شرفة المطبخ

شرفة المطبخ

شرفة المطبخ

كان مجرد يوم عادي بعد المدرسة …
لا , لم يكن بعد المدرسة , بعد شيء آخر , لكنني لست أدري ما هو …
لم أعمل بعد في حياتي , لذا لن يكون بعد العمل , هذا مؤكد …
أوه , أجل …
بعد خلاف حاد …
حسنا ً نعود للبداية
كان مجرد يوم عادي بعد خلاف حاد , لم أدر إلى أين أتوجه , منزل فارغ من دفء المشاعر يهتز خلفي بصخب الكرامة المجروحة , لم أكن مستاءة من شيء , بل كنت ناقمة على نفسي فقط .
” أنا فقط لا أستحق ذلك كله ” …
” بلى , أنا مجرد معتوهة , و لا بد لي من السير في طريقي الموجعة حتى تدمى قدماي لعلني أشفى من الداخل ” …
متى بدأ كل شي ؟
أجل في ذلك اليوم الضبابي البعيد , لا أذكره بوضوح أيضا ً فلقد مضت فترة طويلة , ربما لأن عقلي اعتاد حيادا ً باردا ً و مريحا ً كالرياح الهاربة من سطوة شمس لا تمل التباهي بنورها الحارق كل يوم , دون ملل و دون اعتبار لشعور الكائنات التي تعاني من عتمة طويلة في أعماقها السحيقة .
رنين بعيد لجرس كنيسة بعيدة يجتاز أغوارا ً مظلمة من الكراهية كوميض خافت , لا … إنه مجرد عود كبريت بائس ينير غرفة لم يصلها نور الحضارة بعد في ليلة شتائية مثلجة تماما ً كالحكايات القديمة .
تناقض لطيف يتراقص في غرفي القصية دون وعي مني …
صمت طويل ثقيل يغلف لحظة اتخاذ قرار مصيري بوعي كامل …
ترقبت بلهفة ما سيأتي مع تياراتي الفكرية الجامدة بأسلوب التشويق التلفزيوني الرخيص …
” الرحيل ”
صعقت بالنتيجة …
” الرحيل ..؟؟؟ ”
لكنني راحلة منذ زمن طويل
صمت طويل مرة أخرى و لا إجابة تلوح في الأفق المبتسم بسخرية كعادته العابثة , أجل إنه لا يبدو جزءا ً من عالمنا , إنه وحده هناك في أفق خاص به منذ الأزل …
أوه !!! , ربما علي الرحيل مجددا ً …
لكن لا …
ذلك يبدو سخيفا ً … ما نفع تكرار الأمر مجددا ً ؟ ثم إن الزمن لا يعود إلى الوراء إلا في أحلامنا الحمقاء فقط .
إذا علي فقط تغيير مساري …
لن أبيع جسدي إليه مرة أخرى , لكنه يمتلكني و يمتلك جسدي بطريقة ما … أنت تتحدثين بحماقة الآن …. لكن بلى , إنه هناك في دهاليزي المظلمة ينشر لونه الأسود المخاتل في خلاياي الرمادية الصغيرة , لن أصبح أبدا ً مثل أغاثا كريستي هذا مؤكد , أنا أقرب ل Eve على طريقتي الخاصة …
و الآن ماذا علي أن أفعل ..؟
لقد تأخر الوقت , و أنا وحيدة هنا على هذا المقعد العتيق وسط تحديقات الغرباء العابرة …
خطواته تقترب مني , أشعر بأنفاسه النتنة تلامس أماكني السرية , لكنني لا أستجيب , إنه فقط تدفق ساخن لألم الذكريات يبلل ساقي في صورة مادية لزجة فقط …
ارتعاشة خفيفة تنهي شيئا ً لم يكن …
شعور عام بالخنوع يتسيد عالمي من جديد …
لا جدوى من شيء …
لا نفع مني …
إنها أنا و أنا فقط , في رحلى اللاعودة إلى حقيقة نفسي , أنشد سلاما ً غير موجود سوى في أحلامي المتلاشية … رسمت ابتسامة عريضة على وجهي مستعدة ً لجولة ثانية طويلة من الصبر قبل موجة الغضب القادمة … ألقيت نظرة طويلة أخيرة على شرفة مطبخي المنعزلة حيث تركت ذاتي الحقيقية مخبأة بحرص بعيدا ً عن عيون المتطفلين … ودعت أكثر أسراري قدسية بنظرة يائسة و أدرت ظهري للأفق .
و بينما أغلقت الباب بهدوء ممزوج برهبة الخوف , محت رياح المدينة آخر إحساس للتمرد على شرفتي بتواطئ أنثوي متين , و علا عويلها الحزين شيئا ً فشيئا ً مغطيا ً أنين تأوهاتي بين ذراعيه .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to شرفة المطبخ

  1. غير معروف كتب:

    مناجاة جميلة جدا لكنها استسلمت في النهاية

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s