حياة عادية … نبوءة شاء لها القدر أن تتحقق

حياة عادية ... نبوءة شاء لها القدر أن تتحقق

حياة عادية … نبوءة شاء لها القدر أن تتحقق

عند إنتاجه عام 2008, لم يحظ الفيلم السوري القصير “حياة عادية” بكثير من الاهتمام, شأنه في ذلك كبقية الأفلام القصيرة في سوريا التي لا تجد طريقها إلى الجمهور في غالبية الأحيان, لكن الأحداث التي عصفت بالبلاد والعنف الذي بات مسيطراً على المشهد السوري هذه الأيام, أزاحا الغبار عن الفيلم العتيق الذي التقى بجمهوره أخيراً, ليس في صالات السينما كما ينبغي, وإنما عبر يوتيوب الذي بات الحاضن المعاصر للفنون الثقافية والإعلامية, باعتباره الواجهة البصرية الأولى لعصر هيمنة الإنترنت على الميديا العالمية.
يمكن وصف الفيلم بأنه نبوءة شاء لها القدر أن تتحقق, ففي خمس دقائق فقط يرسم الفيلم صباحاً روتينياً عادياً لعائلة سورية بسيطة سعيدة وآمنة: النهوض من الفراش وتناول الإفطار برفقة الراديو الذي يبث الأبراج اليومية, كل شيء يبدو سلساً ومثالياً حتى تنقطع الأبراج بمجموعة من الأخبار العاجلة حول تفجيرات دامية تهز العراق والجزائر مع خبر هزيل عن اعتقال مواطن سوري بتهمة التظاهر الفردي في دمشق, تعود الأبراج من جديد وتعود معها الحياة العادية لأفراد الأسرة, ودون سابق إنذار يضرب انفجار ما المكان برمته وتتداعى الصورة المثالية مع قطرات الدم التي تلوث المكان, لم يمت أحد بالطبع لكن الذهول يرتسم على الوجوه المحدقة في الخراب, بينما يستمر الراديو ببث الأبراج بصوت متقطع خافت.
اتهم الفيلم عام 2008 بعدم الواقعية والانجراف في الخيال, وفي أفضل الحالات تم ربطه بالإرهاب والحركات المتطرفة الناشطة في المنطقة العربية, كانت سوريا آنذاك ضمن قائمة أكثر دول العالم أماناً, ولم يشأ أحد التفكير بإمكانية وصول العنف إلى قلب العاصمة دمشق, ومر الفيلم بكافة تحذيراته الرمزية مرور الكرام دون أن يبالي به أحد.
وفي هذا الإطار, يرى كاتب ومخرج العمل بيان طربيه في تصريحات إعلامية له عام 2008 أن الغاية الأساسية من فيلمه كانت التأكيد على أن العنف والدمار الذي نشاهده أو نسمع عنه – كسوريين – في مناطق مختلفة من العالم سيأتي يوم نكون فيه بعض ضحاياه, مع إلقاء الضوء على العنف الذي يمارسه الإعلام علينا كأفراد.
وهنا يبدو الطرح السينمائي مدهشاً, على صعيد ربط سوريا بمحيطها الإقليمي, وهو ما تحقق اليوم بوصول الربيع العربي – حسب التسمية الدارجة – إليها بعد تونس ومصر, مع تأكيد مسؤولي النظام قبل تفجر الأوضاع على اختلاف الطبيعة السورية عن بقية دول المنطقة, لتصبح ثنائية الفيلم والواقع أشبه بمزيج سوريالي غريب من التكهنات والتصريحات التي تدور بعبثية مطلقة في الظاهر, لكنها تنكشف دون مواربة في نهاية المطاف.
من جهة أخرى يوجه الفيلم مجموعة من الرسائل الرمزية الحادة, فنرى الراديو كرمز للإعلام السوري البعيد عن واقعه, وتأتي توقعات الأبراج الموغلة في التفاؤل دون تمييز بين مولود ومولود, لإعطاء نفحة المساواة التي يتبناها ذلك الإعلام في نظرته للمواطنين السوريين كجمهور يتلقى كل ما يقدم له دون أدنى تفكير, وبينما يقطع الراديو “أبراجه الهامة” بشريط إخباري عربي بحت تتذيله هموم الإنسان السوري, نجده يستمر في هذره الخالي من أي معنى بعد التفجير وكأن شيئاً لم يحدث, وهو ما يمارسه الإعلام السوري الرسمي اليوم في أقصى درجات الانسلاخ عن الواقع.
وعلى الصعيد البصري يطرح الفيلم بيئة سينمائية مثالية, خاصة على صعيد الألوان الباهتة التي توحي بالأسوأ, إضافة لتقنيات القطع المفاجئ في عرض الأحداث والتي تترك المشاهد في حيرة وصدمة محققة أعلى درجات التأثير النفسي والعاطفي, دون أن أنسى للتسلسل البصري الواحد الممتد من البداية حتى النهاية متمثلاً بقطرات الماء ثم الدم في رمزية بصرية مثيرة للإعجاب حقاً.
حياة عادية, فيلم سوري قصير من بطولة كاريس بشار وماهر صليبي, ومن إنتاجات المؤسسة العامة للسينما عام 2008, ولأن السينما الجيدة فن لا يموت, ولأن المجانين هم من يصنعون التاريخ نراه ينتشر هذه الأيام بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي, متخطياً حدود الزمان وفارضاً نفسه بقوة على خارطة المشاهدة السورية لعام 2013.

لمشاهدة الفيلم :

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s