ماما

الشوكيات ... نباتات أمي المفضلة

الشوكيات ... نباتات أمي المفضلة

لطالما شكل آذار بكافة أيامه شهرا ً استثنائيا ً في السنة … إنه شهري الخاص بامتياز … تتالى الاحتفالات و الأيام الجميلة السعيدة تباعا ً بزخم اقتراب الربيع بعد شتاء طويل .
في آذار عيد ميلادي و عيد ميلاد أخي و جدي و خالي و كمية لا تنتهي من العطل و المناسبات المختلفة , و يشرق يوم الحادي و العشرين منه ببريق حنون لأول أيام الربيع , ليغدو اليوم مثاليا ً للاحتفال برمز الحنان و الحب اللامادي و اللامحدود على الأرض … الأم .
هذه السنة انتقلت بعيدا ً عن عائلتي كي أكمل دراسة الماجستير في بيروت , و للمرة الأولى في حياتي لا أشهد أيا ً من أيام آذار الخاصة و المميزة في جو أسرتي التي أحن إليها , لكن طعم هذا الإحساس يزداد مرارة و حدة اليوم بالذات , لأنه يوم أمي الخاص , حيث يتمحور كل شيء حول وجودها الأثيري اللطيف بابتسامتها التي لا تفارقها على الإطلاق .
اليوم ليس يوما ً لذرف الدموع مع الشوق الذي يغلي في صدري , و ليس مناسبة أذكر بها أمي قسرا ً أو طريقة لخلق اللوعة إلى دفء كلماتها , بل هو فقط مناسبة جيدة كي أخبركم عنها قليلا ً .
لا أدري إن كانت جميع الأمهات تربطهم علاقة شديدة الخصوصية مع أبنائهم كما هي الحال بيني و بين أمي , أجل جميع الأمهات يحببن أبناءهن دون تمييز و دون حدود , لكن الأمر لا يشبه ما بيني و بينها .
أمي هدى … امرأة كستنائية شديدة الخصوصية … جميلة رقيقة في الرابعة و الأربعين من عمرها دون أن يغير فيها الزمن شيئا ً من تفاصيل الصبا … رافقتها في رحلة حياتها منذ كانت في العشرين فقط … أنا و هي فقط مع سفر أبي المستمر للعمل في المملكة العربية السعودية , و رغم أني لم أبقى وحيدا ً في أيامي مع وجود أخت و أخوين يشاطرنني حنانها , إلا أنني بقيت في مكانة أثيرية لديها , لا أدري , ربما لأن ما يجمعنا أكبر من رابطة الدم و الحليب التقليدية , أجل نحن أفضل صديقين على هذا الكوكب .
كنا دوما ً معا ً , اهتماماتنا مشتركة و متشابكة إلى حد كبير , و بطريقة ما لدينا أسلوب واحد في النظر إلى الحياة – أعتقد أني ورثت من أمي كثيرا ً من الصفات جينيا ً أكثر مما ورثته من أبي – و بفضل تشجيعها و نظرتها الثاقبة تكونت شخصيتي و تبلورت اهتماماتي نحو الكتابة و حب القراءة منذ نعومة أظفاري .
أفتخر كثيرا ً بأمي المرأة المثقفة الواعية التي لم تدخل الجامعة رغم علاماتها العالية في الثانوية العامة , قرار تحكمت به كثير من الظروف كأخي ذي الاحتياجات الخاصة الذي تعتني به بإخلاص و حب , أو زواجها المبكر أو أشياء أخرى كالزمن الذي يجري دون أن ننتبه إلى سرعة حباته الرملية المتساقطة بصمت .
لطالما حسدني أصدقائي على أمي مع كل زيارة يقوم بها أحدهم لي , و لطالما سمعت عبارات مثل ” نيالك على والدتك … إنها حقا ً مميزة ” , ربما يعود ذلك أساسا ً إلى الطريقة المحببة التي تتعامل بها أمي مع الناس , تلك الابتسامة الودودة التي لا تغيب عن شفتيها , و ذلك الحوار الراقي الذي تفرضه على المحيط حولها , و ذلك الحس الفكاهي الذي تبرد به الأجواء المتوترة مع ضحكتها العذبة التي تتدفق من شفتيها كالمياه الجبلية النقية .
جمعتني لحظات كثيرة مع أمي , كنا نقرأ معا ً , و نقضي ليالي الشتاء الباردة نقرأ روايات و كنبا ً مختلفة قرب المدفأة و نتبادل الأفكار و الملاحظات , و لطالما أعجبنا بأجاثا كريستي و الشقيقتين برونتي و الأدب الفرنسي و الشعر العربي القديم , و كنا ندون الأفكار و الاقتباسات في دفتر أزرق عتيق لا يفارقها .
