لعبة المزج بين الثنائيات المتناقضة في Hemingway & Gellhorn

لعبة المزج بين الثنائيات المتناقضة في Hemingway & Gellhorn

لعبة المزج بين الثنائيات المتناقضة في Hemingway & Gellhorn

كثير منا يعرف أديب أميركا الأول والأشهر في القرن العشرين إرنست همينغواي (1899 – 1961) لكن قليلاً منا فقط يعرف زوجته الصحفية مارثا غيلهورن (1908 – 1998) التي اشتهرت بتغطياتها الجريئة لأبرز الحروب التي عصفت بالعالم في القرن العشرين, وعنها بالتحديد تدور أحداث فيلم Hemingway & Gellhorn لمخرجه Philip Kaufman وبطولة النجمين Nicole Kidman و Clive Owen.
فبعد لقاءات متفرقة في الولايات المتحدة ينشأ عنها اهتمام متبادل, يلتقي الثنائي Hemingway و Gellhorn من جديد لفترة طويلة أثناء تغطيتهما أحداص الحرب الأهلية الإسبانية, و تبدي Gellhorn شجاعة استثنائية وروحاً نادرة متوقدة وشديدة الحماس في عدد متتالٍ من المواقف الحاسمة, وتبدأ نجوميتها بالبزوغ شيئاً فشيئاً, لكنها تبقى دائماً منسحقة في أنوار Hemingway الساطعة, باعتباره نجماً ذا مكانة مرموقة جداً في الأوساط الصحفية والأدبية وحتى الشعبية, ويبدأ هو نفسه بملاحظتها بطريقة مختلفة عن كونها جسداً مثيراً وحسب, ويجد في حريتها وبوهيميتها وروحها الخارجة عن أسوار جسدها, الخلاص أو الأمل بالخلاص من زواجه الفاشل, ويجدها قبل كل شيء – وبصورة أنانية بحتة – مصدر إلهامه الجديد.
يقع الثنائي في الحب ثم يتزوجان, وتبدو حياتهما للحظة مثالية جداً قبل أن تفرق بينهما الطموحات الشخصية, وفيما تبدأ نجومية Gellhorn بالتبلور أكثر فأكثر, تتخذ حياة Hemingway انحدارات عنيفة من القمة إلى القاع, وخاصة بعد هجره لها بل وسرقته فرصتها لتغطية أحداث الحرب العالمية الثانية من المجلة التي تعمل بها, قبل أن تزداد الأحداث حدة وتنتهي بانتحار Hemingway المأساوي الشهير, واستمرار Gellhorn في حياتها بعدما طوت منها صفحة رجل عظيم أحبته وأحبها, وألهمته روايته العظيمة “لمن تقرع الأجراس“, ولم تنسه في النهاية رغم كبريائها المجروحة في الصميم.
على صعيد آخر, يقدم الفيلم بيئة نفسية عميقة جداً, وخاصة على مستوى الحب والغيرة والطموح الشخصي لدي كل من Hemingway و Gellhorn, وتبدو شخصية Hemingway تحديداً شديدة التعقيد بتلك النزعة الذكورية التي يمتلكها, والتي تجعل منه عصبياً أحياناً, فهو يحتاج دائماً لإثبات رجولته أو فرض رجولته على محيطه وعلى امرأته أيضاً, وحتى رهاب المسرح الذي يعاني منه يحله بالجنس ولا شيء غيره.
أما Gellhorn فهي أكثر اتزاناً وتلقائية, تعرف تماماً ماذا تريد وكيف تصل إليه, تملك آراءها الخاصة في الحياة وتدافع عنها بشراسة, لكن صدمة الحرب الإسبانية وانتصار الجنرال فرانكو على الثورة الشعبية حطمها وغيرها إلى الأبد, وأصبحت أكثر يأساً وأكثر تصميماً على الكفاح من أجل الحرية وكرامة الناس ونقل صورة معاناتهم للعالم, وكانت من أوائل المشددين على تغطية حياة الناس والكتابة عن تفاصيل حياتهم اليومية.
