية لحماية الأشخاص الذين يمثلون حياة ً مثالية ً يرغب بها في أعماقه .
تنتقل الأحداث بعدها إلى مرحلة متقدمة بانتحار أحد أصدقاء Dreyman المقربين بعد سنوات من الحظر على أعماله , فينهي زمن السلبية و يبدأ التفكير في الحرية من القيود التي تكبل الحياة الثقافية وسط نظام شمولي قهري , و يخطط بمساعدة أصدقائه لكتابة مقالة يكشف فيها الستار عن معدل حالات الانتحار المعتم عليها في البلاد نتيجة القمع السياسي و عدم احترام حقوق الإنسان .
و هكذا تنشر صحيفة ديرشبيغل في ألمانيا الغربية المقالة , ما يحدث ضجة كبيرة على مختلف الأصعدة و خاصة داخل الحكومة الشيوعية التي تنجح أجهزتها الأمنية في الحصول على مسودة المقالة التي كتبها Dreyman , لكنهم يفشلون في إيجاد آلة الطباعة التي تشكل الدليل الحاسم في المسألة كاملة ً , فتعتقل وكالة الأمن القومي Christa-Maria بتوجيهات من وزير الفنون الراغب في الانتقام , و بعد يومين في المعتقل تشي Christa-Maria بمكان الآلة السري في بيت Dreyman مفضلة التعاون مع الجهات الأمنية على الحب و الصداقة , لكن Wiesler المتجدد يكمل ما بدأه و يسبق الجميع إلى منزل الكاتب و يخفي الآلة عن الأنظار , فتسقط التهم عن Dreyman و توقف عملية التجسس عليه بفشل ذريع , و تموت Christa-Maria عندما تلطمها شاحنة مسرعة بعد هربها من نظرات Dreyman المعاتبة .
يمكن قراءة الفيلم على مستويات عدة , فمن جهة يمثل صرخة تجاه انتهاكات حقوق الإنسان في الأنظمة الشمولية لغايات سلطوية بحتة , و رغم عدم طرحه الموضوع بشكل مباشر إلا أن الفيلم يعمم نظرته هذه تجاه جميع الأنظمة السياسية المختلفة , فشخصية وزير الفنون تحافظ على غطرستها و سلطتها بعد انهيار جدار برلين و قيام ألمانيا الاتحادية , ما يفسر على أن الأنظمة السياسية تختلف في الظاهر فقط أما في الجوهر فهي تشترك بأكثر مما يبدو عليها , فنحن نرى كل يوم في الأفلام الأميركية حالات تجسس و تنصت على الأفراد تحت ستار الأمن القومي و رغم ذلك لا نعارض النظام الديمقراطي , ربما لأنه لا يمارس نشاطاته القمعية في العلن كأنظمة القرن العشرين الشمولية .
من جهة أخرى يطرح الفيلم نقطة رائعة تتمثل في قوة الثقافة و الكلمات و الموسيقا في إعطاء معان لحياة الإنسان الفارغة , ف Wiesler الضابط البارد عديم المشاعر أحس بإنسانيته و مدى بؤسه عند احتكاكه بعالم المثقفين و الفنانين , ما شكل العامل الرئيسي في تغيير شخصيته و عصيان أوامر رؤسائه رغم أن ذلك تسبب بمعاقبته و نقله لقسم مراقبة الرسائل في وكالة الأمن القومي لاحقا ً , و هنا يجب الإشادة بالبنية النفسية المتقنة للشخصية على مختلف الأصعدة , و خاصة على صعيد اتخاذ القرار الصائب الحر و تحمل مسؤوليته لمجرد الإيمان بصحته و مشروعيته .
و في ذات السياق يبرز الأداء العالي للممثل الألماني Ulrich Mühe في أدائه الاستثنائي لشخصية Wiesler , خاصة أن الصمت يغلف مساحة كبيرة من الدور , حيث استطاع خلق مزيج غريب من البرود و التوجس دون كثير من الكلمات , فرغم أن وجهه لا يوحي بشيء على الإطلاق إلا أنه نقل كمية الاضطراب الداخلي إلى الشاشة دون عناء , و من أجمل ما في الفيلم هو ذاك التواصل الصامت بينه و بين Dreyman في تفاصيله الصغيرة , كالاستلقاء على السرير أو ضم Christa-Maria بحنان أو حتى عقد ربطة العنق , ما أثرى الفيلم بشكل هائل و كشف حالة الفراغ في حياة العميل السري دون أن يتطرق لها مباشرة .
في الجوانب الإخراجية تبرز الموسيقا التصويرية كقوة طاغية في إثارة المشاعر و تأجيج التعاطف مع أبطال القصة , إضافة للاستخدام الموفق للألوان و تأثيراتها النفسية , خاصة ً في مركز وكالة الأمن القومي بألوانه القاتمة و الرمادية , بينما يأتي اختيار أماكن التصوير دقيقا ً , إذ يقع بيت العميل Wiesler مثلا ً في بناء بارد خال من المشاعر أو النباتات و الدفء , بينما منزل Dreyman فيقع في حي أنيق مع أشجار و أطفال يلعبون كرة القدم في الشارع , دون أن ننسى تأثير الكاميرا الهادئة دون بطء و المثيرة دون انفعال و دورها في نجاح الفيلم بشكل عام باعتبارها الحاضن الأساسي لكل ما يجري أمام عدستها .
يجدر الذكر في النهاية أن المخرج الأميركي الشهير Sydney Pollack أبدى رغبته عام 2007 في صنع نسخة أميركية من الفيلم باللغة الانجليزية لكن وفاته عام 2008 حالت دون إتمام المشروع , و أمام ذلك كله يبدو وصف الفيلم بالتحفة السينمائية تقليلا ً من مكانته و قيمته الفنية , خاصة أنه يجمع بين النجاح الجماهيري الكبير و النجاح على مستوى المهرجانات السينمائية و النقد المتخصص .
The lives of others فيلم شديد التكامل بين عناصره المختلفة , أنيق , صادم , حقيقي , عميق و قادر على إثارة المشاعر , بدأ كحلم في عقل مخرجه و انتهى كأسطورة في أذهان جمهوره ليشكل بفلسفته الإنسانية الطاغية و مزيج السياسة العاطفية حالة فريدة في السينما العالمية المعاصرة .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

