حب في مجلس العزاء

حب في مجلس العزاء

حب في مجلس العزاء

كنت جالسا ً في غرفتي ظهيرة يوم شتائي أمام كمبيوتري المحمول مستغرقا ً بكافة حواسي أمام شاشته الصغيرة , فتح الباب فجأة بهدوء , رفعت بصري قليلا ً لأرى أمي واقفة قرب الباب و مسحة عميقة من التأثر تغمر كيانها الجميل , ظننتها تريدني ان أفتح لها غطاء مرطبان عالقأ ً أو شيئا ً من هذا القبيل , انتظرتها بصمت كي تخبرني ماذا تريد فتركيزي منصب بكامله على لوحة المفاتيح أمامي لا غير .
– توفي جدك …
كلمات غير مألوفة على الإطلاق تخترق الحواجز الافتراضية المحيطة بي , لكنها للأسف لم تحدث في داخلي التأثير المطلوب , ” أهذا وقته الآن , ألم يستطع الموت في وقت لاحق ” , تمتمت متبرما ً بصوت خافت , كنت أريد إكمال اللعبة العنيفة المشوقة التي تأسرني منذ أيام , لا شيء أفضل منها في تاريخ ألعاب الفيديو , نصف مصاصة دماء تبحث عن الانتقام ممن حولها إلى هذا المزيج البشري – الخرافي , كنت أضرب و أقتل و أمتص الدماء و أنشر الموت العادل في أرجاء العالم السفلي .
– هيا تحرك , ألم تسمعني , يريد أبوك و أعمامك جنازة سريعة و عليك مساعدتهم , الحق بي بسرعة , و لا ترتد ثيابك الملونة المبهرجة كالعادة .
خرجت أمي و عيناها مغرورقتان بالدموع الصادقة , الميت هو والد أبي و ليس أباها , لكنها كانت تحب الجميع بقلب ذهبي واسع لم تورثني إياه بالكامل , قلبي الصغير لا يتسع لسواي و لا مكان فيه للغرباء , لا يعني هذا أني أكرههم بل يعني عدم اكتراثي بهم فقط , تأففت بضيق من هذا الضجر الروتيني في دورة الحياة , أطفأت الكمبيوتر متأسفا ً على المراحل التي سأضطر لإعادتها بعد مراسم العزاء المملة , ثلاثة أيام كاملة و أعود بعدها لحياتي الطبيعية .
لم أدر ماذا ألبس في مناسبات كهذه , فأنا لا أكره شيئا ً في العالم كله أكثر من كرهي للألوان الداكنة , الأصفر لا يلائم المناسبة المؤسفة على الإطلاق مع أنه لون الموت كما قرأت مؤخرا ً , لكنه ليس كذلك قطعا ً إن كان بمثل هذه الدرجة البراقة كالشمس , حسنا ً , هذه تفي بالغرض , الأزرق الغامق مع كل تلك التموجات الداكنة من الظلال التي لا تعرف اسما ً , معطف قصير رمادي مع البنطال الواسع , سيضايقني خصره الواطئ قليلا ً في الحركة لكنه يزيد من جمالي , فمن يدري ..؟ قد أقابل حب حياتي في أي مكان و في أي لحظة , و لا أريد أن أقابلها بحالة مزرية , هذا مؤكد .
بعد قليل كنت أغلق باب شقتنا بهدوء و أصعد الدرج إلى بيت عمي , عمارتنا تتألف من ثلاثة أدوار نحتل فيها الطابق الأرضي لوحدنا بعد خلو بيت جدي المجاور لنا من سكانه , و في الدورين الآخرين يقطن أعمامي الأربعة دون أن تكون روابط العائلة وثيقة بيننا , قضى جدي أواخر أيامه في بيت عمي الأكبر , سنة و نيف تقريبا ً منذ رأيته آخر مرة هناك , كان مريضا ً جدا ً بكافة أمراض الشيخوخة التي تصيب الناس و هم في الثمانينيات من العمر , لا أريد أن أبلغ من العمر عتيا ً مثله , خمسون عاما ً تكفيني لتحقيق كل ما أبتغيه في حياتي .
وصلت بيت عمي , الباب مفتوح و العائلة كلها مجتمعة في الصالون الواسع البشع , هناك بعض الأقارب من العائلة الكبيرة أيضا ً , مزيج كامل من المزعجين في مكان واحد , لم أكن ماهرا ً في التظاهر و التخفي وراء الأقنعة , و كان علي التظاهر بالحزن في هذه اللحظة كي أريح نفسي من المواعظ و المحاضرات الفارغة من المعنى .
