دمشق الحب و الموت

دمشق الحب و الموت

دمشق الحب و الموت

لطالما أردت أن أحيا مغامرة كبيرة أو قصة حب جارفة , لكنني لم أعتقد أبدا ً أن ذلك سيحدث لي بمثل هذه السرعة , ربما لأن الجدران الرمادية التي تمنعنا من رؤية السماء الزرقاء تحجب عنا متع الحياة و تحرمنا حتى من التفكير بها بصفاء كما ينبغي , لكني نلت ما تمنيت و عشت حياتي كما ينبغي دون أن أندم , اجل , أنا رجل لا أملك شيئا ً لأندم عليه , و أستطيع الآن أن أموت بسلام .
بدأ كل شيء في أمسية صيفية حارة , قالت نشرات الأخبار أن الأرض لم تشهد موجة حر كهذه منذ ستين عاما ً على الأقل , و هنا في دمشق تبدو الأمور أكثر حرارة من أي مكان آخر على الكوكب , طبول الحرب تدق على مشارف المدينة العتيقة من كل صوب , و الجميع قلق من معركة حقيقية بين السلطة و المتمردين … حسنا ً , لم أدخل يوما ً في جدال سياسي أجوف و لا أخطط لذلك الآن , لكن باستطاعتي القول أن ما جرى حولي طوال سنة و نصف من الأحداث الدامية في البلاد جعلني أنعزل عن بقية الناس أكثر فأكثر , باعتبارهم غرقوا بوعي أو دون وعي في نقاشات عقيمة و خلافات سخيفة و نسوا أن يكملوا حياتهم … كنت أضع نفسي دائما ً في مكانة متقدمة على الجميع , و أفكر بنفسي أولا ً دون أي اعتبارات أخرى , كنت أحيا بنفسي و لنفسي فقط مع هواجس متفرقة بحياة عظيمة .
أتيت إلى هنا قبل سنوات بحثا ً عن الإلهام , أردت دائما ً أن أصبح كاتبا ً يعيد للكلمة مجدها القديم , لكن الحياة السريعة ابتلعتني و لفظتني متنقلا ً بين الأوراق دون أن أنهي أيا ً من أفكاري العبقرية التي تأتيني بغزارة من بحيرة سرية في أعماق دماغي البعيدة , لا يمكنني القول أنّي وقعت في حب المدينة كما يكرر الجميع بضحالة , لم أجد دمشق مدينة جميلة على الإطلاق , على العكس تماما ً , كانت شديدة القبح بكل تلك الأبنية التي استحالت جدرانها إلى لون دخاني قاتم , و بكل الازدحام الخانق و الضجيج الذي لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد , و بكل التناقضات التي تحتويها دون أي مبرر سوى لكونها مدينة كبيرة في حيز جغرافي شبه منسي عن ركب الحضارة البشرية منذ قرون كثيرة … لكن هناك شيئا ً خفيا ً في دمشق يجذبني دائما ً بحثا ً عن الإلهام , شيء كابتسامة الموناليزا على أغلب تقدير , ليس جمالا ً بقدر ما هو ترقب لجمال تستحقه مدينة عريقة , أو هي الرغبة في اكتشاف السر وراء اجتذابها الأبدي لعشاقها و حبسهم في حجارتها القاسية , ربما كانت دمشق مدينة جميلة في غابر الدهر , لكنها ليست كذلك الآن , أجل , إنها تلك الحسناء القديمة التي تحيا على مجد الأيام الخوالي و لا تبالي بما يقول الناس عنها , إنها جميلة من الداخل إن صح التعبير , و هذا هو المهم في النهاية .
جزء من إخفاقي الدائم في الكتابة يعود إلى الجو المحيط بي , أحيا في منزل صغير وسط الضجيج , أملك كل ما أحتاج إليه , سرير متين و طاولة جيدة هي كل ما يحتاج إليه الكاتب من ماديات بنظري , أجرب الكتابة بطرق مختلفة , على الورق برومانسية الأفلام القديمة , أو على الكمبيوتر الذي اختفى لون حروفه من كثرة الاستعمال غير المجدي , في النهار يمنعني صخب الحياة في الشوارع من التركيز كما ينبغي في خلق الحياة على الورق , و في الليل تمنعني أصوات جيراني من بلوغ ما أريد من أفكار براقة و كلمات لا يمكن استبدالها , في الحقيقة بت جراء ذلك أكره الرجل الذي أضاف الشرفات إلى فن العمارة الحديثة , و حقيقة أن من يقضي الليالي بالحديث على الشرفات هما جارتاي الشابتان لا تبعث أي تعزية في نفسي و لا تثير في داخلي أي شيء , ربما لأن الأحاديث التي تتبادلانها لا تتعدى مزيجا ً مريعا ً من الضحكات السخيفة و الكلمات الفارغة من أي معنى ً على الإطلاق , و كنت بطبيعتي متيما ً بالعمق في كل تفصيل مهما كان صغيرا ً , و منعني ذلك من خلق فضول حقيقي داخلي لاختلاس نظرة واحدة إلى وجهيهما و لو لمرة واحدة , ربما يكون ذلك أفضل لي بجميع الأحوال , فلا يمكنني احتمال سطحية التفكير مع الدمامة في وقت واحد , و بجميع الأحوال لم أكن أعيرهما شيئا ً من اهتمامي باستثناء بعض العبارات الغاضبة التي تنهال من فمي على عالمهما كاملا ً عندما تقطعان سلاسل أفكاري فجأة دون رحمة .
