فيمن تونس: الضحية أم الجلاد؟

فيمن تونس ... الضحية أم الجلاد

فيمن تونس … الضحية أم الجلاد

عادت حركة “فيمن أوكرانيا” للظهور بقوة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة, وهذه المرة في تونس التي انطلقت فيها حملة واسعة “للتعري النسائي” تضامناً مع ناشطة تونسية اختفت في ظروف مريبة بعد تلقيها تهديدات من إسلاميين متشددين على خلفية نشرها صوراً عارية لها, حيث غطت صدرها عبارات مثل جسدي ملكي ليس شرف أحد.
بغض النظر عن المواقف الدينية التي تصاحب الحديث عن الجسد وخاصة جسد الأنثى في كافة المجتمعات وتحديداً في الشرق الأوسط, لا ينبغي أن تصل الأمور إلى حد القتل أو التهديد به أو أي مظهر آخر من مظاهر الإرهاب الفكري, وهو الأمر الذي تمارسه القوى الإسلامية المتشددة الساعية لإحكام قبضتها على تونس بعد الثورة التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي قبل فترة.
وكان الداعية الإسلامية عادل العلمي، مؤسس “الجمعية الوسطية للتوعية والإصلاح“، قد دعا مؤخراً إلى إقامة حد الجلد والرجم حتى الموت على الناشطة التونسية أمينة تيلر (19) عاماً ، معتبراً نشرها لصورتها عارية دافعاً لفتيات أخريات إلى تقليدها, فيما اعتبرت الأوساط المحافظة على مستوى الشعب التونسي تصرفات أمينة أدنى مستويات الانحطاط الأخلاقي في بلد “ذي ثقافة إسلامية”.
بالمقابل, انتشرت حملات لاذعة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر تندد بالضجة الإعلامية التي حظي بها موضوع أمينة, مع تعتيم كامل لمواضيع أخرى ربما تكون أكثر إساءة للإسلام والمجتمع التونسي وكرامة المرأة من تصرف أمينة الفردي, وعلى رأسها فتاوى جهاد المناكحة الذي تروج له وسائل الإعلام التابعة للتيارات الإسلامية, والداعية لإرسال الفتيات التونسيات إلى سوريا لإشباع الحاجات الجسدية للمقاتلين هناك من التيارات المتشددة, ويمكن متابعة الحملة على تويتر عبر الهاشتاغ #جهاد المناكحة.
وأبرز الناشطون صورأً للفتوى التي نشرتها صحيفة الوطن نيوز, وجاء في نصها: “إجازة أن يقوم المقاتلون ضد نظام الأسد من غير المتزوجين، أو الذين لا يمكنهم ملاقاة زوجاتهم، بإبرام عقود نكاح شرعية مع بنات أو مطلقات لمدد قصيرة لا تتجاوز الساعة يتم على إثرها الطلاق لإعطاء الفرصة لمقاتل آخر بالمناكحة” !!!
وفي هذا السياق, تبدو أمينة ضحية جديدة للغموض الذي يكتنف تونس ما بعد الثورة, وهي التي اعتبرت في لقاءات إعلامية لها ما تقوم به من نشاطات مثيرة للجدل, جزءاً من حركة احتجاجية عالمية تطالب بحقوق النساء واحتفالاً بيوم المرأة العالمي في الثامن من آذار الماضي, وإيذاناً بوصول حركة فيمن الأوكرانية الناشطة في باريس إلى دول المغرب العربي وتحديداً تونس المضطربة, وهي حركة نسائية عالمية أسستها مجموعة من النساء الأوكرانيات عام 2008 في كييف, لمكافحة المعاملة الجائرة ضد النساء حول العالم على كافة الأصعدة, والتخلص من سيطرة رجال الدين على الحريات الفردية, واشتهرت عالميا بالمظاهرات التي تتجمع فيها الناشطات عاريات الصدور لإحداث صدمة بصرية, مع نشاط غير محدود على شبكات التواصل الاجتماعي لجمع أكبر تأييد ممكن لقضايا الحركة.
من جهة أخرى, ذكرت صحيفة لو فيغارو الفرنسية في عددها الصادر يوم الخميس 21 آذار, أن قراصنة إسلاميين اخترقوا صفحات الحركة على Facebook واستبدلوا صور “العري” بصور أخرى من القرآن الكريم, مبرزة دور “فيمن تونس” المناهض لحزب النهضة الإسلامي الحاكم في البلاد, والذي تتهمه الحركة بمحاولة التقليل من مكانة النساء في البلاد, ونزع الميزات الدستورية التي كانت المرأة التونسية تتفوق بها على مثيلاتها في دول المنطقة.
