بين تشارلوت برونتي و جين إير … حياة زاخرة بالآلام و روح متعطشة للحرية

بين تشارلوت برونتي و جين إير ... حياة زاخرة بالآلام و روح متعطشة للحرية

بين تشارلوت برونتي و جين إير ... حياة زاخرة بالآلام و روح متعطشة للحرية

لا تزال تشارلوت برونتي حتى اليوم , محافظة ً على مكانتها الأدبية التي احتلتها أواسط القرن التاسع عشر عندما أطلقت عام 1847 تحفتها الخالدة جين إير لتنتزع بها النجاح و الشهرة من أيدي الرجال الذين احتكروا لأنفسهم عالم الأدب و الإبداع لسنوات طويلة .
لم تكن برونتي امرأة عادية بحال من الأحوال , فالظروف غير العادية و الأقدار المتضاربة جعلت منها – بعد وفاة أمها – امرأة مسؤولة عمن تبقى من أخوتها و هي ما تزال طفلة في سنينها الأولى , لتقضي ما تبقى من طفولتها مشتتة بين عالمين : الأول حياة العزلة التي فرضها عليهم أب متشدد قاس إلى أبعد الحدود , و الثاني دنيا الخيال و الأحلام الجميلة التي كانت تتسلل إلى ذهنها مع قصص المربيات و الخادمات , قبل أن تجد فيه ملاذاً تنوء به عن الجفاف الذي يحيطها و يحرمها من أبسط المسرات .
فيما بعد , كانت برونتي على موعد مع الحياة بطريقة لم تألفها من قبل عندما غادرت حدود منزلها الضيقة لتلتحق بمدرسة داخلية و هي في الرابعة عشرة من عمرها , حيث عرفت هناك نماذج مختلفة من البشر و ضروباً من التنوع و الاختلاف , و أنهت دراستها بتميز واضح و بقيت بعدها في المدرسة ذاتها بصفتها معلمة مقيمة , قبل أن تحزم حقائب آلامها و تتوجه بها إلى بروكسل للعمل و الدراسة حيث وقعت في غرام يائس أحادي الجانب مع أستاذها المتزوج الذي تعتبره أول رجل عاملها ” كإنسانة ” في حياتها .
بعد عودتها إلى لندن , شكلت برونتي مع شقيقتيها إيميلي و آن ثلاثياً أدبياً سرياً و أصدرن معاً باكورة إنتاجهن الأدبي على شكل ديوان شعري تحت أسماء ذكورية مستعارة , قبل أن تصب كامل عبقريتها الفذة في روايتها جين إير التي أحدثت ثورة أدبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى , و لتفجع بعدها بأشقائها جميعاً بمرض السل الذي ترصد بها سنوات إضافية قبل أن يرديها أخيراً و هي في الثامنة و الثلاثين من عمرها عام 1855 .
تدور أحداث الرواية بشكل عام حول حياة جين إير من الطفولة اليتيمة التي عاشتها في منزل خالها حيث الاضطهاد و الرعب إلى المدرسة الداخلية في فترة المراهقة , وصولا ً للعمل كمربية في منزل السيد إدوارد فايرفكس روشستر الذي تقع في حبه بجنون , لكن مرجعياتها الأخلاقية تمنعها من الانجراف في علاقة غرامية معه لأنه مازال متزوجا ً من المرأة المجنونة التي تثير الغموض في القصر الكبير , فتغادر جين المكان و تتشرد في أنحاء إنجلترا لفترة قبل أن تعود لحبيبها و تجده في حالة يرثى لها بعدما فقد بصره و إحدى ذراعيه , على خلفية إحراق زوجته القصر و انتحارها في إحدى الليالي بإلقاء نفسها من أعلى السطح في نوبة جنون عنيفة , و دون أي شفقة تنذر جين حياتها للحب و تتزوج إدوارد الذي يستعيد ما يكفي من بصره لرؤية ابنه الأول بفضل عناية جين و إخلاصها النادر .
جين إير رواية سبقت بها تشارلوت برونتي عصرها بمختلف المقاييس , فهي تطرح فيها من جهة أفكاراً تقدمية عن المساواة بين الرجل و المرأة في عالم تسيده الرجال من بابه إلى محرابه بينما النساء فيه كائنات من الدرجة الثانية , و من جهة أخرى تقدم نموذجاً روائياً جديداً مختلفاً عن السائد في الأوساط الأدبية حينها و تحديداً في مجال الرواية الغرامية الرومانسية , دون أن ننسى التنوع الهائل في النمط الأدبي المتبع بين الرومانسية و الرعب و النقد الاجتماعي في خليط غير مألوف في مثل ذلك الوقت .