كنت جالسا ً أمام كومة كبيرة من الأوراق أحرك قلمي بين أصابعي بعصبية منتظرا ً إلهاما ً تأخر وصوله , ربما يعرقله حاجز سماوي ما , أليست الأرض نسخة مشوهة عن عالم السماء الأزرق في نهاية المطاف ..؟ بدأت الحروف فجأة تتطاير أمام عيني و حول رأسي متراقصة ً ببريق ذهبي ضاحك و هي تشدني من يدي إلى عالم آخر تنتظرني فيه شخصيات كثيرة تريدني أن أنفث فيها شيئا ً من روحي على الورق , مشيت كالمسحور بين الوجوه التي تحدق فيّ برجاء و ابتهال و تضرع , لا يعجبني هذا الآن , و ذاك كئيب أكثر من اللازم , كنت بحاجة لشخصية شديدة الجاذبية , امرأة أسطورية ربما , لا أريدها فائقة الجمال كي لا تقضي جلّ وقتها أمام المرآة تبحث عن لون جديد لطلاء أظافرها , لكن من تكون تلك الجاحدة التي تدير ظهرها لي بتكبر , ألا تدري أنني لن أتكرم عليها بنعمة الحياة إن لم تبجلني و لو كان ذلك مجرد تمثيلية رخيصة و خداع أجوف لعيني , استفزتني قليلا ً و قبل أن أتوجه إليها , رنت في أذني ضحكة شنيعة اهتزت على إثرها جدران مخيلتي المتصدعة , و انهار العالم البراق فجأة و تلاشى مع الغبار السابح في فضاء غرفتي الصغيرة كأنه لم يكن , و اختفى بريق الحروف من أمامي تدريجيا ً حتى انطفأ نهائيا ً دون أن تستطيع يداي ضمه بأمان إلى صدري .
انتابتني موجة غضب عارمة و شعرت بنيران الغيظ تتأجج أسفل صدري ناشرة ارتعاشة مهيبة في أطراف جسدي , مددت رأسي من النافذة المفتوحة نحو الشرفة العليا و أطلقت سيلا ً من الكلمات الغاضبة نحو الظلام الذي يكتنف المكان , لا أدري إن كنت مهذبا ً تماما ً أم أن بعض الشتائم انسابت من بين أسناني دون أن أنتبه , ساد الصمت فجأة بعد ثورة غضبي التي هبطت على العالم بغتة ً دون سابق إنذار , أخذت نفسا ً عميقا ً و شعرت بالهدوء يعود إلي مع أنفاسي التي بدأت تعود للانتظام , كان علي اللجوء للعنف منذ البداية , و ما أن أدرت ظهري حتى رنت ضحكة أسوأ من سابقاتها مع رد نتن لا ينبغي أن يخرج من فم فتاة رقيقة مهذبة , كلمات أشعر بالخجل من مجرد التفكير بها , لعنت حظي الأحمق الذي قادني إلى التفتيش عن الإلهام في أماكن رديئة كهذه , مدينة غبية , سأرحل من هنا و لو كان آخر عمل في حياتي .
تناولت مفاتيحي المرمية بعبث أبدي بين الأوراق على الطاولة , و خرجت بصخب من المنزل مغلقا ً الباب ورائي بقوة غير معتادة , تاركا ً أكثر مشاعري سوداوية ً في الداخل تتجمع بغيظ في زاوية مظلمة الظلال , و هي تنتظر الانقضاض على روحي التعسة و التهامها من الداخل لدى أي نوبة غضب محتملة في قادم الأيام .
ليس سهلا ً أن تكون مبدعا ً في هذا الجو السطحي المحيط بك كفقاعة ضخمة تؤمن لك التنفس فقط , حتى تكتمل دائرة أفكاري و حتى أنطلق بحق كما أريد علي أن أحيط نفسي بهواء جديد , لغة راقية و حوارات قيمة , استعرضت في رأسي كافة الأسماء التي عرفتها طوال سنين حياتي التي تبلغ ربع قرن , و أنا أمشي دون هدى ً في شوارع المدينة التي خلت من أنين الحب أمام وطأة الألم , لم أجد اسما ً واحدا ً يحظى بمواصفات رفيعة المستوى , لا عجب أني لا أملك أصدقاء على الإطلاق , رفاق عابرون و زملاء ودودون لا أكثر , أنا و أفكاري و لا أحد سوانا في مواجهة تقلبات الحياة التي لا ترحم .
