المعارضون للمعارضة في سوريا … خصائص تتبلور في ظل الصمت و التهميش

المعارضون للمعارضة في سوريا ... خصائص تتبلور في ظل الصمت و التهميش

المعارضون للمعارضة في سوريا ... خصائص تتبلور في ظل الصمت و التهميش

منذ بداية الأحداث المؤسفة في سوريا منتصف آذار الماضي , عمدت وسائل الإعلام المختلفة و بشكل ربما يكون منهجيا ً و مقصودا ً , إلى رسم المجتمع السوري بصورة نقيضين يتناحران في بداية لحرب أهلية لا تحمد عقباها .
و من هنا ترسخت في عقولنا التابعة بسذاجة للمعطى الإعلامي المجاني , فكرة الصراع الشعبي بين المؤيدين و المعارضين لنظام الرئيس بشار الأسد , باعتبارهما القوتين العظمتين في تحريك الأوراق على طاولة الأزمة السورية , لنتناسى وجود طرف ثالث لا يقل عنهما في الأهمية و الانتشار و أعني به المعارضون للمعارضة السورية .
تبدو الفكرة غاية في البديهية عند النظر للواقع السوري , خاصة عند طرح ضآلة الحراك الشعبي المناهض للحكم في دمشق للنقاش , إذ لا تبدو فكرة التأييد المطلق للنظام مقنعة لعقول المشككين , و تحديدا ً أولئك البعيدون عن سوريا و الذين لا يعرفون عنها سوى ما تبثه وسائل الإعلام من تغطيات متحيزة حسب سياساتها التحريرية , إضافة لانشغال الإعلام السوري الرسمي و شبه الرسمي بممارسات طفولية لا علاقة لها بالحرفية و المهنية التي أصبح الجمهور العربي ضليعا ً بها , ما أسهم بشكل مباشر في انحسار الضوء عن المعارضين للمعارضة بحدة ليقبعوا في ظل الصمت بانتظار القادم من الأحداث .
و في هذا السياق , تبرز خصائص القوة الثالثة التي اختارت الصمت الظاهري كتعبير عن رفضها لكل ما يدور في البلاد من كلا الاتجاهين , حيث يرى أفرادها في المعارضة الحالية مشاريع دكتاتورية و طائفية قادمة لتحقيق مكاسب شخصية و غايات انتقامية بالدرجة الأولى , فيما يرون في النظام مشاكل تراكم عليها غبار الزمن ببطء و ليس آخرها المازوكية التي تعامل بها النظام السوري مع الوضع الأمني المتردي في بعض المناطق و على رأسها حمص و ريف إدلب , حيث لعب النظام دور الضحية المسكينة مستلذا ً بتعذيب نفسه دون إجراء خطوات فعالة لتنفيذ ما هو منوط به تجاه مواطنيه .
و تخشى تلك الفئة كثيرا ً على مصير البلاد في حال انهيار النظام , إذ تؤمن بحتمية تفكك الدولة و كافة مؤسساتها على غرار التجارب العربية السابقة , ابتداء بتونس و مصر و انتهاء باليمن التي تشهد مهزلة ديمقراطية جديدة بانتخابات رئاسية يفوز بها المرشح الوحيد بالتزكية , ما يشكل رسائل واضحة للمصير السوري في أبسط جوانبه , مع تخوف شديد من تكرار السيناريو اللبناني المؤلم القرن الماضي , أو المسلسل الليبي المعاصر الذي يتم غض الطرف عنه في الإعلام الثوري الحالي , و نظرا ً لتكوينة المجتمع السوري الثرية بمختلف الانتماءات العاطفية و الاتجاهات الفكرية , تبدو فكرة الحرب الأهلية الطاحنة مستساغة بشدة في الفضائيات العربية المبشرة بها صباح مساء , ما يرفع درجات الحذر و الانتباه في أوساط فئة المعارضين للمعارضة إلى حدودها القصوى .
و هنا تجدر الإشارة إلى واقعية ” الفئة الثالثة ” و نظرتها المنطقية للأمور , فهي لا تحلم برومانسية التغيير الديمقراطي الفجائي , لكنها مقتنعة إلى حد كبير بضرورة وجود نظام معين يقود التغيير الحتمي في البلاد نحو التعددية السياسية و الحريات الفردية المنشودة , عند تأملها الساحة السياسية السورية لا تجد أحدا ً في الواجهة سوى نظام الرئيس الأسد الذي وعد بقيادة السفينة السورية إلى بر الأمان , فقوى المعارضة مشغولة بتركيب الصفقات السياسية في مختلف عواصم العالم , و القوى المسلحة و الجماعات الإسلامية المتشددة لا تلبي طموح عاقل على وجه الأرض , لتفضل فئة المعارضين للمعارضة في نهاية المطاف تصديق الوعود المحلية على تلك المصنعة في الخارج , و ذلك بناء على خبرة شخصية مع الرئيس الأسد عمرها أحد عشر عاما ً , و الذي تعرفه في العرف المحلي أفضل بكثير من الذي تتعرف إليه لاحقا ً .
و مع تزايد عمليات العنف في البلاد , و إفصاح الجماعات المسلحة ( على اختلاف انتماءاتها ) الستار عن وجهها الحقيقي على العلن ( بحيث لم يبق وجودهم محصورا ً بروايات النظام الرسمية ) , انتقل قسم كبير من المحايدين الصامتين إلى تأييد جزئي للنظام بانتظار ما ستسفر عنه الإجراءات الإصلاحية المرتقبة , و التي كان مشروع الدستور الجديد قبل أيام أبرز تطوراتها , مفضلين التريث في إطلاق أحكامهم نظرا ً لتضارب المعلومات المتدفقة عبر وسائل الإعلام , و التي لا يمكن الجزم أبدا ً بمدى مصداقيتها بمجرد الاستماع لها , و خاصة مع استمرار الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة كمصادر معلومات موثوق بها في وسائل الإعلام العربية .
من جهة أخرى , لا يوجد تقدير حقيقي لعدد المنضوين تحت فئة المعارضين للمعارضة , و هو الوضع الحالي في سوريا بشكل عام , حيث تنعدم الإحصاءات الدقيقة لأعداد لموالين و المعارضين و المسلحين أيضا ً , ما يفسح المجال أمام كل طرف لشد الأغلبية نحوه في خطاباته المختلفة , ليمتلأ المشهد السياسي العام بآلاف المتشدقين ليل نهار بتمثيل كافة أطياف الشعب السوري , و يبقى للنظام في هذه النقطة أيضا ً أسبقية واضحة على جميع الأطراف الداخلة في المعمعة السورية نظرا ً للحشود المليونية الهائلة التي أصبح منظر احتشادها في الساحات الكبرى أمرا ً مألوفا ً و طبيعيا ً إلى حد كبير .
أخيرا ً , تصر وسائل الإعلام المختلفة في الداخل و الخارج , على تهميش هذه الفئة , و ربما يعود ذلك أساسا ً لكونها صامتة إلى حد كبير و لا تحبذ الدخول في جدل عقيم لا يقود سوى إلى الجدل ( على المستوى الشخصي ) , فبينما تمتلئ صفحات الإنترنت و مواقع التواصل الاجتماعي بأسخن الحوارات السياسية و النظرات المستقبلية لأفق الأزمة في البلاد بين المؤيدين و المعارضين , تكتفي الفئة الثالثة بالمشاهدة و السخرية الذاتية المريرة من حالة الإقصائية التي يمارسها كل طرف على الآخر بوعي أو دون وعي تحت مسمى الديمقراطية الحديثة .
جدير بالذكر , أن الأزمة السورية ما زالت مستمرة منذ منتصف آذار الماضي , و شهدت تطورات متسارعة بحدة بدءا ً بالمطالبة بإصلاحات سياسية و إطلاق للحريات العامة , مرورا ً بخط العمليات الإرهابية المسلحة في عدد من المدن و المناطق , و انتهاء بالدعوة لتنحي الرئيس الأسد و دخول قوات دولية لحماية ” المدنيين ” في البلاد , ليبدو المشهد السوري بأسره قاتما ً إلى حد ما و بعيداً عن الحل في القريب العاجل .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات متعددة الألوان وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to المعارضون للمعارضة في سوريا … خصائص تتبلور في ظل الصمت و التهميش

