Amélie … كوميديا بسيطة تغوص بعيدا ً في النفس البشرية المعاصرة

Amélie ... كوميديا بسيطة تغوص بعيدا ً في النفس البشرية المعاصرة

Amélie ... كوميديا بسيطة تغوص بعيدا ً في النفس البشرية المعاصرة

يرصد فيلم Amélie لمخرجه Jean-Pierre Jeunet بطريقة مبتكرة تناقضات الحياة المعاصرة في مدينة الأنوار باريس , عبر عالم الشابة الخجولة Amélie Poulain التي تعمل نادلة بأحد المقاهي الصغيرة في حي مونمارتر الشهير , بعد تكريسها حياتها لنشر السعادة في قلوب الناس من حولها .
فبعد طفولة استثنائية انعزلت فيها عن أقرانها إضافة لموت والدتها في ظروف عجائبية و دخول والدها في اكتئاب مزمن , طورت Amélie عالما ً كاملا ً من الخيال في عقلها و نشأت في الظل بعيدا ً عن ضجيج الحياة , لتقرر و هي في الثالثة و العشرين من عمرها نذر حياتها لنشر الفرح و الخير بين الناس على أمل أن تنسى الوحدة الخانقة التي تغمر أيامها المتشابهة , فتدخل سلسلة ً متشابكة من القصص مع ” الغرباء – القريبين ” من حولها : والدها المكتئب , الجيران التعساء , الأعمى في الطريق , رفاق العمل في المقهى و الشاب الغامض في محطة المترو الذي يخفق له قلبها و تحس أنه حبها الأتي بعد علاقة غرامية فاشلة .
تنجح Amélie في مهماتها السرية واحدة تلو الأخرى , لابسة ثوب القدر الغامض , لاعبة دور الملاك الحارس في مسرحية الحياة العبثية , لكن جارها الرسام المنعزل عن الناس لمشاكل صحية يراقبها من بعيد , و يساعدها بدوره عبر الحديث معها و توجيهها إلى أن ينجح في تخليصها من خجلها و جمعها بالشاب الذي تحبه في نهاية الفيلم .
تبدو شخصية Amélie شديدة التعقيد من الناحية النفسية , فهي خجولة لدرجة كبيرة و لذا نراها تخشى مواجهة الأشخاص و الحديث معهم بحرية و انطلاق , فتعمل في الظلام عبر سلسلة من المطاردات في مدينة باريس و شوارعها أحيانا ً , أو كلصوص الليل متسللة ً إلى منازل الجيران في مهمات سرية طريفة على طريقة أرسين لوبين , كما تعاني الخوف من مشاعرها الخاصة التي لا تبوح بها علانية , بل تلجأ للحديث عنها بصفة الغائب عبر الأحاديث الطويلة مع جارها الرسام حول لوحة الفنان الكبير رينوار و التي يرسمها طوال الوقت دون أن ينجح في فهم الفتاة الصغيرة في خلفية اللوحة , لتصبح الفتاة الغامضة معادلة ل Amélie و طريقة لفهم نفسيتها و دخول عوالمها الداخلية .
و في ذات السياق , تتمحور جميع أفكار Amélie و أفعالها حول الآخرين , لأنها حرمت من التواصل مع العالم الخارجي لسنوات طويلة ما شكل نقصا ً حادا ً في تكوينها , فنراها تتناسى وحدتها بالتفكير في عدد الأشخاص الذين يمارسون الجنس في هذه اللحظة , أو في قراءة تعبيرات وجوه الناس في ظلام دور السينما , بينما تبدو هوايتها الوحيدة شديدة الغرابة لشابة جميلة , حيث تفرغ هموم نفسها بإلقاء الأحجار في نهر السين كالأطفال , و كأن الأحجار المتطايرة على صفحة الماء هي أحزانها و همومها الغارقة بعيدا ً في أعماق نفسها التي لا يطولها أحد سواها .
بالتوازي مع ذلك , لا يطرح الفيلم أفكاره و تفاصيله بطريقة جافة مملة , بل يسلك طريق الكوميديا البسيطة , فتصرفات Amélie خارجة عن المألوف و أفكارها المتدفقة بسرعة مع الأحداث تضفي جوا ً من الضحك المتواصل , دون أن ننسى تعبيرات وجهها و أسلوب الإخراج الموفق بإضافة العديد من المؤثرات البصرية المناسبة في الوقت المناسب , ليصبح الفيلم لوحة متناغمة لا يمل أحد من التحديق فيها لفترات طويلة .
تتشابك القصص في حياة Amélie و تتنوع المشاكل الشخصية و المجتمعية لكن على نطاق ضيق محصور بعالم Amélie و هو ما يعجبني في الفيلم بشكل خاص و هو ما يضفي على الأجواء كثيرا ً من الحميمية بما يعزز الارتباط بين المشاهد و الشخصيات وصولا ً للتوحد بها في بعض الحالات و المشاهد , خاصة عندما تبدو Amélie في طريقها للانزواء في وحدتها بإرادتها الخاصة رغم أن الشاب الذي تحبه يطرق على بابها باسم الحب .
من جهة أخرى , يمكنني وصف الفيلم بكلمة واحدة : فرنسي , فالبساطة الشديدة تطبع الجو العام , و التفاصيل الصغيرة التي تعودنا عليها في السينما الفرنسية المعاصرة تظهر بشكل واضح , و خاصة عندما تلعب Amélie دور العقاب لبائع الخضار الفظ في الحي الذي تسكن فيه , حيث تتسلل إلى بيته و تتلاعب بتفاصيله الصغيرة ما يقوده للشك بقدراته العقلية و الكف عن إيذاء الآخرين .
على عكس المتوقع , رفض القائمون على مهرجان كان السينمائي الدولي عرض الفيلم ضمن فعالياتهم عام 2001 ما شكل صدمة في الأوساط السينمائية و الصحفية و الشعبية الفرنسية بسبب الضجة الواسعة التي حققها الفيلم و النجاح الكبير الذي حظي به رغم إطلاقه المحدود نسبيا ً حول العالم , لكن ذلك لم يشكل عائقا ً أمام الفيلم للنجاح في التظاهرات السينمائية الكبرى الأخرى , حيث حظي الفيلم عام 2002 بأربع جوائز César و على رأسها أفضل فيلم و أفضل إخراج , إضافة لهيمنته على جوائز مهرجان الأفلام الأوروبية آنذاك بحصده جائزة أفضل فيلم أوروبي , إضافة لنيله جائزة الجمهور في مهرجان تورنتو الدولي و ترشيحه لخمس جوائز أوسكار بينها أفضل فيلم أجنبي , دون أن ننسى دخوله أهم القوائم السينمائية المتخصصة حيث أدرجته صحيفة نيويورك تايمز الشهيرة على سبيل المثال في قائمتها لأفضل 1000 فيلم عبر التاريخ .
جدير بالذكر , أن الفيلم من إنتاج اتحاد شركات فرنسية و ألمانية عام 2001 و هو من بطولة الممثلة الفرنسية Audrey Tautou و إخراج الفرنسي Jean-Pierre Jeunet الذي اشترك في كتابته أيضا ً .
Amélie فيلم غير تقليدي عن فتاة غير تقليدية , روح فرنسية بامتياز و كوميديا ممتعة لا يمل أحد من مشاهدتها , أفكار مبتكرة و إخراج غاية في الروعة , و علامة فارقة في تاريخ السينما الفرنسية الحديثة .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to Amélie … كوميديا بسيطة تغوص بعيدا ً في النفس البشرية المعاصرة