قادتني قدماي إلى أكثر أماكني سرية و قدسية في المدينة الواسعة , مكان أتشاطر سره مع الجميع تقريبا ً , في دمشق القديمة تحوم الذكريات و يخيم الحب و يتألق الماضي و يبتسم المستقبل , خصوصية المكان تفتح أبواب مخيلتي على مصراعيها دون لأي أو تعب , لطالما أتيت إلى هنا طوال السنوات الماضية , وحدي غالبا ً لأتأمل كافة أطياف البشر و هي تجتمع لثوان قليلة دون أن تدري إن كانت ستلتقي مجددا ً في درب فرعي هنا أو هناك , رائحة المخبوزات الطازجة من المخبز العتيق عند الزواية تمنح بعدا ً آخر من الحياة لحجارة الطريق العتيقة , و أصوات القصف العنيف مجهول الهوية تتردد من حين لآخر عابرة ً المسافات نحو أذني ناشرة انقاباضات متواترة في أوصالي و رافعة مستوى التوتر في قلبي إلى حدوده القصوى .
مشيت في الشوارع الضيقة التي طالما احتضنت أحلامي الممزقة و رغباتي المجنونة , الجمع القليل من الناس يغادر الطرقات على عجل و المحلات توصد أبوابها بصمت يشي بقلق أصحابها , وقفت في ظل حارة فرعية ضيقة أتامل صاحب محل عجوزا ً لا أدري ماذا يعرض أمام الناس عادة , كنت معتادا ً على الوقوف هناك ساعات طويلة مستمعا ً لأم كلثوم التي تنبعث من داخل محله الضيق بحنان أزلي , لم أغامر يوما ً باقتحام خلوة صوتها خوفا ً من صدمة محتملة بالمكان لا غير , إن صوتها القدسي يبدو أروع مع غبار الحجارة العتيقة و كأنه خلق فقط ليصدح في جنبات الشام القديمة مع الليالي الطويلة .
كان العجوز هناك كعادته على كرسيه الواطئ كأنه لا يدري ماذا يدور حوله , أو ربما لا يريد ذلك فقط , التجاهل نعمة نادرة لا تحظى بها سوى قلة مختارة من آلهة متحيزة , لم يكن على عجلة من أمره كبقية أصحاب السوق , لم أكن واثقا ً إن لاحظ وجودي المثير للشبهات مستترا ً بالظلام على بعد خطوات قليلة منه , أم أنه لم يشأ التطفل عليّ فقط خوفا ً و رهبة من جواب وقح لا يسره , انتظر ببرود غريب حتى انتهت أغنية أم كلثوم كأنها آخر من بقي له في هذا العالم , أغلق محله بصمت و رحل بهدوء دون أن ينبس ببنت شفة , ربما أراد الاستمتاع بجمال الحياة الروتينية للمرة الأخيرة لأنه يدرك أم شيئا ً لن يعود كما كان , خرجت نحو ضوء الشارع الخافت متأملا ً غيابه نحو ظلال المجهول و كأنها المرة الأخيرة لنا معا ً , لم يلتفت نحوي و لم يودعني بإيماءة حفيفة من رأسه أو لمسة بسيطة لقبعة لا يعتمرها , مشى في طريقه غير عابئ سوى بالسلام الراقص في صدره على ذكريات أغنية أم كلثوم الأخيرة , تاركا ً إياي مع وحدتي أردد كلمات الأغنية في داخلي بأسى بالغ .
لطالما أحببت المشي في شوارع دمشق القديمة بعد أن تفرغ من أصحابها و روادها , في تلك الساعات التي تعقب منتصف الليل تستيقظ المدينة القديمة و تفتح أرواح الحجارة العتيقة عيونها الجميلة و تعود الحياة للجدران الشامخة في وجه الزمن , كنت أمشي هنا دائما ً و كأنني الإنسان الوحيد الذي يملك الكلمات السحرية لعبور العوالم الموازية نحو مدينة العشق دمشق , و اليوم أشعر أنني الناجي الوحيد دون أحبابه إثر نهاية العالم المفاجئة , حزن كبير يداهمني و وحدة خانقة تلف أصابعها على رقبتي كهيكل هظمي لآلهة الموت القديمة , وقفت عند سور المدينة الضخم الجميل و أنا أتخيل جميع الذين مروا من هنا طوال قرون من الأبدية , وضعت يدي على الحجر البارد بحنان و حب , كل حجر يروي حكاية أصحابه الذين رحلوا دون رجعة , و كل حجر يزهو بروحه الخاصة متألقا ً بضياء خافت , و كل حجر يزيل عنه غبار الرقاد ناشرا ً الحب مع نسمات الليل .
