الفزاعة البشرية

الفزاعة البشرية

الفزاعة البشرية

فتح عينيه , مكث في سريره لحظات قليلة و هو يحدق في السقف على غير عادته , كان يحس بشيء غريب , ربما لأن الفجر البرونزي الذي يلوح عبر زجاج النافذة أمر غير مألوف في هذا الوقت من السنة .
إنه يوم من أيام الشتاء الأولى , كان قد فرغ مؤخرا ً من جني محصول العنب , إنه يؤخره دوما ً إلى ما بعد عيد الصليب , كانت أرضه قادرة على احتمال ذلك , و اليوم عليه القيام ببعض الأعمال البسيطة فقط , تفحّصُ السياج الغربي سيكون مفيدا ً فربما يحتاج بعضَ الإصلاحات , ثم يمكنه الركون إلى نفسه كما يشاء .
نهض من فراشه بسرعة , المكوث مستلقيا ً براحة إلى طلوع الشمس ترفٌ لا يمتلكه فلاح مثله على الإطلاق , عدّل وضع بنطاله الأزرق الذي لا يبدله سوى للغسيل , حكّ الشعر الكثيف على صدره العاري القوي , و شق طريقه في العتمة الخفيفة نحو حوض الماء الممتد من جدار منزله بشكل مستطيل ٍ من الألمنيوم الرخيص , غسل وجهه الأسمر القاسي و أكمل سيره نحو الحظيرة الملاصقة له .
الحظيرة فارغة ٌ إلا من القش المتناثر في الأرجاء بفوضوية ٍ ريفية ٍ بسيطة , كان قرارا ً حكيما ً منه أن باع البقرة العجوز و تخلص منها عند أول فرصة سانحة , كان يجلس يوميا ً على ذاك المقعد الخشبي الواطئ ليحلب ضرعها المتغضن بصمت متبادل من الطرفين , لم يشرب قطرة واحدة من حليبها طوال حياته , إنه يكره الحليب أكثر من أي شيء آخر , و يكره رائحته الواخزة و لونه الأبيض جدا ً , لكن روث البقرة كانت مفيدا ً لمحصول اللفت المدور الذي يعشق تناوله في الليالي الطويلة , بجميع الأحوال , أصبح ذلك من الماضي الآن , و ليس عليه التفكير به مجددا ً .
خرج مجددا ً مغلقا ً الباب الحديدي الصدئ مع صرير خفيف حرّك الهواجس الشريرة الراكدة في الطبيعة , لسعت كتفيه العريضتين نسمات باردة شرسة , ارتعد جسده قليلا ً بفعل المفاجأة , و توجه من فوره إلى المنزل الصغير , و عندما خرج مجددا ً كان يتدثر بقميص قديم ارتسمت عليه مكعبات قاتمة الألوان , بينما يداه مشغولتان بإغلاق السحاب المعدني الكبير الذي يأخذ مكان الأزرار المقتلعة من مكانها في لحظة من نفاد الصبر .
بدأ الضوء يغزو السماء الداكنة فوقه بسرعة , أمامه تمتد أرضه الغالية بسخاء عائلي حميم نحو الجبل الأجرد , و على يمينه حقول هجرها أصحابها على فترات متباعدة نظرا ً للظروف القاسية و تغير الأجيال , و في نهايتها البعيدة تلوح له بوضوح شجرة البطم العتيقة العملاقة التي تحدد نهاية قريته , إنها الشجرة الوحيدة المتبقية من نوعها في المنطقة بأكملها , و هو يحييها بنظرة من عينيه الحادتين كل صباح .
شعر بتلذذ حيواني غريزي يجتاح جسده بعنف و هو يتأمل الصفاء الصباحي فوق ترابه هو , لقد تعب كثيرا ً في العمل طوال العام , و في هذا الوقت من الشتاء ترتاح عضلاته قليلا ً , العمل يتناقص حتى ينعدم قبيل رأس السنة , الأيام تصبح أقصر و الليالي تمتّعه بما جنى في موسم الحصاد المنصرم .
لم يكن عليه القيام بشيء محدد هذا الصباح , لكن غريزته الفلاحية كانت تدفعه لتفقد كل شي أثناء جولته الصباحية نحو السياج الغربي , ما زال سليما ً و قويا ً و لا حاجة للعمل المضني فيه , تركه و استمر في السير دون غاية , لم يكن يسمع صوت العصافير تزقزق و هي تتقافز فوق الأغصان العارية لأشجار المشمش , ربما لأن الشتاء أجبرها على الرحيل من البرد القارس في هذه المنطقة المكشوفة لرياح الجبل نحو البيوت الدافئة في القرية , أو لأن فزاعته تقوم بعملها على أكمل وجه .
كان قد اقترب منزله كثيرا ً , خطوات قليلة تفصله عن نوافذه المتسخة , توقف أمام الفزاعة معجبا ً بها , هناك شيء مألوف فيها لكنه ليس واضحا ً بعد , ربما الذقن الممتعضة أو النظرة القاسية , هز كتفيه باستسلام و عدل من وضع الكوفية الحمراء على رأسها , ثم أسرع نحو منزله و هو يرجو الله في سره أن تمطر اليوم كي لا يضطر إلى ري الأرض في هذا البرد الشديد بنفسه .
