عنصرية التضامن مع مسلمي بورما

 God is too big to fit into one religion

God is too big to fit into one religion

انتشرت في الآونة الأخيرة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة و في عدد كبير من مدونات الووردبريس , دعوات للتضامن مع مسلمي بورما في وجه ما يتعرضون له من عمليات اضطهاد و ممارسات عنصرية أساسها الانتماء الديني , و هو أمر إيجابي إلى حد ما باعتباره دليلا ً على وجود الحس الإنساني في نفوس المتضامنين و شعورهم بمعاناة الآخرين و لو كانوا في بقاع بعيدة , إلا أن ذلك لا ينفي الصبغة العنصرية التي تحكم مثل هذا التضامن باعتبارها تقوم أيضا ً على أساس ديني بحت .
أود التنويه في الدرجة الأولى إلى أنني لست ضد التضامن مع أي كان سواء في بورما أو غيرها , لكن ما يثير الأعصاب هو طريقة طرح هذا التضامن و الالتزام به , حيث تتخذ الدعوات إليه شكل التعاضد بين أفراد الدين الواحد , فيتم الشعور بمعاناة أهل بورما لأنهم مسلمون يتعرضون لنوع من الاضطهاد , و ليس لأنهم بشر يتعرضون لذات الاضطهاد على أساس ديني بحت , أي أن منبع الشعور في مثل هذه الدعوات هو العصبية الدينية الضيقة و ليس الأفق الإنساني الذي يجمعنا على جميع اختلافاتنا العرقية و اللونية و الدينية , و هو ما أعتبره عنصرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى .
لا أدري إلى أي مدى كانت ستنتشر دعوات للتضامن في وطننا العربي مع بورما لو كانت القضية معكوسة , أي أن من يقوم بالاضطهاد هم المسلمون على حساب الديانات المحلية هناك , لكنني لا أعتقد أنها كانت ستبلغ حدا ً كبيرا ً كما هو الحال عليه اليوم , و ربما يعود ذلك للفوقية التي تحكم علاقات الأديان مع بعضها البعض , و نفي كل منها للآخر على مستوى الخطاب الديني نفسه , فنرى اليهود يقولون أنهم شعب الله المختار , و يرى المسلمون أنهم خير أمة أخرجت للناس , و لا تشذ الأديان الأخرى عن هذه القاعدة , ما يفتح الباب واسعا ً أمام ممارسات عنصرية و اضطهادية من قبل المتدينين أنفسهم ضد الآخر , رغم أن النصوص الدينية لا تنص على ذلك صراحة , بل تدعو إلى التعايش المشترك و تنظيم حياة الملتزم بها على أساس الأخلاق الحميدة التي تفترض حسن العلاقة مع الديانات المختلفة .
و في هذا السياق , يبدو الوتر الديني من أكثر الأوتار حساسية و تأثيرا ً عند الناس , لأنه يرتبط بكينونة الفرد و جملة بنيته العقائدية و الفكرية , و من هنا تأتي خطورته و أهميته , فنرى الحروب عبر التاريخ تشن باسم الدين و تحت راية الآلهة المختلفة , و الحروب الصليبية التي شنت على الشرق الأوسط لتحرير الأراضي المسيحية المقدسة دليل على ذلك , و ما زالت هذه النغمة مستعملة من القادة السياسيين و العسكريين حتى اليوم , كخطاب الرئيس الأميركي جورج بوش الابن عندما أعلن غزو العراق عام 2003 تحت راية الله الذي تجلى له و أمره بذلك في ليلة من الصفاء الروحي .
لا أعتقد أن الدين نفسه هو العنصرية , بل إن الممارسات التي يقوم بها بعض المتدينين المتشددين تأخذ طابع الممارسات العنصرية , و خاصة على الصعيد الفكري الذي يلغي الآخر و يتهمه بالكفر و ما شابه ذلك بأسلوب تحقيري ينبع من قلب أسود إن صح التعبير , و هو يتنافى مع ما تدعو إليه كافة الأديان من محبة و سمو بالنفس , لكن لذلك أسبابا ً على رأسها دمج فكرة القومية بالدين و هي من أشد الأفكار تدميرا ً و سلبية .
