الشتات

الشتات

الشتات

الشتات … إنها كلمة كبيرة فعلاً, لم أتخيل نفسي مطلقاً في يوم من الأيام جزءاً منها, ولم أتخيل مطلقاً أنني سأضيع بين حرفين متقلقلين كالشين والتاء متعلقاً بأصابعي الضعيفة المرتعشة فوق حافة ألف تريد إلقائي نحو مجهول أكبر, ولم أتخيل نفسي كما أنا الآن, جزءاً من قصص خيالية لطالما حلمت بكتابتها على طريقة جورج أورويل في متشرداً بين باريس ولندن.
أركب الحافلة الصغيرة كل يوم إلى جامعتي, خط سير طويل يفصلني عن كل شيء, لا شيء سوى المسافة التي تتناقص ببطء أمام عيني, وكثير من الأفكار التي تشعل في داخلي حنيناً غامضاً لطالما اعتبرته مجرد هراء وعبث طفولي أحمق, لكنه لم يكن كذلك, على الأقل هذا ما اكتشفته بنفسي مؤخراً.
في الليل, عند العودة إلى منزلي, تصبح الأمور أكثر سوداوية, ربما لأنني لا أستطيع تمييز الوجوه والأماكن بوضوح في الظلام الخافت الذي يكتنف المدينة بأسرها كشبح ثقيل الظل, تتلاعب بي الأفكار أكثر, اليوم مثلاً لاحظت أننا على مشارف كانون الأول, غريب جداً كيف مر الوقت, الضباب يغطي أرجاء بلدتي دون ريب الآن, الجبال المقدسة تغرق في صمتها الأبدي كأنها لا تنتمي لهذا العالم, والغيوم الفضية تنشر السكينة في أرجاء السماء, أرتدي كنزة صوفية سميكة رغم الحرارة الملحوظة لعلني أسترجع بها قليلاً من ذكرياتٍ طالما أحببتها في برودة موطني, أشاهد السخرية تلمع في عيون الناس من حولي لكنني لا أبالي, أتابع طريقي بصمت يخفي الكثير, حقدٌ ما يبزغ في قلبي وينمو مع الزمن.
يوماً بعد يوم أشعر أني أنزلق نحو مستنقع أعمق, رائحة الرطوبة تفوح منه وظلاله الخضراء الداكنة اللزجة تريد الإمساك بي, لا أستطيع الهروب, إنه طريقي الوحيد للأسف, قبل سنوات عشت حالة مماثلة نوعاً ما, حينها كنت أغرق ببطء متشبثاً بنور أمل رفيع يخترق المياه بوجه بشوش كأمي التي لم اعد أذكر تفاصيل وجهها الآن, ارتطمت بالقاع أخيراُ وعاودت الصعود كما درست في الفيزياء يوماً, قفزت من المياه كأحد تلك الدلافين الوديعة التي أحلم بها, حلقت في الفضاء قليلاً بكل حرية, عبرت الحدود الشائكة التي تفصل بركتي عن المحيط, وهويت مجدداً دون أن أدري أني سأغرق وأغرق من جديد بشكل أعمق مما كنت عليه, خيبة أمل أخرى أليس كذلك؟ ربما, لكن من يبالي؟ لا يهم كثيراً, فنحن نسخ كربونية من بعضنا, المشكلة تبدأ فقط عندما نشعر بتلك الحقيقة تتراءى أمام أعيننا وتنبثق لنا من العدم.
ليس سهلاً على الإطلاق أن أكون وحدي في مواجهة العالم بأسره, لا أشعر أني جزء من شتات عالمي أو ما شابه, ففي الأساس لم أكن جزءاً من وطن ولم أنتم لمكان ما من قبل, لكن الأمور هنا تأخذ منحى آخر, فالجدران الباردة تنتظرني كل ليلة عند عودتي إلى المنزل, أحاول تأخير رجوعي بشتى السبل كي لا ألتقي بأشباح الماضي وبرودة الحاضر وظلام المستقبل, أعرف تماماً أن تجنب لقائهم أمر مستحيل, أغلق باب المنزل الصغير خلفي وأشعر بارتعاشة تعتري ظهري وأنا أدير وجهي لأراهم أمامي على الأريكة بانتظاري, ليسوا عائلتي بكل تأكيد, فأنا لا أعرف عن عائلتي شيئاً منذ مدة, ربما يجدر بي اعتبارهم عائلتي الجديدة من اليوم فصاعداً.
قريباً لن يبقى معي أي نقود, أدرك ذلك بعملية حسابية بسيطة, ستلقي بي يد جشعة في الشارع, لن أخبر صاحب تلك اليد بحقيقة حالي, سأكذب عليه وأرحل, لا أرغب بشفقة لا تفيد من عينيه الناعستين, في خيالي سأعتبره دائماً رجلاً لئيماً تسبب بتشردي تحت جسور المدينة القذرة, وفي قرارة نفسي سأعرف دوماً أن لا ذنب له في تحمل صيرورة حياتي التي لا بد منها, لا ألقي لوماً على القدر أو الشيطان, فأنا لا أؤمن بأي منهما, إنها فقط مسيرة حياة لا بد منها.
الآن أعيش لحظات من الترقب أو الاستعداد للأسوأ, في داخلي يتنازع إحساسان على سيادة عوالمي وشعوري, أشعر بنفسي فاتحاً ذراعي على مصراعيهما والريح تعصف بي من كل ناحية, فيما تشدني سكارليت أوهارا بطلة ذهب مع الريح من يدي اليسرى, ويشدني بطل كنوت هامسون المجهول في الجوع من يدي اليمنى, قليل من الوقت فقط ويتحدد مصير ما تبقى من حياتي بدقة.
أستطيع أن أقسم بكل آلهتكم اللامبالية التي لا أؤمن بوجودها كما أقسمت سكارليت يوماً أنها ستعيش رغم كل شيء, وأستطيع أن أقسم أنني لن أجوع يوماً, حتى لو اضطرني ذلك أن أزهق روحاً بشرية بريئة في سبيل بقائي, وأستطيع أن أقسم أنني سأنجو ولو كلفني ذلك روحي نفسها, بذور الشر في داخلي ستساعدني دون ريب في تحقيق أكبر قدر من الأنانية اللازمة للاستمرار, أستطيع تبديل نظرة عيوني عند الحاجة, وسيأتي يوم ما أسخر فيه من كل شخص نظر إلي بازدراء ولو مرة واحدة, لن يكون لي أحد في هذا الوجود سوى نفسي ونفسي فقط, لطالما كنت كذلك طوال حياتي, لكني من اليوم سأكون صديقاً لئيماً لنفسي حتى, إنه ليس تدميراً ذاتياً كما يبدو, إنه فقط حكم إعدام بحق من لا يستحق البقاء حياً بمفرده.
لكني في الوقت ذاته, لا أستطيع فعل أي شيء من ذلك, جانبي الضعيف يتحرك في قرارة نفسي ويطغى علي ببرودة, شرفي هو آخر ما تبقى لي, وحتى لو مت برداً وجوعاً على مرأىً المدينة برمتها لن أبالي, سأكون كبطل هامسون تماماً, سأعرف المعنى الحقيقي للتشرد والجوع والحرمان, أستطيع رؤية نفسي أدخل معركة مع كلب ضال على قطعة من العظام تعلو جانبها المغبر بقايا لحم نيئ قذر, العناية الإلهية تتدخل لصالحي, أحظى بغنيمتي من فم الوحش الضال الذي يتراجع من جبروتي الإنساني وذيله الأعوج بين فخذيه, ألتهم بقايا اللحم الممزوج بلعابه بشراهة رغم تقززي, وأمتص العظم بصوت مسموع مثير للاشمئزاز, وأنتحي جانباً عند أول زاوية لأتقياً فوراً, ليس بسبب القرف الذي طالما كان جزءاً من نسيج روحي المترفة, بل لأن معدتي التي لم تعرف طعاماً منذ ثلاثة أيام أو أكثر سترفض ما يقدم إليها, تنحدر الدموع علي وجنتي الغائرتين, لا أحاول منعها فلا فائدة من ذلك, أستمر في السير والرياح ترتطم بي, والظلام يكتنف مصيري البائس.
لا أبوح بشيء من ذلك لمخلوق, لن يفهم علي أحد ما أقول, وإن فهم فإنه لن يقدر حقيقة ما أشعر به حقاً, إنها حالة شديدة الخصوصية, الألم برمته كذلك, لا يشعر به سوى صاحبه, إنه كالموت بارد ومؤلم وأصفر الوجه, ربما يكون خلاصاً وربما لا يكون, ربما يكون طريقاً حتمية للنجاة وربما لا يكون, لكنه بكل تأكيد حقيقي لدرجة موجعة.
أجلس الآن على حافة الأريكة مع أشباحي الثلاثة, لا أشعر بقدمي الحافيتين على الأرضية الباردة, لا أرغب بسماع الموسيقا كي لا أصطدم بلحن شوبان الجنائزي المخيم على المكان, أرضى بالصمت الثقيل حليفاً جديداً أمام الأفكار السوداوية, وأنتظر الأسوأ برباطة جأش, فمن يدري, قد أنجو فعلاً.