مضى اليوم عاديا ً تماما ً دون حوادث تذكر , و بعد الظهر تكاثفت الغيوم الرمادية الداكنة في كبد السماء و هطل المطر بغزارة ٍ مبشرة , و أصبح الخروج من المنزل مخاطرة ً كبيرة ً لأي مخلوق في ذلك الظلام و البرد و الوحل مع سيل المياه المتدفق من بوابات السماء .
جلس في المساء عند النافذة يتأمل القطرات المنسابة على الزجاج القذر و هو يقضم بأسنانه الكبيرة حبة ً من البطاطا المشوية على موقده القديم , أضاف قطعة أخرى من الحطب للجمر المتقد في الموقد , و عاد لتأمل الدنيا الغاضبة في الخارج , فزاعته المسكينة تقاوم العاصفة في الخارج بثبات و شجاعة , لم يكن هنالك شي يفعله في طقس كهذا , حتى المكوث في المنزل يصبح كئيبا ً , دسّ نفسه تحت أغطية السرير و خلد للنوم مع صوت المطر المنهمر في الخارج برتابةٍ مقلقة .
في الصباح التالي فتح عينيه ببطء شديد , هدوء شامل يسيطر على المكان من حوله , لقد توقف هطول المطر في الليل خلال نومه العميق , نهض من فراشه و هو يتثاءب محركا ً عضلاته باسترخاء , فتح النافذة و مد رأسه الحاسر نحو الخارج , تغلغلت رائحة الأرض بعد المطر في أنفه و احتلت كامل جسده عبر دمائه الحارة , نفخ صدره بعنجهية و لذة بدائية , كل شي على ما يرام , حتى فزاعته الوحيدة سلمت من أذى العاصفة و غضب الطبيعة الماحق , لم تتحرك من مكانها قيد أنملة , لا بد أنه ثبتها جيدا ً فيما سبق .
لقد تأخر قليلا ً في النوم اليوم , لكن لا بأس في ذلك , الضوء الشاحب بنتشر بصعوبة في طبقات العالم المبللة , و قطرات المياه تنساب على رافدة السقف العلوية متساقطة ً ببطء في خطوط مستقيمة نحو حوض الماء المعدني البارد , و صوت القطرات ينتظم في أذنيه وسط الصمت الصباحي الشتائي المنعزل .
سيغسل وجهه الآن أو ربما سيغسل كامل جسده , إنها فكرة أفضل , أجل ! سيصبح كأرضه تماما ً , مبتلا ً حتى العظام المدفونة في أعماقها السحيقة , تحرك نحو الباب , عليه أن يسخن قليلا ً من الماء و ينظف الحوض الخارجي من مياه المطر أولا ً , ثم سيغتسل كما يشتهي , مضت فترة لا بأس بها منذ استحمامه الآخير .
فتح الباب لخيوط الشمس الخفيفة التي تجاهد لعبور حواجز التوقف الرمادية الإجبارية في رحلتها الأبدية نحو كفيه , لكنه توقف بهتة ً قبل أن يخطو خارجا ً و دلائل الحيرة ترتسم على قسمات وجهه و تزيدها خشونة , كل شيء أمامه يبدو طبيعيا ً و في مكانه الصحيح تماما ً مثلما تركه ليلة البارحة , لكن أشعة الشمس الأولى استقرت أمامه في خط طويل يمتد من عتبة بابه إلى الفزاعة مباشرة , و من خلالها ميز على الوحل المتشكل من مطر الأمس آثار أقدام منتظمة تتجه صوب المنزل .
قطب حاجبيه بشدة و هو يتأمل الخطوات العجيبة التي تشكلت في جنح الظلام دون رجعة , إنه أمر غريب لم يسمع به من قبل , أحدهم كان يتجسس عليه طوال الليل أثناء نومه , توجس شرا ً و أدار رأسه في المكان بحذر , لكن أين هو غريمه المجهول , الخطوات تتجه إلى المنزل فقط و لا أثر لابتعاده كأنه تبخر في الهواء أو ذاب في الأرض , ربما كانت هذه آثار خطواته هو نفسه من الأمس , لكن لا فالمطر الغزير كان كفيلا ً بإزالتها عن بكرة أبيها .
استعاد شيئا ً من هدوئه , و استمر في التفكير و هو يتجه نحو حوض الماء القريب , غسل وجهه بمياه المطر المتسخة ناسيا ً ما عزم عليه قبل لحظات , أدار المسألة في عقله و قلّبها من كافة جوانبها لكنه لم يهتد إلى تفسير منطقي , عاد نحو الخطوات و مشى معها من باب المنزل إلى نقطة بدايتها عند الفزاعة , “أنت الوحيد الذي يعرف كل شي يا صديقي , أليس كذلك ؟ ” قال للفزاعة و هو يضع يده عليها برفق , ” لكنك لن تخبرني , أعرف ذلك , ليتك تستطيع , ليتك تستطيع … ” .
ابتسم بهدوء ساخر , و هز كتفيه غير عابئ ٍ بشيء , لا أنها مزحة سمجة من أحدهم , أجل , ربما أحد القرويين الحمقى يريد أن يتذاكى عليه لا غير , محاولة جيدة لكنها عديمة الإحساس , و الآن ماذا كان يفعل , أجل يريد أن يستحم , لقد نسي ذلك تماما ً , عاد إلى الحوض المعدني و و نزع سدادته الصغيرة لفرغه من مياهه , و ابتعد مسرعا ً ليسخن برميلا ً ضخما ً من المياه النقية , جيد إن لديه مخزونا ً كبيرا ً من المياه في هذه البراميل و لن يضطر لتشغيل مضخة البئر هذا الصباح .