عانقت أبي و همست له ببضع كلمات متكلفة مما يتبادله الناس في مثل هذه المواقف , حاولت تمثيل دور المفجوع كما أرى في الأفلام و أنا أجلس على كرسي غير مريح من البلاستيك الأبيض , يبدو أنني أجدت الأداء بمهارة فاجأتني حقا ً , فقد شاهدتم يعزونني و يخففون عني أكثر من الجميع , كنت الحفيد الثاني لجدي لكنني كنت المقرب له في طفولتي المبكرة , لطالما اصطحبني على دراجته الهوائية ثم النارية الصغيرة ليطوف بي بين أصدقائه مفتخرا ً , كان يحبني حقا ً على ما أعتقد , و انا أيضا ً كنت أحبه لكنني كنت أنزعج من وجوده في حياتي , عاداته في الأكل و تنظيف أسنانه على المائدة أثارت فيّ القرف دائما ً , صراخه الدائم و تلعثمه في الكلام كان يضجرني و ينفرني منه كل يوم أكثر من السابق , مئات التفاصيل الصغيرة التي تفصل عالمي عن عالمه , لكنني لم أكن أكرهه أبدا ً , و هو كان يدري ذلك في صميم قلبه رغم أننا لم نعد نجتمع كثيرا ً إلا مجبرين على طاولة طعام واحدة من وقت لآخر .
كانت زوجة عمي الرهيبة تنوح بفظاعة و هي تلطم وجهها بحركات مسرحية رخيصة , الجميع يعلم أنها كانت تكرهه بشدة , و ها هي الآن تريد الظهور كالابنة المفجوعة بشخص عزيز جدا ً , لكن أحدا ً لا يصدقها , الجميع يعرف معدنها الرخيص رغم كلامها المعسول و لسانها الحاذق , سمعت إحدى عمتيّ تهمس للأخرى في المطبخ القريب من مكان جلوسي , أنها تعتقد أن والدها مات مقتولا ً , ربما دست له زوجة ابنه الرهيبة السم في طعامه , لكن ذلك لم يكن صحيحا ً بشكل كامل , فهي قتلته حقا ً لكن ليس بالسم الزعاف , بل بمزيج مميت من الإهمال و قسوة القلب .
جميعنا يدرك أن جدي لم يكن سعيدا ً أو مرتاحا ً في بيت عمي لكننا لم نستطع مد يد المساعدة , في الحقيقة فرغ بيته بعد زواج عمتي المتأخر و لم نستطع استضافته للازدحام في بيتنا , أربع أخوة ليس رقما ً صغيرا ً في زمننا هذا ! و لذا , أصر عمي على العناية به في منزله باعتباره الابن البكر في العائلة , لا أخفي فرحتي بذلك القرار , ففي الحقيقة لم أكن مستعدا ً لإقلاق راحتي الخاصة تحت أي ظرف كان .
جدي المسكين … كان يقضي يومه في الصالون الواسع وحيدا ً لحين عودة عمي من أعماله التي لا تنتهي , بينما يجلس أولاد عمومتي مع والدتهم في غرفة بعيدة متجاهلين وجوده و حاجته للرعاية و الحب , و في أيامه الأخيرة دخل إضرابا ً سريا ً عن الطعام من شدة الحزن ما أودى بحياته .
وقف الجميع فجأة على أقدامهم , لم أدر ما الذي حصل بالتحديد , كانوا يقتربون من الجثة المسجاة على سرير أبيض قاس و يقبلون الوجنتين المتغضنتين و يهمسون له بآخر كلمات الوداع , انهارت عمتي الصغرى على قدميها في نوبة من البكاء الهستيري العنيف و التمت حولها نساء العائلة , لطالما خدمته و احتملت نوبات غضبه و مزاجه الرديء , لكنه يبقى والدها في النهاية , و برحيله ينهار سند آخر لها في هذا العالم , ستبقى مخلصة له حتى الممات و ستوزع على روحه العنب الأسود الذي طالما أحبه و مده بحب الحياة .