يعود ذلك أساسا ً لإلغاء فكرة وجود الدين الآخر ضمن القومية الواحدة , مع تعزيز الشعور بالفخر و الاعتزاز لدى المتدينين بدينهم إلى حدود مرضية تشابه العصبية القبلية القديمة , ما يخلق بيئة خصبة لتنامي الشعور بالعدائية ضد الديانات الآخرى على أساس أنها قوميات معادية , و يبدو ذلك واضحا ً في الحالة الإسرائيلية التي تنادي بالدولة اليهودية على أرض فلسطين و تعادي الوجود العربي بكافة انتماءاته الدينية , فيما يصبح الشعور العربي المناظر عبارة عن كره لليهود أنفسهم على أنهم يهود بالدرجة الأولى , فيما المشكلة الأساسية معهم هي الاحتلال و ليس الاختلاف الديني , خاصة عندما نرى يهودا ً مناهضين للإجراءات الإسرائيلية المتطرفة و داعين لسلام حقيقي مع العرب , و تبرز في هذا الإطار المظاهرات التي غزت شوارع تل أبيب إبان اجتياح لبنان عام 1982 مطالبة بالسلام و التي راح ضحيتها عدد كبير من اليهود تضامنا ً مع الشعب اللبناني .
بناء على ما سبق , يفترض بالدين أن يشكل حالة شخصية قائمة على الاختيار الحر و الإرادة المستقلة , إلا أنها تأخذ في مجتمعاتنا العربية للأسف طابع الحالة المجتمعية , و أخذت تزداد وتيرتها لتأخذ طابع الحالة القانونية و الدستورية , و لا يكفي التأكيد على حرية التدين و ممارسة الشعائر الدينية لدى الأقليات لأن هذه التسمية بحد ذاتها تفترض حالة من التمييز بين مواطني الدولة الواحدة , بشكل لا يقف في وجه حرية الفرد في تقرير مصيره و الحياة وفق رؤيته الخاصة فحسب , بل إنها تمنعه كذلك من شتى الأمور التي لا تعنيه من قريب أو بعيد في نهاية المطاف , و تبرز هنا حالة الزواج المدني الغائب عن مجتمعاتنا بشكل شبه كامل , ما يفرض حالة من المجتمعات المنغلقة على نفسها داخل المجتمع الواحد , و هو ما يشكل خطرا ً شديدا ً على بناء المجتمع نفسه و وجوده المتقلقل .
إن مفهوم الدولة العلمانية و الحقوق المدنية ما زال مفقودا ً حتى اليوم في مجتمعاتنا العربية , و يلزمنا كثير من العمل و ربما الوقت لإحلال مفاهيم أكثر تسامحا ً و انفتاحا ً مكان المفاهيم الحالية القائمة على التشدد و الانغلاق , و مبادئ مثل الدين للفرد و الوطن للجميع يجب أن تتسع و تأخذ مكان الصدارة لدينا , خاصة مع البروز الكبير للحركات الإسلامية المتطرفة في المنطقة و ازدهار الإسلام السياسي , و انتشار الفكر التكفيري و الإقصائي و العدائي و نزعة التفوق في آن معا ً .
بالعودة إلى قضية مسلمي بورما , أرجو أن تحمل الأيام القادمة مزيدا ً من الطمأنينة و الأمان لهم , و أرجو أن تصبح مشاعرنا أوسع و أرحب لتشمل كافة الانتماءات على الكوكب , لأن ما يجمعنا كبشر أكبر بكثير من الفروقات الدينية و العرقية و اللونية الضيقة , و بالحب يمكننا أن نفعل الكثير لصالح كوكبنا .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات متعددة الألوان وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to عنصرية التضامن مع مسلمي بورما

  1. محمد الشافعي كتب:

    تحياتي عزيزي وليد اتفق معك فالإنسان انسان بغض النظر عن دينه او وطنه او لونه

    إعجاب

    • شكراً إلك محمد … الإنسان هو الأهم وهو القيمة الأولى, وكل الاحتلافات الأحرى هي لا شيء … او المفروض تكون لا شيء … الإنسانية تجمعنا والبعض للأسف لا يقبل بذلك

      إعجاب

  2. mode كتب:

    لطالما كان المسلمون مضطهدون في كل مكان الا يستحقون الوقوف معهم ومواساتهم قليلا
    ولم ارا في حياتي قوة كقوة العنصرية والاجرام ضد المسلمين في بورما شاهد القليل من صور المسلمين في بورما والله يتقتلون ويتمزقون اشلاء بطريقة مجنونه ….. لم يعاني شعب او طائفه دينيه كمسلمين بورما

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s