فردت ذراعي و حضنت الجدار العتيق بحميمية مطلقة , ألصقت صدري بدمشق الحقيقية و شعرت بياسمينها المفقود يُخلق في داخلي و ينتشر رائحة زكية في شراييني و يخرج للعالم زكيا ً مع أنفاسي النتنة , أغمضت عيني مستسلما ً لتدفق مشاعري الجميل في جوف الليل المجنون حالما ً بغد أفضل , داعبت أذني أصوات بعض الانفجارات البعيدة لكنها لم تبدد سحر اللحظة التي أحياها , لم أكن أخشى الموت في تلك اللحظة المباركة , و لم أبال بخطر التجول ليلا ً كما أشيع بكثرة في الآونة الأخيرة .
بقيت على حالتي تلك فترة غير محددة من الزمن , و فجأة تبدد الهدوء اللطيف المحيط بي دفعة واحدة , جفلت في مكاني دون أن أجرؤ على الحراك مع صوتها الرقيق الذي انساب إلى عوالمي الداخلية دون استئذان
– ماذا تفعل هنا , ألا تخشى على نفسك ؟ ألا تخشى الموت ؟
استدرت ببطء عندما استرجعت بقايا إرادتي المشتتة , رفعت رأسي لأراها تخرج من الظلام القريب متألقة بهالة خاصة تحت الضوء الخافت , و عرفت أني وقعت في الحب حتى أذني , لم تكن جميلة جدا ً كنجمات السينما و لم تكن طويلة جدا ً كعارضات الأزياء , كانت مثالية فقط , كأنها لا تنتمي أبدا ً لهذا العالم الأحمق , كأنها هاربة من أقدس أحلامي التي أنساها كل ليلة عند استيقاظي .
لصوتها شعور غريب دافئ كالعودة أول مرة للبيت بعد غياب طويل , لم أجبها , بقيت ساكنا ً أتأمل شعرها الكستنائي المنسدل على كتفيها ببساطة لا تروق للعالم المعقد كثيرا ً , ابتسمت أخيرا ً و قلت لها و أنا أضع يدي برفق على الحجارة العتيقة مبعدا ً عيني عن نظراتها التي تخترقني و تسبر أغواري دون مقاومة :
– لا , لا أشعر بالخوف و أنا هنا .
حافظت على ابتسامتي البسيطة قبل أن أحول نظري من الحجارة إليها بصمت و أقول أخيرا ً :
– أشعر فقط بأنني شخص طيب .
– هل أستطيع أن أشاركك إذا ً ؟ , أردت دائما ً احتضان هذا السور العتيق
و قبل أن أجيبها كانت تلصق جسدها بالجدار العتيق متوحدة معه في ذاتٍ أبدية لا تموت , بقيت ساكنا ً بجوارها أتأمل جمال روحها بصمت قبل أن أنضم لها مجددا ً , شعرت باتحادنا مع المدينة القديمة يمدّنا بالطاقة و الحياة في وجه الموت الآتي إلينا بسرعة متزايدة مع أصوات الانفجارات التي تزداد قوة و عنفا ً كل لحظة .
ابتعدنا أخيرا ً عن السور , نظرتْ إلي بشكل غريب , لم أفهم ماذا يدور في خلدها , إذ لم ترنُ إلي امرأة بمثل تلك النظرة العميقة من قبل , و قبل أن أنتبه لشي كانت ذراعاها تحوطان جسدي و تغمرني بحنان أنثوي عميق , ركنتْ رأسها على صدري بصمتٍ فيما بقيتُ ساكنا ً في أحضانها و يداي لا تجرؤان على مسح شعرها بسكينة و رقة .
– لطالما أردت أن أحتضن رجلا ً حقيقيا ً … ( همست )
– لا أدري إن كنت رجلا ً حقيقيا ً فعلا ً …
– بلى أنت كذلك , لا يحتضن الجدران العتيقة بكل ذلك الحب سوى رجل حقيقي !
ابتعدت عني قليلا ً و رفعت رأسها نحوي مبتسمة بود و رضى ً , شعرت بها سعيدة ً كسعادتي لمجرد الوجود بقربها , كنا أكثر من مجرد غريبين مثاليين في شوارع المدينة القديمة وسط الظلام و الموت , كان هناك رابط خفي يخلق بين عيني و عينيها , كنا نحيا لحظة شديدة الخصوصية , لحظة من الحب الروحي و السكينة النفسية في آن واحد , لحظة لا يمكنني وصفها بدقة , لحظة يمتزج فيها الله و الحب و الوطن في نظرة متبادلة , كانت مخاوفنا الرثة تتلاشى غبارا ً قذرا ً في العدم المحيط بنا , و قلوبنا تدق بعنف يعلو ضربات الموت التي تقصم ظهر المدينة المنهكة , و في النهاية التي طالت علينا عادت إلى أحضاني من جديد و هي تتمتم بصوت خافت :
– دعني أعش معك هذه اللحظة , لا أريد أن أفكر بشيء آخر , لطالما انتظرت رجلا ً مثلك , و ها أنت أمامي الآن , فلا تفسد كل شي بالكلام .
