كي أبعد عنك شبح الفقر

كي أبعد عنك شبح الفقر

كي أبعد عنك شبح الفقر

للغنى وجوه متعددة كأقنعة أرسين لوبين, أما الفقر فمتشابه إلى حد مؤلم, في كل وقت ومكان يمسح بيده وجوه أصحابه بذات الملامح, ينفخ على عرق أجسادهم ذات الرائحة, ويسبل على حدقات عيونهم ذات النظرات الزائغة, يتكاثر في أحشائهم مع الهواء الذي يتشاطرونه, ولا يحتاج قبلاً أو لقاءات حميمة كي يبزغ من بين ساقي كل امرأة تلد.
لماذا أفكر بهذا الآن, علي أن أفكر بالآهات التي تطلقها المرأة العارية بين ذراعي؟ لكني لا أستطيع ذلك, أكافح جاهداً للتركيز لكني افشل, أتحرك فوقها بشكل آلي وصوت السرير يتداخل مع أفكاري, أنا فقير تقليدي جداً, أنفقت مالي على هذه الفتاة, كم أنا لطيف لوصفها بالفتاة, بجميع الأحوال لم أستطع التفكير بأبعد من فتاة أعرفها في حينا, لم أتجرأ حتى على عبور الشارع العام نحو مكان أرقى قليلاً, ربما كنت حصلت هناك على ما هو أفضل من جسد أربعيني مترهل وخصلات شعر مصبوغة بابتذال أشقر, حسناً ربما في المرة القادمة.
ماذا يفعل الرجال الأغنياء بالمال يا ترى, لا أستطيع أن أحزر أبداً, عقلي غير قادر على التفكير بشيء سوى لذة عابرة كسحابة بوهيمية, هم بكل تأكيد لا يحتاجون الطعام أو الثياب مثلنا في لحظات المال المفاجئة, لا يوجد متع أخرى في الحياة تستحق إنفاق النقود عليها, لكن كيف لي أن أجزم وأنا لم أجرب سوى فقر أحادي الاتجاه طوال سنيني الماضية.
تحركي جيداً, أجل هكذا, أردت إطلاق تأوه حاد لكنني لم أرغب بأن أماثلها في الابتذال, عدت لأفكاري السابقة, لم أستطع أن أتخيل غرفة فاخرة مع حمام داخلي مفعم بالبخار الدافئ, ولم أتخيل جسداً رشيقاً مفتولاَ وعطلات بطن مشدودة, أو حتى فنجاناً من تلك القهوة ذات الرغوة الكثيفة, لا أعرف اسمها لكنني أتوق لتجربتها يوماً ما, للأسف نسيت الليلة أمنيتي تلك مع إلحاح دمائي الحارة على رغباتها, تجسدت تخيلاتي برزمة نقود بدل العملة المعدنية التي انتقلت من جيبي إلى حقيبة نسائية من القماش الأزرق الوضيع, يد ناعمة تعد النقود ببطء ولسان مشاغب يمسح الشفتين بنهم فاضح للمال, الغني المسكين يدرك ذلك دون ريب, تماماً مثلما أدرك أن نصف التأوهات القذرة المحيطة بي مجرد تمثيل رخيص, لكنه يتصرف مثلي ويعزو الأمر لرجولته الفائضة, كم نحن متشابهان في النهاية, اكتشاف باهر حقاً.
تميل فوق وجهي لتنتزع قبلة مني, أبتعد عنها بسرعة وأنا أشعر بشيء من الاشمئزاز يعتري صدري, لا أرغب بقبلة مدفوعة الثمن, لم أقبل فماً واحداَ طوال حياتي, ولن تكوني الأولى بكل ريب, ربما كانت القبل حكراً على الأغنياء, لا أدري, أو حكراً على غيري فقط, أخاف أن أقبل الفتاة التي أحبها, لا أريد أن أزيد بفقري فقرها, ربما كان فقري ينتقل كالعدوى القاتلة مع لعابي أو شهوتي, كيف لي أن أتاكد أنه ليس جزءاً عضوياً مني, أتصوره محلولاً عديم اللون ممزوجاً بأنسجتي المتعبة, محلولاً نعوم فيه ردهاتي الداخلية المغبرة وقواريري المتسخة بفعل الزمن الرديء.
ها أنا ذا أفرغ شحناتي الذكورية, أكبح جماح نفسي كي لا أطلق صوتاً, مسامي تنضح مزيداً من العرق, المسكينة تبتسم ببلاهة متخبطة أسفل جسدي بانتفاضات متتالية, إنها لا تعي أني نقلت إليها جزءاً من فقري الأبدي, أراهن بحق هذه الليلة الفاجرة أنها لن ترى الغنى يوماً رغم أنها نشيطة في عملها, كل زبائنها من الفقراء مثلي, وكلنا معاً نزودها برصيد كاف من الفقر يكفيها حتى لحظات مماتها, لن نسمح لها بالرحيل نحو حي أكثر رقياً, ولن نسمح لها بالعبور على جسور أجسادنا نحو حياة أفضل, ربما كان هذا هو السبب فقط في إصرارنا المحموم على تزويدها بشحنات فقرنا, حاجتنا الماسة إليها فقط.
اختفت عن ناظري, لا أدري إن غادرت المكان أم أنها مختفية في بقعة ما, تمددت على السرير دون رغبة بالنظر إلى السقف الواطئ, طلاء الجدران يتشرب رائحة عرقي المشبعة بالفقر, لن تتحول إلى اللون الأسود, ليس بعد, رطوبة الشتاء القادم ستظهر ذلك التحول فقط, رنين هاتفي يوقظني من أفكاري الخرقاء, أجل حبيتي, أنا بخير, أجل أكدح جاهداً كي أبعد عنك شبح الفقر, لا تقلقي علي, أحبك, يجب أن أذهب الآن, وداعاً.
أنهيت المكالمة ورميت الهاتف بعيداً, سعيد أنني لم أكذب, كم أنا نقي السريرة, ابتسمت لأول مرة هذه الليلة ويدي تداعب شعيرات صدري المتصلبة, لمحت بغتة مزيداً من العملات المعدنية على الطاولة القريبة, بللت شفتي بنهم للثروة التي لم ألاحظها قبلاً, قلبت برودتها الأزلية بين أصابعي الرطبة, ربما أتخلص من فقري دفعة واحدة هذه الليلة, فكرة جيدة فعلاً, بل هي مغرية بمزيد من العطاء أيضاً.
سمعت فجأة باب الشقة يغلق, إنها تغادر الآن إذاً, أسرعت وراءها كي لا تبتعد أكثر, فتحت الباب ورميت قطعة النقود في الهواء مراهناً على حظي العاثر, دوران سريع انتهى برنين فاضح على أرضية الردهة الصغيرة, عادت بسرعة لالتقاط المال دون أن تلتفت لي, تركت بابي مشرعاً على مصراعيه وسبقتها نحو كومة فراشي الرث, سأقبلها هذه المرة, سأجعلها تبتلع فقري مع أنفاسها المتلاحقة, سيكون ذلك أكثر فاعلية لمستقبلي.
أردت الانطلاق مع أفكاري من جديد, لكن ماكينة عقلي توقفت تماماً مع ذراعيها اللتين أحاطتا بي, توارت خواطري كافة وراء ستار كثيف من دخان مجوني, تكسرت قماقمي وتحرر كل مردتي, وتسللت أصوات خافتة مع أنين جسدي إلى أذني لتخبرني بأني سأبقى فقيراً إلى الأبد, لكنني لم ألاحظ ذلك, وربما لم أكترث له أيضاً.

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s