9 Responses to De andras liv … حلم في عقل مخرجه و أسطورة في أذهان عشاق الفن السابع

  1. أحمد إبراهيم كتب:

    من اروع الأشياء أن يكتب العقل ويحكم الجنون 🙂
    صديقي ما بقدر قول غيييييييييير رائع كالعادة 🙂
    بس لا تنسى تجبلي الفيلم لإني كتييييييييييييير حبيتو من خلال كتابتك 🙂

    إعجاب

  2. كل شئ جميل في هذا الفيلم, رغم انه بارد قليلا, لكنه متكامل من ناحية سيناريو و طاقم الممثلين (دور Ulrich Mühe كان مذهلا الذي بدا عليه علامات الصرامة و الكتمان) و التصوير كان رائعا يجعلك تعيش في اجواء الثمانينات من القرن الماضي في المانيا شرقية إذا لم تخني ذاكرتي, لاسيما أنه يحوي مغزى عظيم الذي لم نكشفه إلا في نهايته لا سيما إن فيلم (حياة الأخرين) من الأفلام التي تكشف المغزى في نهاية الفيلم إذ إن الجاسوس هيوبتانين غريد (Ulrich Mühe) قد ضحى بمنصبه من أجل قضية سامية بعد إن كان يسترق السمع لكاتب مسرحي و لم يدرك هذا الكاتب إن هذا الجاسوس نفسه ساعده في نشر كتابه إلا بعد هدم جدار برلين, و عظمة الفيلم يكمن في إنهما لم بلتقيا عن قرب رغم إن الكاتب عرف أنه هو فكتب الأهداء اليه في كتابه الذي نشر في المانيا…
    شكرا يا سيد وليد على النقد…

    إعجاب

    • كل ما قلته صحيح صديقي … أعتقد أن البرود الموجود في أجواء الفيلم ترجع لطبيعة العزل بين الأوساط الثقافية و غيرها من جهة إضافة لعزلة السلطة عن نبض الشارع في الوقت ذاته , و هو ما كان يطبع الدول الاشتراكية عامة بهذا النمط من الحياة ما انعكس على أجواء الفيلم ….

      إعجاب

  3. Abdullah كتب:

    واحد من الأفلام الألمانية المفضلة لدي على الإطلاق..
    جميل جداً ويلامس المشاعر الإنسانية.
    مهما كان المرء قاسياً, لابد أن يكون هناك مايذيب تلك القسوة!

    إعجاب

    • لكن هل كان المخبر السري قاسياً حقاً … ؟ أم أنه كان يقوم بعمله فقط بمعزل عم مشاعره وإنسانيته … يذكرني هذا الفيلم و الطرح الذي قدمته لفيلم من إخراج رومان بولانسكي لا أذكر عنوانه بالتحديد الآن يدور حول التعذيب و الانتقام من عميل سري سابق في أميركا الجنوبية … سأحاول تذكره و الحديث عنه لاحقاً …

      إعجاب

  4. mode كتب:

    ياخي هذا الفيلم محملوا من سنه وكل ما اقول انشاء الله اشوفو اقول لا خليه في وقت ثاني لما يكون مزاجي احسن ومتحمسلو اكثر

    إعجاب

    • الفيلم عظيم .. بنصحك تشوفو دون أي تأخير

      إعجاب

      • mode كتب:

        انا اكيد متحمسلو بس زي ماقلتلك يعني المزاج المناسب عشين اتفرجو صح لان المزاج يلعب دور في متعة المشاهدة
        وتنقيتك للفلام كثيير رائعه انت انسان متذوق بـــحق

        إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s