مكثنا متعانقين بصمت لبضع دقائق مستمتعين بسحر اللحظة لا غير , و أخيرا ً ابتعدت عني و أمسكت يدي برقة و هي تطلب أن نمشي في الشوارع دون غاية تذكر , مشينا في الأزقة القديمة و الحارات الضيقة متلاصقين دون أن تفسد الحروف روعة أحاسيسنا التي انطلقت أخيرا ً من قمقمها الجلدي الضيق , يدها الضغيرة تستكين بضعف في يدي الضخمة , و رأسها يرتكن على طرف صدري دون تكلف .
داهمنا التعب عندما بلغنا سور القلعة العالي , جلسنا أسفل شجرة ضخمة على الرصيف الحجري المرصوف بأناقة و جمال , لففتها بذراعي و مسدت خصل شعرها بين أصابعي و أنا أبتسم بحب فوق رأسها الجميل , لم أكن أمثل أو أختلق الفرص المناسبة لممارسة الجنس معها , كنت أشعر تجاهها بحب جارف غير مألوف كأني أعرفها طوال حياتي , و كنت مستعدا ً للتضحية بنفسي إن اقتضى الأمر في سبيل رؤية شفتيها تنفرجان عن ابتسامة واحدة .
– أتعرف .. أريد أن أحبك , أقصد أريد أن أجرب الحب معك يا رجلي الحقيقي , خذني معك , دعنا نذهب من هنا
– لكن …
– لا تقل لكن , لقد اكتفيت منها طوال حياتي , ثم إن شوارع المدينة القديمة غير لائقة للحب الجسدي رغم أنها تفيض بالشاعرية .
نظرت نحوها مستغربا ً , لكنها لم تمهلني وقتا ً , رفعت وجهها نحوي ببطء عفوي و لمست شفتاها الرقيقتان شفتي بشيء من تردد القبلة الأولى , تجاوبت شفتاي وحدهما دون أي إرادة مسبقة , شعرت بطعم شفتيها يعتصر شفتي بألم لذيذ , بادلتها القبلة هذه المرة , قبلتها حتى انقطعت أنفاسنا و اندمجت أفكارنا في أتون منصهر العواطف , لا شيء سوانا في الليل العارم , أنا و هي و قبلة وسط الشوارع العتيقة .
أبعدت رأسي عنها قليلا ً و انا أحدق في عينيها دون أن أعي شيئا ً مما يدور حولي , كنت ممتنا ً و عاشقا ً و ضائعا ً أمام تلك الأنثى الفريدة , لم أكن أعرف أن القبلة لذيذة إلى تلك الدرجة , و لم أعرف أن الحب يخلق كل تلك الأحاسيس في القلب , كانت تبادلني نظرات مماثلة و صدرها يعلو و ينخفض باضطراب يشي ببواطن أفكارها , حلقت طائرة ما فوقنا و اقتلعنا صوتها المريع من حميمية اللحظة رغما ً عنا , و تذكرت الموت المتربص بنا في كل زاوية من زوايا الظلام الدامس الذي يلف مصيرنا , كان علي أن أحميها , لن أسامح نفسي إن أصابها خدش واحد , و لن أستطيع الحياة إن حل بها مكروه , نظرت إليها مرة أخيرة و اعتراني يقين حقيقي أن حياتي لن تعود أبدا ً كما كانت من قبل .
منذ اللحظة ستبدأ المغامرة التي انتظرتها طوال حياتي , سأتحول الآن إلى البطل الأسطوري كي أحمي حبيبتي التي تستكين بظلال رجولتي بثقة و حب , سأقاتل و أحارب و أنتصر و أعود بها إلى المنزل الدافئ الذي ينتظرنا , لا أبالي بحجم المخاطر و نوعية الأعداء , رجال أو فرسان أو قطاع طرق , حتى لو كانوا وحوشا ً أسطورية أو تنانين أو طواحين هواء أو جيشا ً من العمالقة البرابرة , لا أبالي بشيء لأن قلبي الصغير لم يعد خائفا ً من شيء , لقد أمدني الحب بكل ما كان ينقصني من قبل , و لا أبالي إن كان مجرد حب شهواني هارب وسط الليل من المجهول , و لا أبالي إن كان حبا ً أبديا ً سيطاردني حتى آخر أيام حياتي كشبح المقبرة , و لا أبالي إن كان حبا ً من نوع لم أسمع به من قبل و لم يعرف له الشعراء مثيلا ً , لا أبالي سوى بجنون اللحظة الذي يجتاحني مع إحساسي بالجسد الملتصق بي بثقة و حب في جوف ليل دمشق القديمة الذي لا يرحم أحدا ً بعد اليوم .