بعد قليل , كان يخلع ثيابه و يرميها فوق السرير بانتظار غسلها في وقت لاحق , ثم خرج عاريا ً و على كتفه منشفة قديمة و بيده صابونة خضراء ذات رائحة نافذة , كانت المياه الساخنة تملأ الحوض , دس يده في المياه برفق ليتأكد من حرارتها , قبل أن يعبر إليها برجليه و يقف للحظات في مكانه بتردد , المياه الساخنة تصل إلى ما قبل ركبتيه بقليل فقط و تتحرك متقلقة ً من وجوده الصلب في كيانها الخاص , و دون سابق إنذار هبط بكامل جسده إلى الأسفل بشيء من الاندفاع البطء حتى غمرت المياه رأسه بالكامل .
كان الحوض ضيقا ً قليلا ً لكنه يسمح بقليل من المساحة على جانبيه , بينما يمتد طويلا ً أسفل رجليه بمسافة كبيرة , أخرج رأسه من المياه آخذا ً شهيقا ً واسعا ً بملء رئتيه , كان قد انعزل عن العالم بأسره في هذا المكان لنزوات كهذه تماما ً , أن يستحم في حوض صغير تحت السماء مباشرة و أمام عيون الآلهة دون جدران و مع حقوله التي تمتد أمام ناظريه دون حياء أحمق , لا يأتي أحد إلى هنا إلا نادرا ً لذا كان على سجيته مرتاحا ً مطمئن البال .
تناول الصابونة بيده و بدأ يفرك جلده بقوة , تشكلت رغوة كثيفة في المياه و بدأت ستائر البخار ترتفع في الجو المحيط به و تعزله عن العالم أكثر و أكثر , غسل رأسه مرة أخرى و أزال أي أوساخ محتملة عن وجهه , عليه أن يحلق ذقنه بعد أيام فلحيته بطيئة النمو بدأت بالظهور من جديد , مد يده نحو صدره و فركه بقوة فتناثر قليل من شعره في المياه , و استمرت يده بالنزول حتى استقرت فوق قضيبه المتهدل المستكين , ” أيها الصديق العجوز , متى ستعمل من جديد ؟ ” و أكمل تنظيف ساقيه دون مزيد من الكلام .
متى كانت آخر مرة لامس فيها امرأة , لا يذكر بالتحديد , بجميع الأحوال لا فائدة من امرأة في المكان هنا , ماذا ستفعل المرأة له ؟ لا شي , ستزعجه فقط بثرثرتها الفارغة و عنايتها الدائمة بوجهها خاصة إن كانت جميلة , لا نفع من امرأة مع رجل مثله , لا نفع من امرأة في حقوله , و هو بالتأكيد لا يريد هذا الخيار في حياته أبدا ً .
لكن ما هذا هناك ؟ توقفت يداه عن الحركة فيما استقرت نظراته فوق بقع صغيرة متناثرة على صفائح الحوض المعدنية , أهي قطرات من الحليب و بقع كريهة من الدم الأحمر القاني ؟ فرك عينيه بيده و أمعن النظر متأكدا ً , لكنه لم يجد شيئا ً , لا بد أن الصابون دخل في عينيه و جعله يتوهم كل ذلك فلقد غسل الحوض بنفسه منذ أيام قليلة فقط , توقف عن التفكير الذي لا يفيد و غطس بكامل رأسه تحت المياه .
بعد قليل , أنهى استحمامه بسكب ما تبقى من مياه البرميل النظيفة على كامل جسده , نزع سدادة الحوض من جديد و استل المنشفة من جانبه , لفحه الهواء البارد بغتة ً فسادت فيه رعشة من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه , ” تبا ً لماذا لم أحضر ملابسي إلى هنا ؟ حسن ٌ على الأقل أحضرت حذائي ولن أضطر لغسل قدمي من جديد … ” , لف جسده بالمنشفة البيضاء القديمة و توجه جريا ً إلى المنزل بخطوات تحتجزها حدود المنشفة بصرامة , توقف عند الباب , ما زالت آثار الأقدام محفورة ً على الوحل كما تركها تماما ً , لم تكن وهما ً صباحيا ً إذن , و قبل أن يمعن التفكير في الأمر شعر بحبيبة مطر تسقط على طرف أنفه , رفع رأسه فأبرقت السماء و أرعدت بتجهم و عاد المطر ليضرب الأرض دون رحمة , كان شتاء قاسيا ً منذ بدايته , لم يتوقف ثانية أخرى في العراء كي لا يصاب بالزكام أو ذات الرئة فهذا آخر ما ينقصه , و انسل إلى المنزل بصمت .
مضت الساعات ببطء , نهار كامل من المطر و الترقب خلف نوافذ القلق , لم تغب الخطوات الغامضة عن باله , لكن اشتداد الرياح في الخارج قبيل الغروب جعله ينتزع نفسه من دوامة الأفكار المتضاربة , فتح الباب بسرعة لكنه تأخر , هوى برميل المياه الأخير من شدة الرياح و انسكب السائل الثمين سدى ً على الأرض الجرداء , تمتم ببضع كلمات غاضبة و عاد أدراجه بتمهل من شدة الغضب , توقف عند الباب , كانت الآثار قد تلاشت مع اختلاط التراب بالمطر في حالة اللاشكل الاندماجية بين السماء و الأرض , هز رأسه بإذعان و دخل من جديد ليجفف نفسه من البلل المزعج .