بقيت في مكاني لا أتحرك منتظرا ً الانتهاء من كل هذا الأمر كأنه لا يعنيني , حمل أبي و أعمامي جثة والدهم مع الشراشف البيضاء التي تلفها و خرجوا به بصمت ثقيل , عرفت لاحقا ً أنهم متوجهون لغسل الجثة في مكان ما قبل صلاة الجنازة , حيث سيوارونها التراب بعد صلاة الظهر مباشرة , أي بعد وقت قصير من الآن , إكرام الميت دفنه , هذا ما سمعتهم يرددون من أفواههم النتنة دون كلل أو ملل .
وُضِعَت الجثة في السيارة و غابت عن نظري مع صوت القرآن المنبعث بقوة في الطريق , خفت الجلبة و تناثر الجمع العائلي غير المتجانس بانتظار عودة المشيعين لاحقا ً , سيقام مجلس العزاء في بيت جدي الفارغ للرجال و في بيت عمي للنساء , قرار غريب تحكمت به زوجة عمي التي أرادت جمع أكبر قدر ممكن من الشفقة و التعاطف من نساء البلدة في بيتها .
كنت وحيدا ً في الشقة الفارغة , بين هذه الجدران قضى جدي جلّ حياته , حسنا ً ليس بهذا القدر , السنوات الخمس و العشرون الأخيرة من حياته فقط , كانت جدتي قد سبقته إلى أحضان الموت قبل سنوات , لكنني كنت صغيرا ً و لا أعي تفاصيل وفاتها بشكل دقيق , في الحقيقة أنا لا أذكر وجهها بشكل جيد .
دخل عمي الأكبر الشقة فجأة و هو يمسح دموعه بمنديل ورقي , أحسست بقلبي يخفق بين ضلوعي , إنها المرة الأولى التي أرى رجلا ً مهيب الطلعة كعمي يبكي بحرقة كالأطفال و نجوم السينما , شعرت كم هو حزين حقا ً و شعرت بحبه لوالده يطغى على كامل كيانه , كانت لحظة مؤثرة بحق , و لم أدر إن كنت سأذرف دموعا ً مثلها يوما ً ما , أو أن أحدا ً سيذرف علي مثلها عند مماتي , دموع لؤلؤية تنبع من قلب صادق حزين .
– هيا يا عمي , ألا تريد الذهاب للجنازة معي ؟
لم أعرف بم أجيب , لم أكن أرغب بذلك على الإطلاق , كنت ملحدا ً من الصميم و لا أؤمن بشيء اسمه خلود الروح في حياة أخرى , لكنني لم أكن لأبوح بذلك لأي مخلوق على الأرض , أسرتي الصغيرة تدرك الأمر لكننا لا نتحاور فيه علنا ً , أما عمي فهو أبعد من أن يفهم أمورا ً كهذه .
– سأبقى هنا و أشرف على ترتيب الكراسي للعزاء , لا بد أن يبقى أحدنا هنا كما تعلم , و سيتفهم جدي الأمر , أنا أدرك ذلك …
قلت متصنعا ً الحزن و أنا أتحاشى النظر في عيني عمي مباشرة .
انتهى الأمر إذا ً , أعطاني عمي تعليماته الأخيرة بهذا الخصوص و رحل مسرعا ً , المسحة الجادة تعود إلى قسماته القوية من جديد , و قبل أن ألتقط أنفاسي ارتفعت أصوات المؤذنين في مساجد البلدة تعلن رحيل جدي , إنها العادة المتبعة هنا , لا وجود للنعوات كما هو الحال في المدن الكبرى , سمعت اسم جدي يتردد في الفضاء مع فيض من الصلوات و الأدعية , استغرقت في تفكير عميق , ربما كان الله موجودا ً حقا ً و أنا لا أدري , فهو يبدو لطيفا ً و رحيما ً في لحظات الموت المؤثرة هذه , أستطيع تخيله يستقبل أبناءه العائدين إليه فاتحا ً ذراعيه بمحبة ليقودهم إلى الجنة , إنه في هذه اللحظة لا يشبه ذلك الإله القاسي الذي ينشر الموت الجماعي في نشرات الأخبار التي يتابعها أبي بكثافة لا أطيقها .
مضى الوقت ببطء و بدأ الناس يتوافدون للتعزية , شاهدت جميع أقرباء والدي يجتمعون معا ً في مكان واحد , كل الأشخاص الذين أكرههم في جعبة واحدة , تبا ً متى ستدركون أني لا أبالي بكل هذه الروابط العائلية و الاجتماعية السخيفة , رابطة الدم أمر بدائي من العصور الحجرية , الجلوس هنا مضجر إلى حد الموت , إنه انتحار و إضاعة للوقت الثمين , صوت القرآن يملأ المكان و أصوات النساء الباكيات تأتيني من حين لآخر عبر الدرج الذي اخترت البقاء قربه التماسا ً للهواء النقي , يبدو الأمر تعيسا ً كأنني جالس في عزاء , بل هو أسوأ , إنني في عزاء فعلا ً .