  1. غير معروف كتب:

    مقالة أكثر من رائعة نعم أعلن بالفم الملئان انا معرض للمعارضة

    إعجاب

  2. اشعر بالسعادة عندما اجد من لديه نفس نظرتي حول الوضع الحالي فقد أصبحت اشعر بانني اقلية , فالسؤال الى اي جهة تنتمي يأتيني من اتباع الطرفين يوميا مع استغراب يعبر عنه بمقولة ” ولا ما عم نفهم انت مع مين ” او صفة ” مذبذب” باحسن الاحوال

    إعجاب

  3. غير معروف كتب:

    لا أفهم كيف لشخص ما أن يفتخر بأنه من الفئة الصامتة في ظروف كاللتي تمر بها سورية الآن! من أراد الصمت الآن فليبق صامتاً إلى الأبد.
    “و ذلك بناء على خبرة شخصية مع الرئيس الأسد عمرها أحد عشر عاما ً , و الذي تعرفه في العرف المحلي أفضل بكثير من الذي تتعرف إليه لاحقا ً”
    ما هي خبرتك الشخصية مع بشار الأسد؟ هل قرأت تقرير الهيومن رايتس وتش عن “العقد الضائع” في ظل حكم بشار الأسد (التقرير صدر قبل بدء الثورة السورية)؟ هل تعلم أن حوالي 1.5 من السوريين هجروا قراهم بسبب الجفاف وإهمال الدولة في عام 2011 قبل بدء الثورة أيضاً؟ وأهم من هذا وذاك، هل تعلم أن بشار الأسد ومن خلفه مؤيديه هم وراء دمار سورية؟

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s