في الليل استلقى على سريره و البرق الخاطف ينير أفكاره في الظلام الدامس الذي يحتضن المكان برمته , أستعود الخطوات الغريبة هذه الليلة أيضا ً ؟ ربما سيتجرؤ غريمه على مباغتته في جنح الظلام , سيكون عاجزا ً من هول المفاجأة , لكن لا , لو أراد ذلك لما انتظر و أعطاه إنذارا ً في الليلة الأولى , ” أتراها روحا ً شريرة تراقب المكان و تترصدني , أو شبحا ً ما ؟ ” شعر بالخوف يتسلل إلى قلبه , يمكنه بكل تأكيد هزيمة غريمه بزنوده القوية , لكن ماذا يستطيع أن يفعل مع روح شريرة , تمتم بصلوات قصيرة و أغمض عينيه هربا ً من هذه الأفكار , و في أحلامه كانت الأرواح الشريرة تتلبسه بشهوانية و تلتهم روحه من الداخل و هو يغرق في جب مظلم عميق تلتمع في قعره السحيق أضواء شاحبة خضراء .
طلع الصباح , فتح عينيه من جديد , العرق البارد يتصبب من كامل جسده , هدأت العاصفة مرة أخرى , نهض دون إبطاء فلا وقت للتلكؤ اليوم , تبا ً إنه ينام كثيرا ً هذه الأيام , هناك خطب ما بشأن هذا الخصوص , عليه أن يملأ البراميل بالمياه النقية من البئر و هو أمر يضايقه بشدة , أعصابه المشدودة لا تحتمل ضجيج مضخة المياه , لكنها الطريقة الوحيدة للشرب في هذا المكان المنعزل البعيد عن الحضارة , و هو ما جعله يغض النظر عن مسألة التكنولوجيا المتطورة التي يأبى التعامل معها عموما ً بعناد صبياني أحمق .
بعد قليل كان عند البئر مع خرطوم ضخم يمتد إلى البراميل الفارغة قرب المنزل , أدار المحرك و ابتعد , لكن صوتا ً مفاجئا ً جعله يتوقف في مكانه متسمرا ً بقلق , كانت المضخة تزأر بعنف كأنها تقاوم قوة رهيبة تمنعها من الدوران كما ينبغي , و فجأة أصدرت صوتا ً عاليا ً و توقفت و نزل معها القابس الكهربائي بشدة .
– ” اللعنة ”
صاح بغضب , و اقترب من البئر ليرى ما الذي حصل بالضبط , رفع الحافة المعدنية و ألقاها على الجانب الآخر مادا ً رأسه محاولا ً رؤية القاع البعيد , لكن عينيه لم تريا شيئا ً سوى سواد الأعماق خاصة أن السماء فوقه ما زالت مكفهرة و ملبدة بالغيوم السميكة , عاد لتشغيل المحرك من جديد لكنه لم يستجب هذه المرة , و بقي الصمت يخيم على المكان كضيف ثقيل في يوم صيفي حار .
– ” حسنا ً , لا بد من ذلك … اللعنة مجددا ً ”
أكمل صياحه الغاضب و هو يتجه إلى الحظيرة حيث يحتفظ بعدد كبير من الأدوات , عاد بعد لحظات و على رأسه مصباح صغير كالذي يستخدمه عمال المناجم و بيده سلم طويل من الحبال المتينة , ثبت الحبال في مكان مخصص لها على حافة البئر و ألقى بالسلم إلى القاع , و بعد ثوان سمع صوت ارتطامه بالمياه في الأسفل , إن منسوب المياه مرتفع بفعل المطر الغزير في الآونة الأخيرة و هو ما يزيد مهمته في تفقد ما جرى للمضخة صعوبة .
جلس على حافة البئر بحذر شديد , و ببطء أمسك السلم و بدأ النزول و هو يتأرجح بشكل خفيف مع كل خطوة نحو الظلام , و قلبه يتمنى ألا ينقطع السلم به و يهوي إلى مماته في ظلمات الأسفل المرعبة , بدأ يغوص في العتمة و رائحة الرطوبة تطغى على أنفه و تنشر دوارا ً خفيفا ً في رأسه و أذنيه , توقف قليلا ً و أضاء المصباح فوق رأسه و هو يشتم تشتت ذهنه و نسيانه لأبسط الأمور دون مبرر , أكمل نزوله و هواجس كثيرة تتلاعب به مع كل اهتزازة مهما كانت بسيطة , ربما ستباغته الروح الشريرة في القاع , أو أن الشبح الغامض سيغلق عليه البئر و يتركه يتعفن دون أن يسمع صراخه أحد , تبا ً لم وضع المضخة في الأسفل ؟ كان عليه شراء واحدة من تلك المضخات الحديثة لكنه لم يمتلك ما يكفي من المال آنذاك , ” حسن الآن , كف عن النحيب و أنه الأمر بسرعة إن كنت تريد النجاة ” .