حسنا ً , سأحاول التفكير في أمور أخرى , ربما علي الاستفادة من وقتي و تخيل قصص عن كل هؤلاء الغرباء بناء ً على وجوههم و حركات أجسادهم , لعبة ٌ أتسلى بها عند ضجري في الحافلات العامة , لكنها لا تنفع هنا , الواقع الجلف أقوى من مخيلتي في لحظات كهذه , تبا ً , هذا ما كان ينقصني !!!
ابن عمي و ابن عمتي يقتربان مني و أنا لا أطيق أيا ً منهما , إنني أمقتهما في الحقيقة , الأول يهز مؤخرته الكبيرة ببلاهة متوارثة و الثاني يرسم تلك الابتسامة المقرفة على وجهه المداهن , أحمقان في شكل بشري … تبا ً كم أكره نفسي و أنا أردد جمل أبي نفسها دون تغيير أو لمسة ذاتية , لكن يجب علي أن أعترف , إنه يكون محقا ً أحيانا ً و يصيب كبد الحقيقة ببساطة شديدة , و هذا ما يغيظني و يزيد الأمر سوءا ً بالنسبة لي .
جلسا بجواري , لا بد من وضعها الآن , ابتسامة World peace التي تستخدمها ساندرا بولوك في فيلمها عندما تكون شرطية متنكرة بزي ملكة جمال خرقاء , أجل ها هي , أستطيع الآن احتمالهما قليلا ً , أدرت ظهري بعض الشيء و ألقيت نظرة على الدرج , هناك سيدة طاعنة في السن تجاهد لصعود الدرجات بظهرها المنحني و ثيابها السوداء , فرصة ذهبية للخلاص .
– دعيني أساعدك يا خالة …
قلت و أنا أهب من مكاني نحوها
– شكرا ً لك يا بني , لماذا وضعتم مجلس النساء في الطابق الأعلى , أنا مسنة جدا ً و قلبي العجوز لا يحتمل صعود درج كهذا ؟
ابتسمت في وجهها و أنا أمد لها يد العون , عجوز لطيفة حقا ً , إن الطيبة تشع من كامل وجهها بهالة من النور , ارتقينا الدرج ببطء شديد , و بعد لأي و تعب وصلنا عتبة المنزل , لكنني لم أتوقف عندها كما ينبغي , كنت أسمع زوجة عمي تقهقه بأعلى صوتها دون مراعاة لمشاعر الحزن الحقيقية عند القليل من الموجودين , أردت أن أوجه لها نظرة احتقار قاسية قبل نزولي , و هكذا دخلت المنزل لأساعد العجوز على الجلوس في أول مقعد شاغر صادفنا .
لم أر أثرا ً لزوجة عمي في المكان , ربما كنت أتوهم من شدة إرهاقي و مللي بعد كل هذه التفاصيل التي لا تعنيني في شيء , عندما أموت سأطلب حرق جثتي دون أي مراسم سخيفة , لا أريد لأحد أن يحزن من أجلي , الموت أمر طبيعي جدا ً و لا يستحق كل تلك الجلبة , و قبل أن أتوجه عائدا ً إلى مكاني في الأسفل , شاهدتها لأول مرة .
كانت فاتنة مبهرة و هي تدخل مجلس العزاء النسائي بصحبة مجموعة من السيدات , يبدو أنها ثائرة مثلي , تتشح بالسواد من أعلى رأسها لأخمص قدميها , أسود ضيق يكشف كل فتنتها الرائعة , و شعرها القصير يكشف رقبتها المنحوتة بإغراء قاتل , و ابتسامتها السافرة تتحدى الموت في عقر داره , لم تلفت الأنظار على عكس توقعاتي رغم الكعب العالي الذي يزيد قدها الممشوق رشاقة و بهاء , جلست بهدوء في زاوية مهملة ٍ نائية ً نفسها عن معمعة الدموع التي لا تنتهي .