تأملت ذراعي الهزيلتين , و تحسست معدتي المترهلة دون سمنة واضحة , كان ذلك مخيبا ً قليلا ً مقارنة بأجساد الأبطال الصلبة و عضلاتهم المفتولة , لكنه ليس كافيا ً لبث اليأس في داخلي , صدري كان يرتفع بإصرار رجولي و بعزيمة لا تلين و قلبي ينتفض من ركام مخاوفه البعيدة نافثا ً دما ً نقيا ً صافيا ً في جسدي كإكسير سحري , أخذت نفسا ً عميقا ً و أمسكت معصمها بيدي و انطلقنا بسرعة في الشوارع نحو منزلي البعيد , الجحيم يفتح أبوابه من حولنا و أزيز الرصاص يملأ سماء المدينة دون توقف , و قصف عنيف تلوح أضواؤه المخاتلة في البعيد , الأرض تهتز من حين لآخر تحت أقدامنا المسرعة , و الحب يلوح لنا طيفا ً أبيض جميلا ً كجنة موعودة في منزلي الدافئ الذي لم أعد أعرف له طريقا ً .
احتمينا بظلال الجدران الحزينة من كل مجهول يقترب , وقفنا متلاصقين عند كل حركة بشرية سمعناها تدنو نحونا , الخوف من الموت قبل تحقيق ما عزمنا عليه يوحدنا بقوة لم أعهدها من قبل , لن أموت قبل أن أكتشف خفايا جسدها , و لن تموت قبل أن تعرف طعم الحب مع رجل حقيقي , لن نموت لأننا لا نريد أن نموت , و لن نموت لأن الموت قرار خاص بنا نتخذه في لحظة يأس من الحياة لا أكثر , لن نموت لأن الآلهة نفسها لن تتحمل وزر جريمة قتل حب لم يولد بعد كما ينبغي , و لن نموت لأن الحب يعطينا الحياة .
طال الوقت علينا و لم نصل بعد , أعتقد أن منتصف الليل مر علينا دون أن ننتبه , لم أكن أدري أين كنت أمشي معظم الوقت , الشوارع تصبح متشابهة إلى حد كبير و هي خالية من جموعها البشرية المعتادة , و جميعها تهتز بنفس الدرجة من الفزع مع أصوات الانفجارات العنيفة , و كلها تطلق ذات الصرخات المذعورة مع كل رشقة رصاص في الجو , و رائحة التشبث بالحياة تفوح منها دون استثناء بلا أمل .
وجدت نفسي أخيرا ً أمام مكان مألوف , إنه الشارع الأخير الذي يفصلنا عن عش الغرام الذي ينتظر حرارة أجسادنا , منزلي الصغير يقع في آخر الظلام الذي يكتنف الشارع الصغير , ابتسمت رغم التعب الذي حل بساقي و رغم طعم الغبار في فمي و العرق المتصبب من كافة أنحاء بدني , إنه إحساس الابن الضال عند العودة إلى المنزل , لكم يبدو المنزل جميلا ً و بعيدا ً أكثر من أي وقت مضى رغم أنه على بعد خطوات فقط .
انتظرت حتى تأكدت من خلو الشارع تماما ً من أي صوت , و بدا أن وتيرة المعركة تهدأ في تلك اللحظة مع تلاشي الأصوات و انعدام الحركة في المدينة برمتها , تقدمنا بسرعة و تلقائية في الشارع أخيرا ً دون أن نلتفت لشيء حولنا , كل شيء ساكن كأن الجميع مجرد نيام في ليلة عادية , خفق قلبي براحة في جوف صدري , بقيت أمتار قليلة و نبلغ المنزل , لكن قدمي تجمدتا في مكانهما دون حركة مع معدن بارد يلامس رقبتي من الخلف , ابتلعت لعابي بصعوبة قصوى , لا بد أني خدعت بسذاجة شديدة , لم يساورني الشك أمام براءة عينيها على الإطلاق , و لم يخطر ببالي أبدا ً أن تكون مسلحة تنتظر اللحظة المثالية للانقضاض علي و الغدر بي , إنها تريد إشعال فتنة ما في الحي الهادئ , أو ربما تسعى لاحتلال المكان من الداخل بدل اقتحامه بالقوة من الخارج , تبا ً لي كم أنا أحمق , سأعرض الجميع للخطر بسبب نزواتي العاطفية الحمقاء .
استدرت ببطء لأجد ظنوني تتبدد أمام ظل رجل عملاق متشح بالسواد يوجه مسدسين إلى رقبتي و رقبتها , لمحت الخوف يلمع في عينيها الجميلتين و ندمت لاندفاعي مع ظنوني المتسرعة الحمقاء , كنا وجها ً لوجه أمام الموت البارد في شكل رجل مهيب ضخم الجثة , تلاشت شجاعتي أمام الظل العملاق المرعب , لا يمكنني مقارعته حتى لو كنت سوبرمان نفسه , أردت أن أقول شيئا ً لكنني لم أعرف ماذا أقول في الظلام أمام عدو مجهول الهوية , شددت جسدها إلي بغريزة دون أدنى تفكير , و شعرت بها تحتمي بي دون تردد كأنها تدري حتما ً كم أريد حمايتها .
