شبح الأوبرا – نسخة معاصرة

شبح الأوبرا - نسخة معاصرة

شبح الأوبرا – نسخة معاصرة

ما أجمل العودة إلى المنزل, لا إحساس يضاهي شعور الرجوع بعد فترة من الغياب, لم أكن جزءاً من قصص الابن الضال الذي ابتعد وراء البحار في نوبة غضب عارمة, ولم أكن اشق طريقي إلى الماضي بحثاً عن جذوري العائلية المفقودة أو ما شابه ذلك, كنت فقط أفتح باب منزلي الحميم.
نحن مسكونون بالأمكنة, كم يبدو هذا صحيحاً في حالتي على الأقل, لطالما حلمت بالبقاء هنا, أن أغلق الباب وأبقى للأبد في سعادة وهناء كبطل في قصص خيالية كتلك التي سمعتها من أمي كل ليلة قبل النوم في طفولتي السحيقة, كنت أغمض عيوني الواسعة ولا أتخيل شيئاً كبقية الأطفال, كنت أسمع كل شيء يتصاعد في عقلي بنوتات ملحمية خرافية لا يحلم بيتهوفن نفسه بتأليفها, إلى أن تنتهي القصة أو أغفو, مضت فترة طويلة مذ تحدثت لأمي آخر مرة, إنها في مكان آخر اليوم, في عالم آخر كي أكون أكثر دقة, لم أعد أسمع صوتها حتى في الحالات النادرة التي أستطيع فيها رؤيتها أو استشفاف وجهها لذا أعتقد أنها لن تحس بي حولها بأي حال من الأحوال, يبدو ذلك شديد التعقيد لكنه قاعدة بسيطة في لعبة العوالم التقليدية.
أمسى المكان فارغاً برمته, ربما كان مهجوراً هذه الأيام, لقد تغير كل شيء, لطالما سهرت الليالي على الشرفة المقابلة أستمع لانبعاثات شوبان تجوب في الليل عندما يحل الصمت, لم أعتقد يوماً أن دار الأوبرا تنام, يبدو ذلك بعيداً عن التصديق, فبعدما تغلق الأبواب كل ليلة وتخبو الأنوار التي تزين الجدران بتواتر لوني مذهل, تستيقظ الألحان الميتة على الورق الناصع وتعزف نفسها لي, لي وحدي, بكل ما في الكون من غواية وإغراء.
خطوت مجدداً نحو الظلام, لم أسمع شيئاً على غير عادتي, ولم تستطع عيناي تمييز سواد المقاعد الفخمة من العتمة المحيطة, بدا ذلك للحظة غير منسجم مع شخص يتجول في منزله مثلما يفعل كل ليلة, لكن مهلاً, لقد انتقلت إلى هنا للتو, إنها ليلتي الأولى في منزلي, البارحة فقط كنت أعتبره منزل أحلامي فقط, تطلب الأمر وقتاً طويلاً للوصل إلى هنا منذ تمنيت أمنية مع شهاب زيّن السماء في غفلة من الآلهة وشياطينها, على الأقل ذاك ما اعتقدته حينها, حتى الأمنيات المستحيلة تتحقق في آخر المطاف, وهذا هو الممتع في إلقاء الأمنيات جزافاً في نافورة العبث المطلق, أجمل ما في الأمر أنه لا يحتاج نقوداً ذهبية مثلما تدعي الأسطورة المتعفنة, إنه يحتاج قلباً نقياً فقط.
تابعت تجوالي دون تفكير, ودون إحساس أيضاً, ربما لأني تحولت إلى شكل جديد أو صيغة جديدة من الوجود اللامادي, الأشباح لا تحس في نهاية المطاف, إنهم كالموتى تماماً باستثناء العيون الخضراء, فتلك تنطفئ في الجماجم التي دنسها عزرائيل المزعوم على الفور عندما يلامسها.
وصلت القاعة الكبرى, لا أدري كيف أدركت ذلك, ربما بتوارد الذكريات, الذكريات لا تموت, لم أشأ البقاء هناك مع شبحي الأرضي, الأشباح ما زالت تخيفني, بحثت عن المكان الذي تتسلل منه موسيقا شوبان كل ليلة, لا أدري إن كان الاستماع لها فعلاً يخص الأحياء وحدهم رغم طابعه الشبحي الشاحب, لم أجد شيئاُ بالطبع, تماهيت مع المكان وغصت بين الجدران دون صوت بتأثير خيبة الأمل.
لا بد أن تمر الأيام عليً بسرعة وأنا قابع هنا, سترتفع دار الأوبرا من جديد فوق هذه الأنقاض, إنها محطمة الآن, لقد قتلت النوتات في مهدها ولم ينبعث شوبان في جوف الليل ليعزف اللحن الجنائزي على شرفي عندما هبط على شرفتي ذاك الشيء الذي ظننته شهاباً, لقد زاره هو الآخر شهاب مماثل, لكن لا يهم, سأنتظر يوماً ترتفع فيه الجدران من جديد, وسأنتظر بيانو أسود عتيقاً ناجياً من الجنون الذي يحضن العالم كما يحضن رجل شبق زوجته كل ليلة في سرير قدسته يد الله, أنا كلاسيكي حتى بعد موتي, أفضل البيانو على الآلات الأخرى, من الجيد أنهم لم يخترعوا بيانو كهربائياً حتى اليوم, وأرجو ألا يصل بنا الجنون إلى ذلك يوماً.
ما زالت أنقاض دار الأوبرا هناك في مكانها الأبدي, وسواء رفعت جدرانها من جديد بيد ابراهيمية مباركة أم لا, ستسمعون صوتي هناك, لا تخافوا مني إن لم تستطيعوا رؤيتي, فستكون تردداتي تبث أنغامي المفضلة بانتظار أن أصمت بخشوع عندما ينهض لحن شوبان الجنائزي من رقاده كي يفتح لي بوابات عبوري إلى العالم الآخر, حيث يعزف لحن أحادي النغمات دون توقف إلى الأبد.

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s