غمرت المياه الباردة ساقيه تدريجيا ً , و عندما وصل منسوب المياه إلى منتصف فخذيه توقف عن النزول , المضخة موجودة هنا في مكان ما , هناك ما يشبه الرف الحجري حيث وضعها أول مرة , لم تكن المياه تبلغ هذه المستويات العالية في الشتاءات المنصرمة , لا بد أن لعنة شيطانية انصبت على المكان بأسره لتحدث كل هذه الأمور معا ً , نزل خطوتين إضافيتين بحذر و إحدى يديه تتلمسان الحائط بحثا ً عن المضخة .
فجأة شعر بشيء ما يلامس قدمه , أو يلتف عليها بالأحرى , انتفض جسده قليلا ً مذعورا ً و مد يده بسرعة إلى الأسفل ليلمس الشيء الناعم المجهول , يبدو كأنه حبل ما أو …. , رماه من يده دون أن يرفعه ليراه , ربما يكون أفعى سامة , ارتبك و بسرعة بدأ الصعود إلى الأعلى لكنه تذكر أنه لم يصلح المضخة الغبية بعد , التقط أنفاسه و ابتلع ريقه بصوت مسموع , هدأ قليلا ً مع مرور اللحظات , لا بد أنها أفعى ميتة تسللت إلى المكان بطريقة ما , سيخرجها من هنا قبل أن تسمم البئر برمته , فهو لا يريد أن يموت و على جسده المثالي علامات بنفسجية قذرة , لن يحدث هذا أبدا ً .
عاد من جديد إلى مكان وقوفه الأول , و عادت يده للبحث عن المضخة محركة ً المياه برفق حول رجليه في دوائر رقيقة , وجدها أخيرا ً هناك شيء قاس محشور فيها , إن المياه لا تؤثر فيها حسب ما يذكر من البائع الحاذق الذي أقنعه بها , إذا ً هذا هو السبب اللعين , لكن ما هو ؟ إن له ملمسا ً ناعما ً من الخارج لكنه قاس في ذات الوقت , شده بعنف فخرج من مكانه المحشور و عادت المضخة للدوران , و قبل أن ينتبه لنفسه انزلقت قدمه و وقع في المياه بجلبة عالية , و غاص إلى الأسفل بسرعة من هول المفاجأة و قوة الصدمة , فتح عينيه و هو يحاول الصعود إلى السطح بكل قوته , دفع بساقيه مستعملا ً يدا ً واحدة لمقاومة الجاذبية , و في ثوان كان يستنشق الهواء الرطب من جديد , أمسك السلم و هو يلهث بإنهاك , لم يكن هنالك وقت للشتائم أو التجديف بحق الآلهة التي تريه الجانب المظلم من ألوهيتها المطلقة , رفع يده ليرى مسبب كل تلك المصائب , إنه طويل انسيابي أبيض و أسود و كأنه مغطى بالشعر , و عندما عرف الحقيقة رماه بقرف شديد و هو يشعر بغثيان شديد .
ساق بقرة في بئره , غطى فمه بيده كي لا يتقيأ , لا بد أنه يهذي , أجل , إنها الحمى دون شك , غطس برأسه و فتح عينيه في المياه ليرى الساق التي رماها تغوص ببطء و ترتطم بالقاع محدثة فقاعات شفافة , ابتسم برضى ً , لا شيء يستحق كل هذا القلق , لكن عينيه اصطدمتا بجثة بقرة كاملة تطفو فجأة من اللامكان و عيناها تلمعان بضوء أخضر غريب – أو هكذا خيل له على الأقل – , شعر برعب هائل و أسرع بالصعود على السلم الذي أصبح اهتزازه خطيرا ً كألعاب السيرك البهلوانية البدائية .
قفز خارج البئر و أسرع بعيدا ً ليتقيأ لكنه لم يستطع , استلقى على بطنه مبللا ً و متعبا ً إلى أن زال الغثيان عن معدته , كان عليه التصرف بسرعة , يجب ألا تبقى تلك البقرة الميتة في بئره , من الجيد أنها ميتة من فترة قريبة و إلا كانت تفسخت , و استهلك من مياه البئر الملوثة دون أن يدري بوجودها , لكن كيف وصلت إلى هناك ؟ لقد باع البقرة الوحيدة التي عاشت في حقوله قبل فترة , ربما هي بقرة أخرى , فجميع الأبقار تشبه بعضها خاصة عندما تموت , لكن من وضعها في البئر ؟ ربما هو صاحب الخطوات الغامضة .
توقف عن التفكير و أسرع نحو الحظيرة ليحضر رافعة يدوية ثبتها بجوار البئر , و بعد لحظات من التردد كان ينزل مجددا ً إلى القاع و في يده حبل ثخين ثبت به البقرة بعد جهد كبير و هو يصارع اشمئزاز نفسه , مسح العرق المتصبب على جبينه بذراعه عندما أنهى المهمة القاسية , سيصعد و يسحبها الآن , لكن لا …! عليه أن يحضر الساق المقطوعة أولا ً , قلب شفته بقرف و ضيق و رمى نفسه في المياه دفعة واحدة , و عندما خرج كانت الساق في يد و ذيل البقرة الطويل الذي لامسه أول مرة في اليد الأخرى .