ما يلفت الأنظار في جين إير عما سواها , ليس المرأة التي تشكل الشخصية الرئيسية فيها رغم أن ذلك كان قليلاً في تلك الأيام , بل ما تميزت به تلك المرأة من استقلالية و نزوع نحو الحرية , ما جعل منها شخصية أنثوية تتحكم بمجرى أحداث الرواية و تفاصيلها , على عكس ما جرى عليه العرف الروائي في تلك الفترة , إضافة للتحليل النفسي الدقيق و الغوص عميقا ً في النفس الأنثوية وصولا ً لمنابع الصراع الداخلي الذي تعيشه جين بين الحب و الأخلاق , لتقدم برونتي في مجمل الرواية بيئة فلسفية خصبة و غنية و متقدمة عن أفكار القرن التاسع عشر التقليدية البالية .
أجل , كانت شخصية جين إير تعبيراً حقيقياً عن روح برونتي المتمردة على الواقع و المتعطشة لعالم تشرق عليه شمس الحرية و المساواة , و ليس هناك من دليل على ذلك أكبر من تقمصها اسماً ذكوريا ً لتتمكن من الكتابة و نشر أفكارها على نطاق واسع , و لم يكن ذلك مجرد طريقة للهروب من حصار الواقع بل كان طريقة ذكية للتسلل إليه دون أن يشعر بذلك أحد و تحدياً سافراً لذلك الواقع الذي يميز بين أبنائه ذكوراً و إناثاً , ليتجلى كل ما سبق في عبارة برونتي الشهيرة : ” لن أهجرك أيها القلم قبل أن تفارقني الروح , ولتكن أسماء الذكور قناعا ً نموه به قرطاسنا ” .
و هكذا , مزجت برونتي حياتها العاصفة بالألم مع طموحها الذي لا يحده شيء بحياة أفضل لبنات جنسها , و تكفلت عبقريتها الفذة بما تبقى , لتقدم للبشرية تحفة أدبية جعلت من صاحبتها واحدة من ألمع النساء و علماً خالداً يرفرف بحرية في سماء الأدب العالمي .
جين إير رواية تجاوزت معنى الزمن , و تألقت برونق فريد في سماء الأدب , و ارتقت بصاحبتها إلى قمة الشهرة و النجاح , لتبقى حتى يومنا هذا تثير جدلاً لا يقل عما أحدثته وقت صدورها الأول في منتصف القرن التاسع عشر .
فمنذ مطلع الألفية الجديدة و بتأثير تعاظم شأن تيارات ما بعد الحداثة و تيارات العبث , قيل كلام كثير حول انتهاء زمن الكلاسيكية الأدبية , و راجت تكهنات لا حصر لها بابتعاد القراء عن هذا النوع الأدبي الفريد , إلا أن جين إير أثبتت العكس و فاجأت العالم عام 2004 و هي في المرتبة العاشرة لأكثر الكتب شعبية و رواجاً في العالم حسب استطلاع للرأي قامت به هيئة الإذاعة البريطانية ال BBC , لتؤكد مجدداً أهميتها و مكانتها التي لم ينتقص منها الزمن , بل زاد عليها رونقاً و أبعاداً جمالية و إنسانية في عالم يزداد قبحاً يوماً إثر يوم .
جدير بالذكر أن تشارلوت برونتي ولدت عام 1816 و نشرت جين إير تحت اسم ذكوري مستعار هو كورير بيل , قبل أن تفصح عن هويتها الحقيقية مع النجاح الهائل الذي حققته في الأوساط الأدبية و الجماهيرية على حد سواء .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات أدبية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to بين تشارلوت برونتي و جين إير … حياة زاخرة بالآلام و روح متعطشة للحرية

  1. نوره كتب:

    روايه جدا رائعه وجميله ولكني اتمنى ان اعرف ماللذي اعجبت به جين بروشستر رغم انه كان قاسي ولم يكن جميل وماللذي اعجب روشستر بجين رغم انها كانت فقيره وغير انيقه مثل باقي النساء في ذلك الوقت

    إعجاب

    • أعتقد أن جين أحبت روشستر في بداية الأمر لأنه عاملها بشكل إنساني لأول مرة في حياتها و من هنا بدأ ينشأ الاهتمام , أما روشستر فوجد في جين شخصية مختلفة عن السائد , و من هنا استطاع كل منهما الوصول إلى أعماق الآخر , كان كل منهما يمثل حلاً ز خلاصاً من الواقع الذي ينتمي إليه , و لم يكن المظهر المادي هو المهم بل الجوهر الداخلي حيث نجد بينهما رابطة خارجة عن المألوف …. أعتقد أني بحاجة للاطلاع على الرواية من جديد للوقوف عند خذخ النقطة بدقة ….

      إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s