ألفريد هيتشكوك يفتح آفاقا ً جديدة لسينما الرعب في Psycho

ألفريد هيتشكوك يفتح آفاقا ً جديدة لسينما الرعب في Psycho

ألفريد هيتشكوك يفتح آفاقا ً جديدة لسينما الرعب في Psycho

يشهد العالم كل سنة إنتاجات سينمائية كبيرة و متزايدة من حيث الكم و النوع في مختلف البلدان , لكن الإنتاجات القديمة و الكلاسيكية تحافظ على مكانتها الرائدة و المميزة لدى عشاق الفن السابع و متتبعي السينما في كل مكان , للقيمة الفنية العالية التي تختزنها و ترتفع بها إلى مستوى التحف السينمائية , و هو ما يجعلها قادرة على الوقوف في وجه الزمن دون أن يخفت بريقها الأول .
و يبرز في هذا السياق عدد كبير من الأسماء الكبرى التي قدمت الكثير لعالم السينما و أسهمت في نقله إلى مستوياته الحالية , و لعل أبرزها على الإطلاق المخرج الأميركي الشهير Alfred Hitchcock , الذي يعتبر أفضل صانعي أفلام الإثارة و الغموض و الرعب في التاريخ , و الذي فتح بفيلمه Psycho عام 1960 الباب أمام أفلام الرعب المعاصرة ( القائمة على فكرة القاتل المتسلسل – سينما الطعن و التقطيع ) لفرض نفسها كقوة لا يستهان بها في عالم الصناعة السينمائية .
تدور قصة الفيلم حول هروب السكرتيرة Marion Crane من مدينتها بعد سرقتها 40 ألف دولار من رئيسها في العمل , و تعرضها للقتل من قبل قاتل مختل في أحد الفنادق الصغيرة على الطريق إلى كاليفورنيا , و مع تعدد الاحتمالات في مصيرها الغامض و اختفاء النقود عن بكرة أبيها , تبدأ شقيقتها البحث عنها بمساعدة حبيب Marion و محقق خاص , و يعثرون على الفندق الذي حصلت فيه الجريمة المنكرة .
تحوم الشكوك حول صاحب الفندق غريب الأطوار Norman Bates و والدته العجوز المريضة التي تسكن في مكان قريب , إلى أن تكشف النهاية عن مفاجأة كبيرة بعد سلسلة من الجرائم الجديدة , و نعرف أن Norman ليس سوى قاتل مختل نفسيا ً , بدأ جرائمه قبل عشر سنوات عندما قتل والدته و عشيقها في نوبة من الغيرة المرضية , و نتيجة لشعوره بالذنب بدأ يتقمص شخصية والدته القوية بعد استخراجه جثتها و تحنيطها للحفاظ على شيء من وجودها المادي بقربه .
يبدو الفيلم عاديا ً نوعا ً ما بالنظر إلى ذاكرتنا المتخمة بقدر كبير من الأفلام المماثلة , لكن Hitchcock سبق الجميع إلى طرح أفكار من هذه النوعية الجديدة تماما ً على الشاشة الكبيرة في بداية ستينات القرن الماضي , و يحافظ حتى اليوم على تفرده و تفوقه على جميع الأفلام الأخرى بميزات لم تشهدها السينما بعد Psycho .