وتم تشريع القوانين المدنية في تونس خلال فترة تولي الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة رئاسة الحكومة قبيل العهد الجمهوري عام 1956, وأبرزها قوانين منع تعدد الزوجات والزواج العرفي, وجعل الطلاق بيد المحكمة عوضاً عن الرجل، وتحديد الحد الأدنى للزواج بـ 17 سنة للفتاة و20 عاماً للفتى، ومنع إكراه الفتاة على الزواج من قبل ولي أمرها, إلا أن الأحزاب الإسلامية ومنذ وصولها للسلطة في البلاد تتحدث عن نيتها تغيير كل ما سبق, ليأتي الفعل قبل عام من الآن, بمشروع قانون رجعي تقدم به إلى البرلمان التونسي, حزب المؤتمر الإسلامي الشريك في السلطة والذي ينتمي إليه رئيس البلاد المنصف المرزوقي, وينص في مجمله على إبرام عقود الزواج حسب “الشريعة الإسلامية” في خطوة أولى نحو التملص من مدنية قوانين الزواج بالمطلق, ونسف ما وصلت إليه المرأة التونسية من حقوق طبيعية بدلاً من تفعيل دورها في الحياة العامة.
بالعودة إلى قضية أمينة, فبينما شهدت الساحة النسائية الرسمية في تونس اعتذارات للمجتمع على لسان رئيسة الجمعيّة التّونسيّة للنّساء الدّيمقراطيّات أحلام بالحاج, مما اعتبرته سلوكاً شائناً وغير مقبول, مازال مصير الناشطة الشابة غامضاً حتى اللحظة, حيث تعدت القضية هنا المساس بأخلاقيات المجتمع إلى وضع حياة إنسان على المحك بالقوة ودون أدنى احترام لكينونته الحرة, في عصر يجب أن يكون فيه الإنسان الحر في الطليعة .
لا أناقش هنا الإطار الأخلاقي لتصرفات فيمن تونس متمثلة بـأمينة, مثلما لم أناقش من قبل أخلاقيات فيمن مصر متمثلة بـعلياء المهدي التي نشرت العام الماضي صوراً عارية لها على صفحات مدونتها الشخصية “مذكرات ثائرة“, في إطار احتجاجها السلمي على تقاليد مجتمع كامل وأسلوب حياة لا يليق بإنسان القرن الحادي والعشرين, حيث انتشرت المدونة حينها كالنار في الهشيم, وامتلأت بتعليقات لا حصر لها, تحقّر صاحبتها وتصفها بالعاهرة في أفضل الحالات, بعدما شبعت العيون الشبقة من التحديق بجسدها العاري الذي كان خالياً من الإغراء وأقرب لنماذج الفن التشكيلي التي تمتلئ بها المتاحف وكليات الفنون الجميلة في العالم العربي, في سوريا ولبنان على الأقل.
ولا بد من القول أن كمية الضغوط المتراكمة على الإنسان العربي وكمية التعصب الهائلة من حوله على مر الأجيال, جعلتا مستوى التعبير لديه اليوم يتخذ أشكالاً صادمة بحدة, بطريقة تشكل تهديداً للبعض, ممن يحملون راية الحفاظ على المجتمع لتحقيق مزيد من السيطرة وكسب مزيد من النفوذ, ليصبح الجدير بالنقاش هو المستوى العنيف لردود الفعل من قبل التيارات المتشددة وبعض فئات المجتمعات العربية التي تدعي التمدن, فأمينة ومن قبلها علياء لم تقتلا أحداً ولم ترتكبا جرائم ضد الإنسانية, بل عبرتا فقط بكل شجاعة وبأقصر الطرق عن الهوة العميقة التي يغرق فيها العالم العربي المتشدق بالحضارة, ونقلتا مستوى التفكير بالحرية من مفهوم صناديق الانتخابات الضيق إلى مفهوم الحياة الواسع, والذي يشكل فيه امتلاك الجسد أول خطوة نحو الحرية الكاملة, لتلقيا الضوء أخيراً على الممارسات الإقصائية المتطرفة في مجتمعات المنطقة تحت مسميات عديدة تبدأ ولا تنتهي, ولا تقف عند الجسد والتعري على الإنترنت بل تتعدى ذلك إلى أصغر تفاصيل حياتنا المعاصرة.

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات متعددة الألوان وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s