في ضوء ذلك, يقدم النجمان Nicole Kidman و Clive Owen دورين استثنائيين في تجسيدهما المتقن للشخصيتين, ونجد التناغم بينهما هائلاً في كافة المشاهد, وكان الانجذاب بشمل الأجواء كاملة بينهما في البداية, ثم أصبح التفاهم والود والصداقة, قبل أن ينقلب كل شي إلى عداء أو نفور من شدة المنافسة, وحتى في أسوأ لحظاتهما بقي الحب القديم يلوح في عيونهما كذكرى قديمة باهتة, وهو ما نجح النجمان في تقمصه ببراعة ملفتة للنظر, ويستحقان على ذلك الثناء ورفع القبعة عالياً تقديراً للمستوى العالي في إزالة الحدود بينهما وبين الشخصيات المرسومة لهما على الورق.
وبشكل ما استطاعت Kidman أن تبرز بشكل طغى قليلاً على أداء Owen, وربما يعود ذلك إلى مساحة دورها الأكبر أو إلى الفترات الزمنية التي مرت بها من عنفوان الشباب إلى الكهولة, حيث يصورها الفيلم في نهاية الأحداث وهي تروي قصت حياتها لبرنامج تلفزيوني, ولفتت نظري بضعة أمور في أدائها, على رأسها الطريقة التي كانت Kidman تمشي بها, وصوتها الذي شهد تغيرات شديدة طوال تقلبات السنين عليها, دون أن أنسى اللكنة التي تحدثت بها, إضافة للأداء الكبير على مستوى ردود الفعل حول ما يدور من حولها من أحداث عنيفة أو مؤثرة خلال تغطيتها الحروب من مكان الحدث, ما رشحها بقوة لنيل مجموعة من الجوائز الهامة أبرزها الـ EMMY AWARD 2012 عن فئة أفضل ممثلة دور درامي أول, باعتبار الفيلم منتجاً من قبل شبكة تلفزيونية وليس مخصصاً للعرض في صالات السينما, لكنها خسرتها أمام قوة أداء النجمة Julianne Moore في أدائها لشخصية Sarah Palin في فيلم Game Change.
وعلى صعيد الجوانب الفنية للفيلم, يقدم لنا المخرج Philip Kaufman توليفة بصرية مثالية, تمازج بين الوثائقي والدرامي بشكل مبهر ومثير للإعجاب, وكانت مذهلةً حقاً كل تلك النقلات المتدرجة في الإضاءة والألوان من الأبيض والأسود أو النمط العتيق إلى الألوان الكاملة, وكأننا نحمل في أيدينا صورة عتيقة بكاميرا يدوية ونغرق في ذكرياتنا حول الشحصيات, كما أضفت موسيقا الفيلم ومؤثراته الصوتية أبعاداً هائلة على الجو بشكل عام, وأسهمت في رفع مستوى الفيلم واندماج المشاهد معه لحد التقمص الكامل, وكانت فلسفة الفيلم القائمة على المزج بين المتناقضات في آن واحد جميلة جداً وموفقة نظراً لتلك الازدواجية التي تسيطر على العلاقة بين Hemingway و Gellhorn أولاً وأخيراً.
تجدر الإشارة في النهاية إلى القيمة العالية التي يقدمها الفيلم بتناوله أحداثاً حقيقية غيرت مسار تطور الحضارة البشرية, عبر أشخاص مرموقين بل وخالدين في الذاكرة العالمية, دون أن يؤثر ذلك على المتعة التي يرجوها المشاهد من السينما بشكل عام.
Hemingway & Gellhorn من إنتاج شبكة استوديوهات HBO, فيلم مثير للاهتمام حقاً, من أجمل ما شاهدت في 2012 إن لم يكن الأجمل حقاً, ولا يمكن وصفه بأقل من تحفة فنية خالصة, مع إتقان رفيع المستوى في كافة الجوانب الفنية, وأصالة نابعة من الصدق والرقي في التعامل مع جمهور الفن السابع في كل مكان.

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s