فمن جهة يقدم Hitchcock لأول مرة في التاريخ كل تلك الكمية من العنف في مشاهد القتل الرهيبة للشخصيات على يد Norman , لكنه يستطيع إخفاء الحقيقة بمزيج كبير من الظلال و الأشباح , فنرى القاتل لكننا لا نميز هويته , خاصة أن Norman يتقمص شخصية والدته من حيث الثياب و الشعر المستعار و الأصوات , و رغم أننا نستطيع استشفاف الأحداث قليلا ً باعتبارنا معتادين على أفلام الرعب المماثلة , إلا أن هيتشكوك يستطيع حبس أنفاسنا و إشاعة حالة من الضبابية في أجواء الفيلم و خلق مستوى رفيع من الدراما , و لا نستطيع التأكد من شكوكنا إلا مع شارة النهاية .
من جهة أخرى , يبدو مستوى الرعب في الفيلم كبيرا ً جدا ً , فالأجواء المتوترة و الفندق شبه المهجور , و الأحاديث الغريبة كلها عوامل تساعد في إثراء الفيلم و دمج المشاهد في القصة , و كان للديكورات و عوامل الإضاءة دور كبير جدا ً , فالمرايا تعكس كثيرا ً من الظلال الشبحية و والدة نورمان لا تظهر إلا كظل خلفي نوعا ً ما , فيما تتسلل الكاميرا من النوافذ منذ بداية الفيلم كأنها واحدة من تلك الأشباح و الظلال التي ترافق مسيرة الفيلم , أما الطيور المحنطة في فندق الجريمة فإضافة رهيبة للفيلم و تعكس جانبا ً من شخصية Norman المختلة نوعا ً ما .
و تبرز هنا مسألة الموسيقا المرافقة للفيلم , و خاصة في المشاهد التي يبلغ فيها التوتر ذروته , كمشهد القتل الشهير في الحمام, حيث قرر Hitchcock إضفاء لمسة موسيقية غامضة و عنيفة في ذات الوقت ما ساهم في رفع مستوى الفيلم بشكل كبير مقارنة بالنسخة الصامتة التي أرادها Hitchcock في البداية .
و على عكس الأفلام العادية يطرح Hitchcock الجريمة العنيفة في نهاي الثلث الأول من وقت الفيلم , و ليس في أول عشرين يبن دقيقة كبقية الأفلام العادية التي تحاول الاستيلاء على الجمهور منذ البداية و بشكل مفاجئ , حيث تسير أحداث Psycho برتابة مقلقة موترة إلى غاية الدقيقة 40 تقريبا ً بعد ظهور Norman للمرة الأولى , فيما تعطينا البداية جوانب من حياة Marion مع حبيبها و رب عملها , و الحالة النفسية المضطربة التي تغرق فيها بعد سرقتها النقود , و مع كل تلك الأحداث و السيناريوهات الافتراضية داخل دماغ Marion , ينجح Hitchcock في كسب الرهان و خطف اهتمام الجمهور و منعه من مغادرة قاعة السينما مبكرا ً .
في سياق متصل , يقدم الفيلم عددا ً من المشاهد الأفضل في تاريخ السينما العالمية , و على رأسها مشهد القتل الشهير في الحمام , عندما يهاجم القاتل الغامض Marion خلال استحمامها و يطعنها بسكين ضخمة مسببا ً وفاتها على الفور , وسط نوبة من الذعر و الصرخات و الموسيقا المبهرة , و هو أول مشهد في تاريخ السينما يقدم القاتل المتسلسل بهذا العنف , و يصور الجريمة بتلك الطريقة المرعبة , و لا أود أن أنسى مشهد آخر قبيل الجريمة , عندما يحاول Norman التقرب و التودد من Marion و يدور بينهما ذلك الحوار الطويل المثير و الغريب في آن واحد , حيث تستفزه مرات عدة مخرجة جوانبه المظلمة إلى النور , و يشكل المشهد أساسا ً لفهم أعمق و متجذر لشخصية القاتل المختل لاحقا ً .