أيضا ً كنا نقضي أوقات ممتعة في المطبخ نعد الطعام للعائلة , فأمي هي التي علمتني الطهي و حب الحياة , كنا نطبخ و نحن نغني بالعربية و الانجليزية لأن الغناء كما تقول أمي بعبر عن الحب و الحب هو ما يجعل الطعام لذيذا ً في النهاية , و هنا أود الإشادة بصوت أمي الجميل جدا ً و الصافي الذي تردد به أغنياتها المفضلة لفيروز و أم كلثوم و نوال الزغبي و فريد الأطرش و مئات المطربين الآخرين , و كم كنا نضحك عندما ننسى كلمات أغاني أم كلثوم و نبدأ بخلط الأغنيات المختلفة مع بعضها في جو من المرح و السعادة .
تحب أمي العمل في حديقة منزلنا الخلفية , و دائما ً ما تجد ذاتها الحقيقية و هي بين النباتات المختلفة , تشذب هذه و تسقي تلك و تكلم نباتاتها دون استثناء بحب و لطف و خاصة تلك الشوكيات النادرة التي تحتفظ بها و تحرص عليها لدرجة كبيرة .
إضافة لذلك , تتميز أمي بتلك البصيرة الثاقبة و بذلك الإحساس الذي لا يخيب , إنها دائما ً على حق بطريقة ما , و عندما تخطئ تتصرف مع الموضوع ببساطة مطورة معلوماتها و خبراتها في الحياة , عقلها راجح و منفتح على مختلف الأفكار , تتقبل الآخر دون اعتراض طالما لا يؤذي أحدا ً , و لا تبالي بوضع تقييمات أخلاقية لتصرفات الناس إن كانت لا تعرفهم , و في محيطها الاجتماعي تشع دوما ً بذلك الحضور الطاغي الذي يخطف الأبصار , أجل إنها تملك الغرفة بمجرد الدخول إليها بشخصيتها القوية و طريقة تعاملها الخاصة مع التفاصيل الصغيرة في أناقتها و مظهرها العام .
حس الأناقة لا يغيب عنها , ثيابها و ديكور منزلنا و التحف المهووسة بجمعها حتى تحول بيتنا إلى متحف صغير تشاطر فيه مع والدي تلك النزوة الجمالية مع الحب المخيم عليهما منذ سنوات و سنوات , زهور في كل مكان , و لمسة شخصية مميزة لامرأة مميزة تحيط بك مع التفاصيل المختلفة التي تصنع معظمها بيديها , و هي موهبة أخرى تتحلى بها أمي في تحويل الأشياء القديمة البشعة إلى تحف فنية أصيلة و مختلفة .
أمي … امرأة شديدة الخصوصية , حب لا ينتهي , و شخصية شديدة التميز , هل ذكرت لكم أنها من مواليد برج العقرب … إذا ً أجل , هي من يتحكم و هي من يسيطر , و هي التي لا تقبل بالظلم على أفراد عائلتها , و هي التي تبتكر و تطور و تشجع , و هي المحرض الأول للحرية الفردية في المنزل .
أمي … أشتاق لك كثيرا ً وأنت تعرفين , تقرئين هذه السطور الآن و أنت تبتسمين … لم أبالغ في الحديث عنك كما تظنين بل على العكس , نسيت كثيرا ً من التفاصيل عندما هممت بالكتابة لأن حضورك الكلي الماثل أمام عيني يمنعني من وصف جزئياتك الصغيرة التي لا أجد طريقة للتعبير عنها .
مثلا ً لا أدري كيف أصف إحساسي عندما توقظينني في الصباح الباكر كي نشرب القهوة في الحديقة تحت نافذة أختي النائمة إلى الظهيرة , أو عندما تستيقظين في منتصف الليل فجأة تحت رغبة مفاجئة في السهر مع فيلم يحبس الأنفاس على شاشة التلفزيون , ثم تتركيننا فجأة كي تعاودي النوم دون أن تنهيه , تفاصيل صغيرة جميلة تكون حضورك السري في ذاكرتي منذ طفولتي الأولى .
أمي … غاليتي الأبدية , سأعود قريبا ً إليك لأجدك كما تركتك تماما ً , لأنك من ذلك الصنف النادر الذي يقف الزمن أمامه عاجزا ً منحنيا ً باحترام و تقدير , و رافعا ً قبعته بإجلال لحلودك و عبق الروعة في جزئياتك المختلفة .
هذه هي أمي … لا أدري كيف أنهي كلامي هذا … لذا سأتركه هكذا مفتوحا ً لمشاعري و أحاسيسي التي تختلج في داخلي كما لم أعهدها من قبل .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات شخصية وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to ماما

  1. salma subh كتب:

    هنيالك بأمك 🙂 الله يحفظها ليك يارب … أنـــــا كمان لي أم مميزة جداً وكل صديقاتي بيحسدوني عليها … اللهم أجعلنا بارين بوالدينا يارب

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s