عاد إلى الأرض من جديد , و دون أن يسمح لأنفاسه المتهدجة بالهدوء , باشر تدوير ذراع الرافعة المعدنية بيديه كي ينتهي هذا الكابوس المقرف بأسرع ما يمكن , كان العمل شاقا ً بحق , التدوير صعب مع وزن ثقيل كبقرة ميتة , كل شدة إلى الأعلى تقابلها مقاومة عنيفة من قوى الجاذبية نحو الأسفل , و بعد جهد مضن نجح في إخراجها من البئر و رميها على التراب بجوار قدميه و هو يلهث من شدة الإنهاك , تأمل الجثة قليلا ً بعد لحظات , ليجد شقا ً كبيرا ً في رقبتها دليلا ً على أنها نحرت حتى الموت دون شفقة .
لقد تأخر الوقت دون أن يشعر , الظلام يهبط بثقله على العالم المخيف من حوله , غيوم كثيرة تتحرك فوقه بكثافة غير اعتيادية , و الرياح تجبر جسده المبلل على التحرك بسرعة قبل هبوب العاصفة الليلية المعتادة , إنها ليلة مخيفة حقا ً , كل هذا الطقس المجنون يحرك أكثر الهواجس رعبا ً في قلبه المرتعش , و يداه تجران جثة بقرة ميتة ً بصعوبة في الظلام الداكن وسط حقوله نحو السياج الغربي البعيد حيث لا يمر مخلوق على الإطلاق , سيدفنها هناك و ينتهي من كل هذا مرة واحدة و إلى الأبد .
وصل مبتغاه عند منتصف الليل مترافقا ً مع العاصفة , المطر ينهمر فوق رأسه مسببا ً له ألما ً إضافيا ً , كان قد عاد بسرعة و أحضر رفشا ً كبيرا ً من الحظيرة , إنه منهك القوى مبللٌ حتى العظام , و أعصابه منهارة بشكل غير مسبوق , غرز الرفش بقوة في الطين الطري و بدأ الحفر في جوف الليل , كان القميص يلتصق بجسده معيقا ً حركته رغما ً عنه , توقف عن الحفر و صرخ بوحشية و يداه تسحبان السحاب المعدني كاشفتين عن صدره المتصلب بقسوة , أكمل الحفر حتى نال حفرة ضخمة كما يشتهي أي حفار قبور محترف , ضحك بأعلى صوته كالمجنون و عيناه تجحظان من محجريهما باحمرار مخيف .
هبط على ركبتيه و أخذ يحفر الطين بيديه الاثنتين كي يعدل وضع الحفرة بشكل مثالي , لا يريد لتلك الجثة أن تخرج من موتها مجددا ً و تقلق راحته مرة أخرى , يجب أن يعامل الموتى باحترام حتى لو كانوا أبقارا ً , و فجأة أحس بشيء قاس يلامس أصابعه بين الطين الطري , توقف متفاجئا ً فهو على يقين أن أرضه المباركة لا تحوي حجرا ً واحدا ً بين ترابها الصافي , استجمع كامل شجاعته و أنزل يده في بركة الطين الصغيرة ممسكا ً الشيء القاسي بإحكام , و عندما أخرجه بشدة واحدة من ذراعه القوية , انبلجت أمام ذاكرته الحقيقة بسطوع أبيض مبهر و مؤلم في ذات الوقت .
أجل , إن كل شيء يشبه المرة الأولى تماما ً , جسده المتصلب و أعصابه المضطربة , ضوء المصباح الخافت فوق رأسه و العاصفة اللعينة التي تضرب كتفيه بقسوة , كل شيء باستثناء السحاب المعدني الكبير , في المرة الأولى اقتلع أزرار قميصه دفعة واحدة .
توجب عليه أن يروي الأرض العطشى في تلك الليلة البعيدة , إنه لا يدرك تماما ً كم مضى من الوقت على ذلك , كانت الغيوم قليلة ً تحجب القمر الشاحب من فترة لأخرى , المصباح على رأسه بحاجة لإعادة شحن لكنه لم ينتبه لذلك , و في منتصف الليل تماما ً باغتته العاصفة في أشرس حالاتها , كان بعيدا ً عن منزله وسط أرضه الواسعة محاطا ً بعويل الرياح المسعورة , عظامه تبتل و قميصه يلتصق بجسده , مزق الأزرار دفعة واحدة , واندفع نحو منزله البعيد بغضب .
في منزله سيجد الدفء و السكينة , سيحتضن زوجته الرقيقة بين ذراعيه و يدفئ جسده البارد بحرارتها طوال الليل , أجل , لكن لا , قد يضطر تحت رغباتها للإذعان مجددا ً لها , و هو لا يريد ليلة أخرى من الخجل و نظرات الشفقة , لطالما خذلته رجولته في أكثر اللحظات حميمية و هو لا يرغب سوى بقليل من الدفء في هذه الليلة المجنونة لا أكثر .
اقترب من البيت و غضبه يمتزج بعار قديم يمتد إلى عصور ذكورية سحيقة لا متناهية في العجرفة , توقف فجأة عن الحركة , المكان يغرق في ظلام غير مألوف في ليالي الري المماثلة , أين ذهبت تلك المرأة اللعينة ؟ لماذا لم تشعل له النار في الموقد ؟ أم أنها نامت و هي تدرك كم يعاني قسوة الطبيعة في الخارج وحده ؟ تبا ً لها و لكل النساء , مخلوفات عديمة الفائدة , أسرع غاضبا ً إلى الباب مارا ً بالفزاعة المهتزة يمنة و يسرة من تأثير الرياح القوية , لم يجد أحدا ً في المكان , السرير مرتب لم يمس و الموقد بارد كحالة جسده في الحب تماما ً .
