4004881

4004881

4004881

ما هذا الضوء الساطع؟ إنه يبهر عيوني المتعبة, لا أرى شيئاً سوى انبلاجات براقة تزيد من حيرتي, لا أقدر على التفكير كما أريد, لا شيء في عقلي المظلم سوى أنوار لامعة تومض وتختفي, صور غامضة تنبثق من المجهول, ورقم وحيد يتردد في أذني, 4004881.
انبلاج ساطع حاد, صوت عجلات ومكابح عنيفة, أحدهم يصرخ: “أيها الأحمق المخبول أتريد أن تقتل نفسك؟”.
تلفت حولي, من أين يأتي الصوت, من يحدّث من, لا يهم, استندت على شيء قريب, إنه بارد ومعدني, ربما كانت سيارة ألمانية فاخرة, انزلقت نحو الأرض مترنحاً, كنت خائر القوى, غاب سطوع الشمس للحظة, انطلقت السيارة التي أوشكت على دهسي مسرعة بغضب هاربة بصاحبها من مساءلة ما, ولمحت قبل أن تعميني الشمس من جديد, رقمها يبتعد عني وأصفاره تمد لي ألسنتها بوقاحة, 4004881.
عادت الانبلاجات تغذي عقلي المضطرب بأوهام غريبة المصدر, تابعت سيري لفترة غير محددة, لم أدري اين أنا, أوقفتني يد ما فجأة, صوت حنون يفاجئني من حيث لا أدري, “لماذا تمشي في منتصف الشارع أيها المسكين, تعال أمسك يدي, سأوصلك للرصيف”.
لم أقاوم, عقلي اعتاد الخنوع والطاعة, لم أحرك ساكناً, تبعتها كطفل خائف في أعماقه, ظل ما يحجب الشمس عني عيني, التفتت نحوي للمرة الأخيرة بكامل جسدها, لا ترمي بنفسك إلى التهلكة مجدداً, أفلتت يدي واستدارت بعيداً عني, تأرجح فوق نهديها المثيرين شيء ما, بطاقة بيضاء فاخرة تتدلى من شريط مخملي أزرق حول رقبتها العارية, ابتلعت لعابي وأنا أتأمل الرقم المتراقص حول النهدين مع تمايل جسدها المتلاشي في الضوء, 4004881 .. تمنيت للحظة واحدة أن أكون رقماً أنا أيضاً.
جلست على الأرض مستنداً بظهري على الشجرة الكبيرة, ضبابية الرؤية تمنعني من التركيز حولي, ودون سابق إنذار وقع شيء ما من السماء, هناك بجوار قدمي تماماً, تلطخ وجهي بسائل لزج, إنه مالح ومقرف وكريه الرائحة, تحسست المكان حولي لعلني أعرف ما الذي حصل, استطعت بصعوبة تمييز قدمي رجل قربي, كان عارياً ممدداً سابحاً في بركة دمائه الهائجة, سلام كامل يرفرف فوق كتفيه الأبيضين القويين, فوق رأسه تطايرت ورقة ما, لمحت عليها أرقاماً ورموزاً لم أتبينها جيداً, ولم أعرف حينها أنها بطاقة اليانصيب التي قضت على حياة صديقي الجثة, لم أجد اسماً ألطف من هذا له حتى الآن, لا تجادلوني بحق السماء, اسمه هكذا يفي بالغرض, الأسماء العادية ترف بشري عديم الفائدة.
كان المسكين يستحم بتلذذ بعد ليلة حمراء, استيقظ متأخراً, إنها عادته بعد ممارسة الجنس مع النساء العابرات, فتح الأبواب الزجاجية عند الشرفة, ربما تلمحه أمرأة ما بطريقة ما وتعجب به, الرجل المبلل أكثر إثارة من الرجل الجاف, هذا ما فكر به ربما, تلك المغامرة الطائشة أدخلت إلى المنزل ورقة تلاعبت بها الرياح ليومين طويلين, أرقام كثيرة تصطف بإنهاك, تطايرت أمام عينيه وهو ينشف شعر صدره الكث, أمسكها وهو على يقين أنه لن يربح اليانصيب, حظه في المال لا يشبه حظه مع النساء للأسف, أدار التلفاز وذهب إلى الشرفة ليأخذ نفساً عميقاً, وصل إليه صوت المذيعة تنشر أرقام الفائزين لهذا الأسبوع, إنه رقم مميز لا تخطئه الأذن, 4004881 .. قفز من بهجته الغامرة, أصبح مليونيراً, تعثر بالمنشفة التي لفها حول خصره, وهوى نحو موته المحتم ونحوي وابتسامة بلهاء تعلو وجهه.