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to الشتات

  1. Mohammad Adnan Dawood كتب:

    مثلما تكون العزلة مصدرا للراحة …..تكون قاتلة

    إعجاب

  2. Mohammad Adnan Dawood كتب:

    حلقت في الفضاء قليلاً بكل حرية, عبرت الحدود الشائكة التي تفصل بركتي عن المحيط, وهويت مجدداً دون أن أدري أني سأغرق وأغرق من جديد بشكل أعمق مما كنت عليه, خيبة أمل أخرى أليس كذلك؟ ربما, لكن من يبالي؟ لا يهم كثيراً, فنحن نسخ كربونية من بعضنا, المشكلة تبدأ فقط عندما نشعر بتلك الحقيقة تتراءى أمام أعيننا وتنبثق لنا من العدم.

    إعجاب

  3. ali isk كتب:

    الجدران الباردة تنتظرني كل ليلة عند عودتي إلى المنزل, أحاول تأخير رجوعي بشتى السبل كي لا ألتقي بأشباح الماضي وبرودة الحاضر وظلام المستقبل, أعرف تماماً أن تجنب لقائهم أمر مستحيل, أغلق باب المنزل الصغير خلفي وأشعر بارتعاشة تعتري ظهري وأنا أدير وجهي لأراهم أمامي على الأريكة بانتظاري

    رائعة

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s