عض على شفته السفلى بغيظ , و فجأة سمع صوتها يتلذذ بشيء ما مطلقة ً تأوهات خافتة تأتيه من مكان قريب , لطالما شك في الموضوع , لا بد أنها معه الآن , امرأة حارة الدماء مثلها لا تستطيع العيش مع رجل دون رجولة حقيقية , لا بد أنها تخونه مع أحدهم بشكل سري جدا ً , كم كان غبيا ً طوال هذه السنوات و هو يظن الشفقة التي تلتمع في عينيها حبا ً , فيما هي احتقار قاس و سخرية و حقد و كراهية .
– ” اللعنة عليهما معا ً … ”
دار حول المنزل ببطء دون أن يدور في خاطره شيء معين , إنه يريد رؤيتها في أحضان رجلها فقط , و سيترك ما سوى ذلك لتأثير اللحظة , كانت في الحوض تستحم معه دون شك , و ربما يكون أكثر من مجرد استحمام بريء في جوف الليل , لم يكن يستطيع رؤية شيء إلا بصعوبة بالغة في المطر و الظلام و الغضب , وقف خلفها بصمت و هدر صوته فجأة دون أن يحس به أو يقدر على التحكم بنبرته :
– ماذا تفعلين ؟
ارتبكت بشدة و هي ترفع يدها الباحثة عن إطفاء النار بين ساقيها إلى الأعلى بسرعة , وقفت بحرج و ثدياها يهتزان من هول انفضاح أمرها , تلعثمت و هي تراقب صدره يتصلب بغضب غير مسبوق و عيناه تقدحان شررا ً أحمر في ظلمة الليل .
حاولت التحرك نحوه و هي تبتسم كي تغريه بالنزول معها عسى أن يستجيب جسده الخائب هذه المرة , لكن قدمها انزلقت و سقطت مرة واحدة و ارتطم عنقها بحافة الحوض المعدنية الحادة و تطاير الدم على وجهه ملوثا ً شعر صدره بحرارة طازجة الرائحة , و سقط فجأة من قوة الاهتزاز كوب كبير من الحليب الساخن كان موضوعا ً بجوار الصابونة الخضراء , ليختلط الدم بالحليب فوق سطح المياه المنتشية بلذة صاحبتها قبل موتها , بلون ٍ زهري جميل كلون الشمس قبل الغروب على أرضه المباركة .
عندما أفاق على نفسه , وجد ذراعيه تحتضنان جثة زوجته و الدماء تلطخ كل شيء من حوله , لقد قتلها بدم بارد إثر سنوات من الجفاء , لكن لا كان حادثا ً أليما ً فقط , بدأت الأمور تختلط داخل رأسه و لم يدر ماذا يفعل , عليه أن يتصرف بسرعة قبل أن ينتهي الليل و تنقضي العاصفة , لا يجب أن يأتي أحد و يراه في هذه الحالة المريبة , و فكر بسرعة .
وقف على قدميه رافعا ً الجثة الثقيلة على كتف واحدة و أسرع نحو السياج الغربي حيث دفنها مع صلاة قصيرة في نهاية الأمر كي لا يطارده شبحها إلى آخر يوم في عمره , مسح العرق عن جبينه ملوثا ً نفسه بمزيج لزج من الطين و الدم قبل أن يتوجه إلى المنزل من جديد , عليه أن ينظف الدماء عن الحوض , لقد كان تناثرها قويا ً و عنيفا ً كالمطر الذي يأبى التوقف عن ضربه بلوم , خلع قميصه و مسح به الحوض و هو يبلله كل حين في برميل قريب , و مع طلوع الفجر وراء الغيوم كان قد انتهى , أطلق زفيرا ً عميقا ً من صدره و اتجه فورا ً نحو المنزل , لن يحمل هذا الذنب المرعب في نفسه حتى مماته , أجل لقد دفن سرا ً رهيبا ًمع الجثة و لن يعرف أحد على وجه الأرض بكل ما جرى , لن يذكر شيئا ً من تلك الليلة لنفسه مرة أخرى كأنها لم تكن , و أقسم على ذلك بحرمة الدم الذي سال .
قبل أن يفتح باب المنزل سمع خوار بقرته يعلو بحزن في الحظيرة , أسرع إليها بذعر , وقف عند الباب و عيناه تحدقان مباشرة ً في عينيها , ” إنك تعرفين إيتها اللعينة ” , ثم توجه إليها و شر مستطير يلتمع في حدقتيه الخضراوتين اللتين لا تناسبان جسده الأسمر على الإطلاق , و قبل أن تخور البقرة بالسر من جديد , استل منجلا ً قديما ًمن حائط الأدوات و نحرها من رقبتها بضربة حاذقة واحدة , انهارت البقرة المسكينة على ركبتيها بألم يعتصر في حنجرتها الممزقة , و سرعان ما لحقت صاحبتها التي طالما أحبتها و حلبت ضرعها على ذاك الكرسي الخشبي الواطئ كل صباح .