في اللحظة التالية انهمر علينا ضوء كشاف ساطع بهر أعيننا و منعنا من الرؤية بشكل كامل , و قبل أن أشعر بشي سمعت صوتا ً خشنا ً يصرخ في وجهي :
– أهذا أنت … أنا أعتذر , ظننتك غريبا ً !
فتحت عيني من جديد كان الضوء الشديد ينحسر عن وجهينا و يترك مساحة معقولة للرؤية , كانت جارتاي الثرثارتان تمسكان كشافين كبيرين من شرفتهما و تبتسمان بخبث على مشهدي أدخل الحي خلسة بصحبة فتاة جميلة , كان الحب تهمة شنيعة على ما أظن , لكنه لم يكن أمرا ً شديد الأهمية في تلك اللحظات , و قبل أن أسترسل في أفكاري عاد الرجل الضخم الذي لم أعرف هويته بعد لإلقاء مزيد من الكلمات الخشنة :
– انصرفا بسرعة من أمامي الآن , و لا تقوما بالحماقات , متأكد أنها لا تحمل سلاحا ً ؟
هززت رأسي نفيا ً لشكوكه و انصرفنا بسرعة , توقفت للحظة و سألته دون أن أستدير من يكون و من أي يعرفني فأتاني صوته الخشن مجددا ً :
– أنا أعرف كل ما يدور في حيي .
اكتفيت بهذا القدر من الأعصاب المشدودة في ليلة واحدة , أمسكت فتاتي من يدها و دخلت بسرعة , صعدنا السلالم بسرعة دون أن نتعثر بالظلام و وجدت طريقي إلى باب منزلي دون عناء , أخيرا ً وصلنا و لا أهمية لكل ما يجري من حولي , لتلتهم الجحيم الدنيا بأسرها إن أردات ذلك فلا أبالي , لقد أوصلتها بسلام كما وعدتها خلال الطريق و هذا هو المهم , أنرت ضوءا ً خفيفا ً لدى دخولي و أغلقت الباب بهدوء .
ما إن استدرت حتى التصقت بي و هي تضغط شفتيها على شفتي بشوق سنين من الحرمان , قبلتها كما لم أتخيل نفسي أقبل من قَبْل , جميع تخيلاتي عن الحب تتبدد أمام حضورها الاستثنائي كآلهة تفوح منها رائحة الجنة الأسطورية , أمسكتها من كتفيها و أدرتها نحو الباب و أنا أتحسس انحناءات جسدها الفاتنة , قطع الملابس بدأت تتناثر حولنا تدريجيا ً و وجدنا نفسنا بعد لحظات نتخبط على السرير عاريين يغطينا الحب بغلالة رقيقة من المشاعر الملتهبة وسط الهدوء الذي هبط على المدينة بغتة .
انتهى كل شيء أخيرا ً مع تأوهات مجنونة , احتضنتها و أنا ألهث منتشيا ً و عيونها تبرق بمزيج من اللذة و السعادة , مكثنا في أحضان بعضنا و أنفاسنا المضطربة تهدأ تدريجيا ً , لم يكن الحب مماثلا ً لكل ما ظنناه من قبل , كان شيئا ً أسمى من كل ما سمعنا عنه و قرأناه و شاهدناه , و لم أفهم سر حرماننا منه طوال السنوات الماضية , لم أشعر أني أنتهك قدسيات السماء أو أستبيح أسرار الحياة المحرمة عندما كنت أمزج جسدي بجسدها , لم أكن أرغب في هجرها و كسر قلبها أو استغلال جسدها لغايات رخيصة , كنت أرغب في حمايتها من كل أذى ً و كنت أريد أن أحبها و أحبها حتى آخر لحظة في عمري .
قبل أن ننطق حرفا ً واحدا ً عاد الجحيم ليطلق حممه المسعورة بعنف غير مسبوق , أصوات الانفجارات المدوية تهز زجاج النوافذ و أزيز الرصاص ينشر الرعب في قلبي , نظرت نحوها بقلق , لكن عينيها كانتا تشيان برغبات مجنونة , رأيتها و هي تشع بهالة الشهوة الحمراء وسط الموت الذي يقترب منا بسرعة خيالية .
– دعينا نغادر إلى الملجأ القريب , لا أريدك أن تصابي بأذى !!!
– لا أريد
صدمت من جوابها , و قبل أن أقول شيئا ً كانت تجلس فوقي و هي تعبث بشعرها قبل أن تستند بيديها على صدري و تقرب وجهها من وجهي و تهمس لي بهدوء :
– لطالما أردت أن أمارس الحب مع رجل حقيقي وسط الحرب , مع القذائف و الموت المنتشر , أريد أن أكون امرأة أسطورية في رواية , أريد أن أحيا دون قيود , لا أسمح للموت أن يقيدني كما قيدتني الحياة الطبيعية من قبل .