  1. Abdullah كتب:

    Amélie هو أول فيلم شاهدته للرائعة أودري.. إنتهيت من مشاهدته للمرة الثانية قبل قليل.
    من أجمل الأفلام الفرنسية على الإطلاق.. أتفق معك تماماً حينما ذكرت أنه يمتلك “روح فرنسية بامتياز”
    ألوان الفيلم جميلة جداً.. ليست كألوان الأفلام الأخرى.. الفيلم له طابع خاص لا يكاد يشاركه فيه أي فيلم آخر.

    قرأت تحليلك وأنا أستمع لموسيقى الفيلم “La Dispute” وأحتسي كوباً من الشاي.. من أجمل مواضيع فقاعات صابون 🙂

    إعجاب

    • أحب هذا الفيلم كثيراً و أعتذر عن التأخير في الرد و النشر … فيلم لا يمل منه صراحة و خو مختلف في كل شيء .. احب الأفلام التي تدور في باريس أريد ان اذهب اليها يوماً ما 🙂

      إعجاب

  2. mode كتب:

    اجمل فيلم كوميدي شفتو على الاطلاآآق بفتكر اني قبل خمس شهور تقريبا او اربع شفتو يوم الخميس في الصباح بجد اعطالي جو رائع جدا نور الغرفه عندي كان مطفى وضوء الشمس بيدخل من الشباك وقاعد اتفرج التحفة الاخراجي كان بجد شي ماينسى متعا لاتوصف

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s