ربما غفوت في مكاني, الظلام يخيم على المكان, بجميع الأحوال لم أكن أرى, كل شيء في مكانه السابق, أنا وصديقي الجثة نرقد تحت شجرة عملاقة, كاننا لا ننتمي لهذا العالم بعد اليوم, أردت الرحيل نحو مكان ما, إلى أي مكان, لم أدر أين أتجه, هممت بالنهوض, لكني قبل أن أتحرك فوجئت بضوء ساطع يبهر عيني, وصوت أجش يخاطبني: “أنت أيها اللعين, لا تتحرك, شرطة!”.
امتدت يد سوداء وسحبتني من ذراعي بسرعة, آلمني ذلك بشدة, لف لي ذراعي حول ظهري وأدراني نحو الشجرة, أنفي يحتك باللحاء العتيق, وعقلي المترهل يتساءل منذ متى يقوم السود بحماية المدينة؟ وضع يده على رقبتي وهو يفتش جيوبي, ارتعشت وأنا أرى رقبة سوداء ترتسم أمامي وعليها وسم قاتم برقم مألوف, 4004881 من جديد, إنه عار إلا من قطعة قماش قذرة حول وسطه, معه معول أكبر منه يحطم به الصخور في مكان ما من الغرب الأمريكي ربما, إنه أحد أجداد هذا المسكين الذي يمسكني على الأغلب, بقي هناك يوماً بعد يوم تحت الشمس وتحت المطر, تهشمت ركبتاه أخيراً وألقي في حفرة عميقة, رائحة الوسم حرقت رقبته طوال سنوات, اشتم كل يوم رائحة جلده تحترق وتزكم أنفه المفلطح, رائحة لم تستطع أن تزيل من أنفه رائحة الكافور في وطنه البعيد, اشتم الكافور مرة واحدة عندما أوقعه حظه في أحضان امرأة فاتنة, كانت المرة الوحيدة الي يلامس فيها امرأة عارية تحت ضوء القمر.
– من أنت ولماذا قتلت هذا الرجل؟
– الرقم 4004881 … الزنزانة الخامسة والتسعين, تاريخ الاعتقال 2013 .. التهمة غير محددة.
ارتجفت وأنا أسمع نفسي أردد ما رددته كل صباح في الفترة الطويلة الماضية مع خرطوم المياه الباردة الذي كان يوقظني, كان علينا أن نعرف عن أنفسنا كي نحظى بطعام الإفطار, لم أكن أعرف ماذا آكل, لم يكن هناك أي ضوء, ظلام أبدي احتضنني لوقت غير محدد, لم أدري كم لبثت ولم يعد للوقت معنى داخلي.
– اسمك أيها الأحمق, بحق الآلهة أتتعاطى المخدرات؟ تباً
رقمي هو اسمي الوحيد, حاولت التذكر, أحسست بدماغي ينفجر, صرخت بألم, 4004881 نبضة في الشريان الوحيد الذي يغذي نصف دماغي الأيسر, تماماً عند مقدمته أحسست بشيء ينفجر, جحظت عيني اليسرى وانبثق الدم من أنفي, صار شكلي مخيفاً وأنا أرافق صديقي الجثة إلى مثوانا الأخير, وجدته بانتظاري عارياً مثلما مات, لم أشأ أن أعرف هيئتي فقد تكون مخيفة, سطع ضوء خارق للمرة الأخيرة, ربما كان نور الآلهة أو نور الملائكة, قادتني يد لطيفة إلى مكاني في غرفة الانتظار مع الآخرين, لم أتحول إلى زبد بحر أو ما شابه ذلك, كان علي الانتظار فقط إلى يوم الحشر المنشود, أعطاني أحد الملائكة بطاقة نورانية تحدد موعد مقابلتي مع الخالق, لم يكن هناك داع كي أختلس النظر فرقمي كان معروفاً سلفاً, 4004881 يتراقص الآن بسلام فوق رأسي, وحلقة دائرية من شعاع أصفر براق تحميه من عيون الأشباح المتطفلين علي خلوتي في العالم الذي يفصل بين العوالم.

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s