لم يدر ماذا يفعل بها , تركها ومضى في سبيله و صدره يعلو و ينخفض متهدجا ً بسرعة كبيرة , رمى نفسه على الفراش و راح ضحية نوم ٍ عميق , و عندما فتح عينيه من جديد كان الظلام قد حل من جديد على أرضه , لمعت في ذهنه فكرة مجنونة , سيرحل عن هذا المكان الملعون بأقصى سرعة ممكنة , لن يبقى مع الأرواح الشريرة لحظة واحدة بعد اليوم , لكن عليه التخلص من البقرة أولا ً , البئر المهجورة مناسبة تماما ً لهذا فهي جافة منذ عقود , رسم ابتسامة صفراوية بشعة ً على شفتيه و أسرع لتنفيذ ما فكر فيه .
هذا ما جرى إذا ً , لقد كان قاتلا ً قذرا ً , المطر يهطل عليه بقسوة , و جسده يحتضن جثة زوجته التي انغمر جزؤها السفلي في الطين , انهمر على وجهها الذي بدأ يتفسخ بقبلات حارة , و وجوده المادي ينحسر تدريجيا ً نحو مسكنه الجديد , إذا ً كانت الخطوات الغامضة آثار أقدامه و هو يغادر الفزاعة كل صباح نحو منزله , يا للهول ..! لم يكن أكثر من شبح مطرود من رحمة السماء , شبح ٌ يجوب الأرض حاملا ً ذنبه على كاهليه بحثا ً عن الانتقام من نفسه , شبح يسكن الفزاعة القديمة عن سبق الإصرار و التعمد .
في الصباح التالي بدا أن السلام عاد للحقول الواسعة من جديد , سطعت الشمس بصعوبة خلف الغيوم الرمادية الكثيفة , و انتشر نوع من الصفاء المخاتل فوق المنطقة نحو الجبل الأجرد , حتى شجرة البطم القديمة عادت للظهور بوضوح من هنا .
توقفت فجأة أمام بوابة الأرض الخارجية شاحنة صغيرة بمقعدين , و نزل منها رجل قوي مفتول العضلات تاركا ً وراءه الباب مفتوحا ً , تقدم من البوابة و فتحها بدفعة واحدة من قدمه متوجها ً بتمهل نحو المنزل القديم .
– عنتر , هيا …
صرخ بأعلى صوته و هو يتوقف قرب الفزاعة ملتفتا ً إلى سيارته , و فورا ً قفز من بابها المفتوح كلب أسود كبير أسرع إلى صاحبه بخضوع رغم شراسته الواضحة , و هو يهز ذيله في الهواء ببهجة و غباء , ربت الرجل على رأسه و هو يجلس القرفصاء بجواره .
– أترى هذه الأرض الواسعة يا عنتر ؟ إنها ملكنا الآن , أجل سنعيد لها مجدها القديم , ماذا تقول ؟ أين رحل أصحابها ..؟ حسنا ً , لا أدري , إنها مهجورة منذ وقت طويل , و يخشى القرويون الاقتراب منها , أتدري لماذا ؟
سكت قليلا ً ثم قال بصوت خافت كأنه يروي قصة مخيفة لأطفاله قبل النوم :
– لأن روحا ً شريرة تسكنها
زاغ عنتر في مكانه قليلا ً , فضحك الرجل و أكمل حديثه :
– أنا أيضا ً لا أصدق مثل هذه الترهات القروية الحمقاء , يقولون أن رجلا ً أصابه مس من الجنون في ليلة شتائية ممطرة , و قتل بقرته و زوجته بمنجل صدئ عتيق ثم اختفى عن الأنظار , بعض الناس يقولون أنه لم يكن متزوجا ً من الأساس , فيما يؤكد البعض الآخر أن زوجته لم تكن من القرية , كان غريب الأطوار كما تقول الإشاعات و لا يغادر أرضه على الإطلاق , أعتقد أن كان محقا ً في هذا فهي أرض ساحرة كما ترى يا عزيزي عنتر , و سمعت أيضا ً أن روحه تسكن شجرة البطم القديمة تلك و تعود كل ليلة إلى هنا لتمحو آثار الدماء عن حوض المياه الذي نفذ فيه جريمته المخيفة في ظلام الليل .
أطلق عنتر نباحا ً خفيفا ً بينما وقف سيده متجها ً نحو المنزل و هو يقول ” ترهات يا عزيزي عنتر , ترهات ” , توقف عنتر عند الفزاعة و هو يتشممها بعدوانية و بدأ ينبح بجنون كأن خطرا ً داهما ً يسكن في قشها المبلل .
– ما الأمر يا عنتر ؟ هيا , اترك تلك الفزاعة القديمة و شأنها , أوجدت قطة خلفها أم ماذا ؟ إنها مثبتة جيدة في الأرض كما ترى و ستفيدنا في إبعاد العصافير عن أشجار المشمش في الربيع القادم , هيا تعال الآن لدينا كثير من العمل اليوم .
في الصباح التالي لم تظهر آثار خطوات الفزاعة المسكونة بروح بشرية شريرة نحو باب المنزل , لكن الوافد الجديد استيقظ متأخرا ً في الصباح على غير عادته , ليجد أشلاء كلبه العزيز عنتر تملأ الفناء الأمامي مع كمية رهيبة من الدماء , و ابتسامة شيطانية ترتسم على فم الفزاعة دون أن ينتبه لها .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to الفزاعة البشرية

  1. Mohammad Adnan Dawood كتب:

    very nice story

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s