مشهد القتل الشهير في الحمام

مشهد القتل الشهير في الحمام

تجدر الإشارة هنا إلى تفضيل Hitchcock تصوير الفيلم بالأبيض و الأسود لغايات متعددة , على رأسها تخفيف دموية مشهد القتل في الحمام , و الابتعاد عن لون الدم الأحمر الذي يزيد من درجة الرعب و العنف في الفيلم , و كان ذلك قرارا ً حكيما ً , إذ ساهمت الصورة البيضاء و السوداء في خلق حالة أعمق في عقل المتابع , و كانت العامل الأبرز في نجاح طريقة الظلال المتبعة في الفيلم عامة .
ما يثير الإعجاب في الفيلم أيضا ً هو العمق النفسي الذي تستند عليه الأحداث , و الطابع البشري المهيمن على الأجواء , فبينما تقدم أفلام اليوم قتلة يقتلون دون سبب واضح أو مخلوقات شيطانية غير واقعية , يبدو Norman كتلة من العقد النفسية منذ طفولته البعيدة , وفاة والده و تعلقه المرضي بأمه المسيطرة و الحياة المنعزلة كأنهما آخر من بقي في العالم , كلها ساهمت في تفاقم حالته النفسية و وقوعه في انفصام كامل بين شخصيته الحقيقية و والدته التي كانت أولى ضحاياه , ليصبح الذنب هو المحرك الأساسي لتصرفاته المريضة فيما بعد , و تصبح جرائمه من فعل أمه و تغطية الجرائم من فعل Norman .
يطول الحديث كثيرا ً عن فيلم عظيم مثل Psycho الذي نال أربع ترشيحات ثمينة للأوسكار بينها أفضل مخرج و أفضل ممثلة مساعدة ل Janet Leigh في دور Marion , إضافة لتصدره قوائم أفضل الأفلام في التاريخ في عدد كبير من وسائل الإعلام المرموقة و دخوله التاريخ كإرث ثقافي للولايات المتحدة الأميركية , و هو دون شك أفضل ما قدمته سينما رعب القاتل المتسلسل في تاريخها الطويل .
Psycho , فيلم لا بد من مشاهدته لكل مهتم بالسينما العالمية فهو أكثر من مجرد تحفة سينمائية , و فيه يتخطى المخرج العظيم Alfred Hitchcock كافة الحدود المعروفة و يكسر قيود الإنتاج الشحيح و يرغم شركات الإنتاج الكبرى ( Paramount Pictures و Universal Pictures ) على الرضوخ له بعد عناد طويل و رفض لتقديم الفكرة من أساسها , محققا ً إيرادات خيالية في شباك التذاكر , و نجاحا ً منقطع النظير حتى يومنا هذا .
جدير بالذكر أخيرا ً أن الفيلم مقتبس من رواية تحمل ذات الاسم للكاتب الأميركي Robert Bloch , و يعتبر الأب الروحي لأفلام رعب شهيرة مثل سلسلتي Halloween و Scream , و ما تزال استوديوهات تصويره موجودة حتى اللحظة في استوديوهات Universal بهوليوود , و تعتبر مقصدا ً للزوار و السائحين من شتى بقاع العالم .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

8 Responses to ألفريد هيتشكوك يفتح آفاقا ً جديدة لسينما الرعب في Psycho

  1. Mohammad Adnan Dawood كتب:

    nice review
    keep it up

    إعجاب

  2. محمد الشافعي كتب:

    في الواقع عزيزى وليد فيلم سايكو هو ايقونة هيتشكوك الخالدة للأسف الجيل الحالي من المشاهدين لايشاهدون مثل هذه الأعمال الخالدة والسبب ان مايقدم لهم علي انه الافضل بالقت الراهن هو في الواقع لايستحق المشاهدة

    إعجاب

    • نعم إلى حد ما, هناك أعمال قيمة تقدم حالياً, الجو السينمائي العام أصبح مختلفاً مع تطور الزمن, في هوليوود تطورت صناعة السينما بشكل مضطرد وإيجابي إلى حد ما, لكن السينما العربية مثلاً تدهورت نحو ما وراء الحضيض, ومخرجين كهيتشكوك هم أساطير خالدة, وما أحبه في السينما أن الفيلم لا يموت أو يبلى مع الزمن, أما الجمهور فلا تعليق على ما قلته, إنهم فقط يمشون بأوامر وسائل الإعلام بشكل عام

      إعجاب

  3. mode كتب:

    هذا الفيلم لو كنت عايش في وقتو وشفتو يمكن كنت استمتعت فيه لانو جدا بسيييط بمقارنه افلام اليوم لكن اذا فكرت انو كيف هذا هو بداية افلام الرعب وتشاهدها على اساس انك تشوف بداية دخول الرعب في السينما تشوفو من باب الفضول وليس كفلم السهره الذي تتوقع ان تشاهد فيه ماتتوقعه من قوه اخراجية ومؤثرات بصريه
    هذا الفيلم كقصه تاريخيه بالنسبه لمشاهدين اليوم كيف بدأت افلام الرعب وفعلا لو تشاهد كثير جدا من افلام الرعب بيكون المجرم فيها مجنون او مريض نفسي

    إعجاب

  4. mode كتب:

    صح كلامك والله في افلام رعب تفشل لدرجة بتحس ان اللي سوا الفيلم ماسوى اي سينايرو ولا التزم باي شي كانهم شويت شباب من الشارع يستبلهو بكاميرا اتش دي بتستغرب ليش اصلا سوو الفيلم لو كانو هذي الفلوس اللي صرفوها على الفيلم تاجروبها بالمخدرات كان اجرلهم يمكن يفلحو في المخدرآت

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s