نسيت مكان وقوفي المتطفل على الحرمة النسائية المؤقتة , التقت نظراتي بنظراتها بمزيج من الرغبة و الاهتمام , شعرت بها تناديني كي أقترب منها أكثر , يمكنني الإحساس بشفتيها تلتصقان بشفتي رغم المسافة التي تفصلنا , يا لجمالها !!! أرغب باحتضانها من الخلف طوال الليل لأداعب تلك الرقبة الفاتنة , أرغب بإشباع جسدي من جسدها وحدها طوال أيامي القادمة , أرغب بتدليلها و الحنو عليها من كل قلبي , و أرغب بإفساد قلبها كي لا تصلح لرجل آخر من بعدي .
– ماذا تفعل هنا ؟
أعادني صوت أمي للواقع البائس من جديد , لم أستطع إبعاد ناظري عن تلك الفتاة الفاتنة كي لا أفقدها في لحظة طائشة .
– لا شيء , كنت أساعد هذه السيدة العجوز المسكينة على صعود الدرج , و سأرحل الآن , وداعا ً …
و قبل ان تجاوبني أمي بشيء كنت أسرع بالعودة إلى مجلس عزاء الرجال , مكثت في مكاني الأول بجوار الأحمقين , سأتحمل بلاهتهما كي أستطيع الحديث معها عندما تنزل , أجل يمكنني من هنا رصد كل حركة على الدرج , و لا بد أن تمر أمام عيني , ستأتي في أي لحظة أنا متأكد , لقد شعرت بي و انصهر قلبها مع قلبي في بوتقة واحدة , من الجيد أنني اعتنيت بتصفيف شعري “السبايكي” دون مراعاة لامتعاض أبي و تحفظه الخالي من المعنى .
سمعت وقع خطوات أنثوية تنزل الدرج بهدوء , تسارعت خفقات قلبي في صدري كراقصة شرقية تستعد لإنهاء وصلتها , و شعرت بقضيبي يتصلب تحت بنطالي بحماسة لم أعهدها من قبل , لا يمكنني التفكير بحب أفاطوني عذري بإقصاء ٍ كامل لجسدي , كنت أشتهي الفتاة التي أحبها , و أحب الفتاة التي أشتهيها , متلازمة جينية لدي , لا بد من حدوث أحدهما لحدوث الآخر , الجنس هو التعبير الفيزيائي عن الحب , لمسة دافئة و قبلة شهوانية و جسدان ينسجمان معا ً في حركة متناغمة راقصة على أنغام الحب القلبي .
امتد ظلها أمامي طويلا ً قبل أن تظهر , لكن القادمة كانت فتاة أخرى , قلبت شفتيّ بامتعاض شديد و عدت للانتظار , لكن الساعات توالت عليّ دون أن تظهر من جديد , شعرت بحالة من الدهشة تنتابني عندما خلت العمارة من الغرباء , لا بد أنها غادرت في إحدى موجات الزحام دون أن أنتبه لها , لكن ذلك مستحيل .
تقلبت على وسادتي الخالية طوال الليل , لم يغمض لي جفن و أنا أفكر في تلك الفتاة الغامضة , ترى أين ذهبت , أم تراها مجرد خيال ابتدعته بنات أفكاري من شدة السأم , لطالما أردت حبيبة مثلها تماما ً , فقلبي المسكين يعاني وحدة خانقة و لا أحد يملأ فراغاته سوى امرأة مثلها , أحس اليوم أني نضجت و صرت رجلا ً كاملا ً , أجل لم أعد ذلك الولد السابق الأرعن , إنه إحساس غريب حقا ً و لا أدري له تفسيرا ً .
في اليوم التالي أسرعت دون تلكؤ إلى مجلس العزاء , من يدري ربما تعاود الظهور من جديد , طالت لحظات الترقب على قلبي الحائر , و قبيل غروب الشمس رأيتها تنزل الدرج فجأة كأنها تنبثق أمامي من العدم , ميزت فيها شيئا ً غريبا ً كأنه مسحة من الحزن العميق في عينيها , بدت فتاة مختلفة تماما ً عن المرأة التي شاهدتها البارحة .
انتظرت وصولها الشارع قبل أن أتسلل وراءها بسرعة و خفة , اقتربت منها و أوقفتها من يدها , شعرت بطاقة غريبة تنتشر في كامل ذراعي , تركت اليد تسقط من بين أصابعي دون مقاومة منها , التفتت نحوي متسائلة عما أريد , كانت أمامي بكامل فتنتها الطاغية كأنها لم تختف البارحة قط .
– لقد رأيتك البارحة , هنا في العزاء , لكنك اختفيت فجأة و لم أرك تغادرين , في الحقيقة أردت الحديث معك قليلا ً إن كنت لا تمانعين .
ارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة قبل أن تقول بهدوء :
– لم آت إلى هنا البارحة , لا بد أنك مخطئ .
– هذا مستحيل , لا تعبثي معي , إنها أنت أنا متأكد من ذلك , لا يمكنني أن أخطئ فتاة مثلك على الإطلاق .
ازدادت ابتسامتها اتساعا ً …
– لا بد أنك شاهدت شقيقتي , إنها أختي التوأم , لكنني لم أرها منذ وقت طويل , عندما كنا معا ً كان الناس يخلطون بيننا , و لطالما أثرنا المشاكل بسبب ذلك .
تنهدت بعمق و عاد الحزن العميق ليرتسم في عينيها …
– لقد أحببنا الرجل نفسه , تزوجته الأولى و عاشت الثانية حياتها على بقايا حب حزين , لكن ذلك انتهى الآن .
لم أفهم شيئا ً مما قالته , يبدو أنها تتحدث عن شيء لا أعرفه .
– أتتحدثين عن جدي ؟
لا أدري إن سمعت كلماتي , كانت تتحدث إلي كأنها تخاطب أحدا ً ما ورائي أو داخلي أو عبري , لا يهم كثيرا ً كنت مسلوب الإرادة في حالة من الدهشة التامة أمام وجودها الطاغي .
– إنهما معا ً الآن , لقد جئت لألقي النظرة الأخيرة على العالم الفاني من دونه لا غير , ربما فعلت أختي الشيء ذاته البارحة , فكما تعلم , يحق لنا – نحن الموتى – العودة إلى حياتنا السابقة كل سنة مرة واحدة على الأقل .
نظرت إلي بعمق كأنها تخترق عوالمي الداخلية بكاملها , ألصقت فجأة شفتيها بشفتي في قبلة طويلة قطعت معها أنفاسي , وقفت أخيرا ً مذهولا ً في الطريق من كلماتها الغريبة , لم أكن أفهم ما الذي تتفوه به من ترهات ميتافيزيقية , طعم قبلتها ينشر حرارة هائلة في جسدي , و عندما أفقت على نفسي كانت تنعطف مبتعدة ً عند ناصية الشارع القريبة , أسرعت وراءها و هي تختفي عن ناظري وراء شجرة السرو الكبيرة .
عند وصولي كان الشارع خاليا ً تماما ً دون أي أثر لها , حضور بارد للغياب ليس إلا , وقفت لوقت غير محدد حائرا ً لا أدري ماذا حصل أو ماذا أفعل , و خلال عودتي المتمهلة إلى المنزل أيقنت أنني لن أجد الحب الذي أشتهيه في مجلس العزاء بعد اليوم , أجل في مجلس العزاء لا يوجد سوى رائحة الموت و الأرواح الهاربة من منفاها الأبدي وراء أستار السماء بحثا ً عما فقدته يوما ً ما بيننا .
– لن أحضر عزاء آخر في حياتي
وصلت المنزل و عبرت إلى غرفتي مباشرة لأتابع لعبة مصاصة الدماء , دون أن أعير انتباها ً لأبي الذي كان يبحث عني بنفاذ صبر كي أقف جانبه في أحزانه , و أسكب مزيدا ً من القهوة المرة في مجلس العزاء .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to حب في مجلس العزاء

  1. Mohammad Adnan Dawood كتب:

    the twin plot is stunning. well done
    ?i sense a kind of self reflection. am i right

    إعجاب

    • oh no actually , it’s totally fiction : the plot , the characters , what’s going on in the main character’s mind , the ghosts , and everything else except the family’s building point ….. but maybe you felt that because I wrote as the character with the pronoun “I” , not like my other’s stories or poems where I usually put my self as a comment-er on the events more and use the pronoun “he” .

      إعجاب

  2. Mohammad Adnan Dawood كتب:

    that is right, mate

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s