قبلتني من فمي حتى شعرت بأنفاسي تنقطع في أعماق صدري , و عادت النار الحانية تلتهم جسدي مع اهتزازت جسدها فوقي , و عادت الانفجارات تقترب و تهز المنزل الصغير بكل ما فيه من مشاعر و ماديات , و مع كل ضربة عنيفة تباعتنا يهتز جسدانا أكثر و أكثر بمزيج من اللذة مع الأدرينالين , كان ذلك أروع من المرة الأولى بمرات كثيرة لأن جسدينا لم يعودا غريبين تماما ً , نسيت كل شيء من حولي و انصب تركيزي على الجسدين العاريين المتناغمين مع ألحان الموت التي تعزف من حولنا و تعزلنا عن الحياة كما عهدناها طوال أيامنا السابقة .
أصابت إحدى القذائف الطائشة المنزل المجاور لنا , تهشم زجاج النوافذ فوقنا و اندلعت النيران في الحي محولة الليل إلى انبلاج باهر , طار جسدانا من السرير من شدة الانفجار , لكننا بقينا متعانقين على الأرض دون أن ننفصل , كان الحب أقوى من الموت و الحياة و الخوف معا ً , شاهدت جسدها يتلوى و يتخبط متوهجا ً تحت جسدي كعجينة لينة , تأوهاتنا تمتزج معا ً و تصرخ مبعدة ً شبح الموت المرعب عن المكان , و ألم اللذة يعتصر جسدينا بنشوة قصوى للمرة الأخيرة .
القذيفة التالية أصابت المنزل مباشرة , شعرت بنار حارقة تجتاح جسدينا و ترمينا بعنف نحو الجدار البعيد , أحسست بعظامي تنسحق بعنف لكنني لم أستطع التحرك أو الصراخ و لم أعد أحس بالألم أيضا ً , عاد الهدوء ليغمر العالم فجأة كأن كل شيء ينتهي كما بدأ من تلقاء نفسه , شعرت بدم حار يسيل على وجهي من جرح خفي المصدر في رأسي , قاومت الدوار و شعرت بجفوني تنسدل رغما ً عني , إنها لحظة مؤلمة من إدراك الحقيقة , أجل , لقد حانت نهايتي المنتظرة و أيقنت أنني سأموت لا محالة .
لم أدر أين كانت أو ماذا حل بها , حاولت تحريك جسدي كي أرى وجهها قبل أم أموت , أردت أن تكون عيناها آخر ذكرى أحتفظ بها في مواجهة ظلمات العالم الآخر و أشباحه الرمادية , نجحت بعد جهد كبير في قلب جسدي و الاستلقاء على ظهري , كانت هناك ميتة على الأغلب , عيناها الجميلتان تنظران نحوي بجمود مخيف و ألق اللذة ما زال موجودا ً في زاوية محجريها كمسحة من السلام الإلهي , لقد جعلتها سعيدة في آخر لحظاتها و لا أبالي بم سيحل بي , لم أستطع تلو صلاة قصيرة لروحها لأن الألم عاد فجأة ليلتهم جسدي و يأكل ما تبقى من أعضائي العزيزة , أغمضت عيني و أنا أبتسم مرحبا ً بالموت الذي يشدني من يدي نحو وجهه الأصفر الذي تلمع فيه عينان خضراوتان شنيعتا النظرة .
أنا الأن ميت طازج , لا يوجد لدي شيء أندم عليه في حياتي التي تمتد ورائي كشريط من الصور الباهتة , عشت كما أريد و علي الآن الرحيل نحو النور الذي يدعوني دون صوت , لا أدري إن كنت سألقاها في العالم الآخر لمزيد من ليالي الحب العارمة , و لا أدري إن كنت سألقى حياة أخرى تنتظرني وراء النور المخاتل , و لا أدري إن كنت سألقى الفناء الأبدي و أصبح نسيا ً منسيا ً و هو ما أرجوه بصراحة .
يا للأسف ..! لن أتمكن من كتابة مغامرتي الخاسرة ضد الموت أو قصة حبي الخالد لكم , و لن يذكر أحد على الأرض وجودي الضبابي لأنني لم أترك ورائي أثرا ً يدل عليّ , لكن من يبالي ..؟ فما أنا إلا رقم من الأرقام العابرة على دمشق , وحدها دعتني دون شروط مسبقة للإلهام و الحب و الموت , و وحدها تحتضن روحي الآن في أحد حجارتها العتيقة القاسية , كي أستطيع سماع أم كلثوم في ليالي الصيف كما كنت أشتهي في حياتي , و كي أبعث الدفء في الأيدي التي تتلمس صخورها الأبدية خلسة بحثا ً عن مجد الأيام الغابرة .
و الآن اعذروني فعليّ الرحيل دون تأخير , كما تعلمون , الحجارة و الموت لا ينتظران أحدا ً , حتى لو كان أنا .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to دمشق الحب و الموت

  1. Mohammad Adnan Dawood كتب:

    كان الحب أقوى من الموت و الحياة و الخوف معا ً
    very nice theme

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s