127 hours … صراع الإنسان الوحيد للبقاء ضد قوى الطبيعة التي لا ترحم

127 hours ... صراع الإنسان للبقاء ضد قوى الطبيعة التي لا ترحم

127 hours … صراع الإنسان للبقاء ضد قوى الطبيعة التي لا ترحم

بعد النجاح الساحق لفيلمه الأشهر Slumdog Millionaire عام 2008 و تربعه على عرش الإيرادات العالمية و جوائز الأوسكار معا ً , عاد المخرج Danny Boyle مرة أخرى أواخر العام 2010 مع قصة سينمائية مذهلة في فيلم 127 hours المقتبس من أحداث حقيقية , مؤكدا ً براعته في صناعة الأفلام الآسرة , مع منحى ً مختلف مزج فيه صراع الإنسان من أجل البقاء بالقدرة على الإلهام و الروح الإيجابية .
تدور قصة الفيلم حول Aron Ralston الذي خرج من منزله بتاريخ 25 نيسان 2003 في رحلة انفرادية على دراجته وسط منتزه Canyonlands National Park الصخري الصحراوي في ولاية Utah الأميركية , قبل أن يقوده قدره إلى انزلاق عنيف عند أحد المنحدرات نحو جوف الأرض , و تعلق ذراعه اليمنى بصخرة كبيرة تمنعه من الحركة تماما ً ليواجه مصيره منتظرا ً الموت في عزلة كاملة عن أي مساعدة بشرية .
يقضي Aron في تجربته المريرة 127 ساعة بالتمام و الكمال , يذوق خلالها أنواعا ً كثيرة من المصاعب , البرد و الجوع و العطش , حتى يضطره نفاذ الماء إلى شرب بوله للحفاظ على حياته بطريقة أو بأخرى , و يحاول زحزحة الصخرة مرارا ً و تكرارا ً دون أمل , و يبدأ بتسجيل مذكراته الأخيرة على كاميرا الفيديو الخاصة به مستعيدا ً شريط حياته , ليصل إلى نتيجة مفادها أن القدر رسم له كل شيء للوصول إلى الصخرة اللعينة في هذا اليوم بالتحديد , و في لحظة اليأس الأخيرة يتخيل صورة ابنه الذي يتمنى الحصول عليه يوما ً ما , و تتولد في ذاته إرادة جبارة , فيكسر عظام يده و ينجح في بتر ذراعه العالقة رغم الألم الفظيع , ليعود من جديد إلى الحياة و هو على مشارف موت محتم .
على هذا الأساس يمكن وصف الفيلم بأنه فيلم أكشن لرجل لا يستطيع الحركة في مواجهة قوى الطبيعة التي لا تقهر , و في مواجهة الموت المتربص به في كل لحظة , صراع الأمل ضد اليأس الجارف , و حديث طويل عن قوة الإيمان و الإرادة البشرية , لينجح الفيلم بشكل مذهل في إعطاء نفحات من الإلهام و الطاقة الإيجابية رغم القسوة الظاهرية التي تشوب تفاصيله الدقيقة .
و في هذا السياق يطرح الفيلم بيئة سينمائية مبهرة على الصعيد البصري و السمعي معا ً , فالمشاهد مذهلة بدءا ً من التفاصيل اليومية لحياة Aron إلى الطبيعة الصخرية الجميلة المحيطة به , و الثراء الكبير الذي يحتويه لوكيشن التصوير الأساسي للفيلم و هو النفق الصخري الضيق الذي يحتجز Aron معظم فترات الفيلم , فلا نرى مجرد صخور و رجل , بل نرى عالما ً من التغيرات الضوئية حسب فترات النهار , و نعيش مع حشرات كثيرة و زواحف الصحراء التي تمر من فترة لأخرى , و نشاهد تقلبات السماء عبر عيون Aron و كأننا نندمج به و لا نراقبه من بعيد .
بالتزامن مع ذلك , يقدم الفيلم إضافة هائلة بتصويره أدق التفاصيل التي يمكن تخيلها , كتدفق المياه في عبوة Aron أو اختراق السكين الصغيرة لخلايا ذراعه و تصوير ذلك من الداخل , و حتى اللقطات السينمائية السريعة و تقسيم الشاشة إلى أقسام متعددة في بعض الأحيان , كل ذلك رسخ مكانة الفيلم بصريا ً و جعله يحظى بهوية خاصة به , تتواءم مع سرعة الفيلم و درجة توتر الأحداث , و كان رائعا ً عدم اللجوء للقطات الطويلة و البطيئة لعدم تناسبها مع محتوى القصة .
من جهة أخرى يقدم الفيلم مستوى خياليا ً على صعيد الأصوات المرافقة و التحرير الصوتي , فنسمع أدق اللمسات و أكثرها خفوتا ً , لمسات يد Aron على الصخور أثناء تسلقه , صوت الماء القليل في العبوة البلاستيكية , نبضات قلبه التي تتزايد و ترتفع تدريجيا ً , و طنين الذباب حول الدماء التي تخرج من جراح ذراعه , ليسهم كل ذلك في رفع سوية الفيلم و نجاحه في جذب المشاهد و إدماجه بالأحداث كانه جزء من التجربة و ليس متتبعا ً سلبيا ً لها فقط .
أما الموسيقا المرافقة فتمنوعة تبعا ً للحالة النفسية التي يعيشها Aron , سريعة قوية و نابضة بالحياة في البداية , و تميل للحزن و اليأس تدريجيا ً , لكنها تحافظ على مستوى معين من القوة كأنها تمثل القوة الداخلية المختزنة في الجسد البشري المحاصر , لتتفجر فجأة مع الألم الذي يعتصر Aron و يقوده نحو الهلاك , و تأتي لحظات الصمت فجأة لترفع مستوى التوتر و الترقب للأتي المجهول , و كانت إضافة النجمة العالمية Dido كبيرة هنا , حيث سجلت أغنية الفيلم الخاصة بصوتها النادر , و ساهمت بذلك في نيلها ترشيحا ً مهما ً لجائزة الأوسكار .
على صعيد آخر , يقدم النجم James Franco أداء خارقا ً في تجسيده لشخصية Aron , إلمام بأدق التفاصيل , و قدرة كبيرة على طرح التوازن بين الجوانب النفسية و الجسدية للشخصية , فنراه يتألم و يضحك و يتألم يغرق في اليأس , و لا يمكن نسيان المشهد العظيم عندما يتجه الفيلم برمته نحو الكوميديا السوداء , و تبدأ الهلوسات بعزو دماغ Aron متخيلا ً نفسه ضيفا ً في أحد البرامج الصباحية الشهيرة على التلفزيون القومي الأميركي , و يصبح متعدد الشخصيات بين نفسه و بين المذيع و الضيوف , قبل أن يستيقظ من أحلام يقظته على صوت الرعد الذي يهز حجارة المكان بصخب مرعب .
لا يبدو Aron معزولا ً و ضعيفا ً أمام قوة الطبيعة المتمثلة بصخرة قاسية , بل يبدو شديد العجز و هو بمفرده دون عائلته و أصدقائه , فنراه يتذكر شريط حياته و كيف اختار العزلة دائما ً بعيدا ً عن الجميع مفضلا ً العلاقات العابرة و العبثية نوعا ً ما , ليكتشف في النهاية حاجته لأي وجود إنساني مهما كان غريبا ً , و تبدو أحلام يقظته و تخيلاته المتعددة رائعة جدا ً و تقدم دروسا ً قيمة في فن بناء الشخصيات السينمائية من الداخل و تقديمها بصورة متقنة لعين المشاهد عبر الشاشة الكبيرة .
يمكنني دون تردد إعطاء الفيلم خمس نجوم من خمس نجوم على صعيد التقييم النهائي , فهو لا يتعدى حدود الواقع نحو الخيال , بل يتعداها نحو مزيد من الإحساس بالواقع , ففي إحدى اللقطات المذهلة , ينفخ Aron على الغبار الذي يعلو الصخور و تمتزج اللقطة بالرياح القاسية التي تعصف بالمكان مع قدوم الليل و هبوط الظلام مع مرور الزمن , و نظن للحظة أن Aron يواجه خطرا ً ماحقا ً أكثر مما هو فيه كأن يقابل الشيطان وجها ً لوجه على سبيل المثال , لكن ذلك لا يحصل و نرى أن منتصف الليلة الأولى حل عليه مع بداية معاناته الإعياء و البرد الشديد , هذا كله يرفع مستوى تقمصنا للقصة و عيشنا الفعلي للأحداث في تلافيف عقلنا على الأقل .
127 HOURS ليس واحدا ً من أفضل الإنتاجات السينمائية المعاصرة و حسب , بل يمكنني إدراجه منذ الآن في قائمة مستقبلية لأفضل الأفلام العقد الثاني من القرن الجديد , حياة إنسان على المحك و صراع عنيف من أجل البقاء , و قيمة عالية للعائلة و العلاقات الإنسانية الحميمة , و برهان دامغ على قوة الإرادة الداخلية التي نفتقدها في أغلب حالاتنا رغم أننا لا نعاني شيئا ً أمام معاناة Aron .
جدير بالذكر أن مستوى العنف العالي في الفيلم يبدو مبررا ً بشدة نظرا ً لظروف القصة و تطورها السريع , و مع ذلك لا أنصح بمشاهدته لأصحاب القلوب الضعيفة خاصة في اللقطات النهائية , حيث يرتفع مستوى العنف الجسدي إلى مستويات تذكر بفيلم آلام المسيح و ما سببه من عوارض مؤسفة للمشاهدين .
أخيرا ً أود التنويه أن الفيلم نال ست ترشيحات ثمينة للأوسكار بينها فئات أفضل ممثل في دور رئيسي و أفضل فيلم و أفضل نص مقتبس , و حقق نجاحا ً باهرا ً أينما حل رغم إطلاقه المحدود في صالات السينما العالمية , ليصبح الخيار المفضل للنقاد في القوائم السينمائية المتخصصة عام 2010 .

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to 127 hours … صراع الإنسان الوحيد للبقاء ضد قوى الطبيعة التي لا ترحم

  1. قبل شوي خلصت الفيلم …. فيلم جميل جدا يخليك تتذكر كل الاشياء الصعبه اللي مريت فيها وتقارنها بمأساتو ماتجي جمبها شي فيلم يعلمك الصبر والامل لما شفت وانا في بداية الفيلم في الدقيقه 16 الصخرة طاحت على ايدو قلت ايش هذا لسا نحن في البداية تقريبا بقيلي ساعة وربع اتوقعت اني بطفش بس ماكان فيه ابدا ولا اي لحظة ممله ….. ومن ناحية الاخراج كان جدا عالي وتمثيلووو جدا متقن تعابير وجهو لحالها تستحق الاوسكار
    على العموم مشكور لمراجعتك الرائعة اختياراتك بالافلام دائما رائعه

    إعجاب