مكان يليق بي

مكان يليق بي

مكان يليق بي

طوال حياتي كرهت الظهور في الصور الفوتوغرافية, أمر غريب بالنسبة لشخص تلقى أول كاميرا في حياته عندما كان في السادسة من عمره, لكنه عادي جداً بالنسبة لشاب غريب الأطوار مثلي, الكاميرا صديقتي الحميمة التي لا تفارقني, أعشق التنقل على قدمي من بقعة لبقعة والتقاط الصور للغرباء, أو للأمكنة العابرة في شوارع ذاكرتي, لكنها تمسي بشكل أو بآخر عدوتي اللئيمة عندما تنظر إلي مباشرة بين عيني كأنها تخترق كينونتي المادية لتخبرني أنها تعرف حقيقتي التي أخشى ألمها.
لا أدري بالتحديد مصدر خوفي من التقاط صورة ما لي, فأنا طبيعي جداً مع كاميرات الفيديو مثلاً, لكن الكاميرا الفوتوغرافية تصيبني بالارتباك, يبدأ كل شيء من لحظة التجمع أمامها, فرد واحد يكفي لمظاهرة حاشدة في كادر واحد أو تجمع كبير بهيج كجموع جامحة في حفلة صاخبة, لا يهم موقعي في الصورة لأن الأعراض تتكرر مرة بعد مرة, في البداية أكون عادياً, أنظر نحو العدسة بثبات, وأترقب وميضاً يبهر الأبصار, لكن ذلك لا يحدث بالسرعة التي أتخيلها, يمضي الوقت بطيئاً جداً بانتظار الضوء المنبلج من فتحة صغيرة, يزداد توتري باضطراد, يتعرق جبيني ويبدأ طرفا فكي بالارتعاش, أمسح الابتسامة عن وجهي بخرقة بالية من التكلف كي أزيل آثار الارتعاش البشعة, لكن ذلك يغدو أسوأ, أفقد صبري, أبدأ بالانهيار, أطلب الغفران الأخير, الرحمة, كل شيء يدور من حولي وأنا أبدو مثيراً للشفقة, وفي تلك اللحظة المأساوية التي أستسلم فيها أمام ملل الانتظار, ولأن الضربة لا تأتي إلا من المأمن, يباغتني ضوء الكاميرا اللامع بسخرية فجة, ويعود كل شيء لحاله بعدما رسمته صورة ما إلى الأبد بكل قبحه العبثي.
حسناً, على كل ذلك أن يتغير اليوم, لن أسمح لعاداتي الغبية تلك أن تفسد صوري أمام برج إيفل, هذه المرة أرغب بكل ذرة من كياني الصغير في التقاط صورة لي وحدي هنا, إنها مدينة تليق حقاً بأن ألتقط فيها صوري الجميلة, وليس كتلك الأمكنة النتنة التي عشت فيها من قبل, صحيح أني أحببت دمشق فيما مضى, لكنه أشبه بحب بين مراهق وجدة عجوز تعلمه فنون الحب الجسدي في سرير معتم بعيد عن الأنظار, إنها مدينة تعيش على جمالها الغابر فقط, على الأقل كانت هكذا قبل الحرب, هي الآن ذكرى بعيدة جداً عني ولا تصلني رسائلها إلا مع رائحة الدموع, أما باريس فهي مشرقة جداً ومختلفة جداً, ليست مدينة أحلامي بكل تأكيد فأنا رجل متعدد النزوات ولا أكتفي بحلم واحد, أعشق التفاصيل ولا أؤمن بالمطلق, و … حسناً علي أن أصمت قليلاً كي أتمكن من التركيز مع الكاميرا, لكن لا, سأكتفي بالخمول اللذيذ تحت الشمس الباريسية الكسولة دون أن أبالي, ولتلتقط الكاميرا صورتي كقط كبير نائم, ذلك عفوي أكثر, سأبدو لطيفاً تماماً مثلما أخبرتني صديقتي منذ أيام بعد التسريحة الجديدة, شعرت بالزهو فعلاً فهذا ما كنت أشعر به وأبغيه, أحب أن يصفني الناس بذلك من حين لآخر, سأسمي صورتي cute in Paris, أوه! لقد التقطت الصورة, تم الأمر دون عناء هذه المرة, إنه سحر المكان الرائع دون شك.
فجأة بدأ العالم يهتز من حولي, كل شي ينهار, صوت صرير شديد الشناعة يصدر من البرج الحديدي الضخم, لماذا بحق الآلهة أحببت التقاط صورة لي هنا, إنه مجرد أطنان من الحديد والبراغي, ربما هي جاذبيتي المغناطيسية تجذبني إليه, لا وقت للغرور الآن فكل شيء ينهار, ياللهول إنها نهاية العالم, ربما هو يوم القيامة المنشود فعلاً, لكن لا ما زال الوقت باكراً على هكذا ترهات, كل شيء يزداد سوءاً, السماء تتشقق بجلبة تثير فشعريرة باردة في ظهري, والرياح تعصف بيكنونتي دون رحمة, قبل أن يغرق كل شيء في ظلام دامس.
أين أنا الآن, لا أرى شيئاً, هذا مخيف نوعاً ما, لكنه مسالم وآمن بعد أن يعتاد المرء عليه, ربما أنا في الثواني السوداء الفاصلة بين صورة وصورة, هذا جنوني حقاً لكنه ربما يكون صحيحاً بطريقة ما, لا أيها الأحمق, همس صوت غريب لي, ربما صرخ لا أدري بالتحديد, عاد الضوء أخيراً, أنا هنا في توسكانيا الإيطالية, هذا مكان يليق بي أكثر من باريس, هنا حب أبدي يربطني بالمروج الخضراء, وإحساس بيتي دافئ يحضنني مع كل نسمة عابرة, هذا أفضل من نفحات عطور باريس الغانية, توسكانيا لي وحدي أمتلكها كل ليلة ولا أشاركها مع البشرية جمعاء في خيالاتهم الرومانسية المريضة, سألتقط صورة لي قرب تلك الأشجار العملاقة, إنها جميلة جداً في ريف فلورنسا كأنها هناك منذ الأزل, وستبقى هناك رغماً عن أنوف الآلهة نفسها, لا أحد يستطيع اقتلاعها من هناك, حسناً هذا ما ظننته عن شجيرة الليلك الجميلة في حديقة منزلنا تحت نافذة غرفتي تماماً, لكنها الآن أمست غباراً يلون قوس قزح, ربما كان قوس قزح هو أرواح الأزهار التي عاشت العام الماضي مثلاً, بجميع الأحوال, توسكانيا تثير إعجابي وتفتح شهيتي أيضاً, أرغب بقضمة من الخبز الساخن مع حفنة من الزعتر الأخضر فوقه, أرغب في الزواج هنا, لا أصدق أني تفوهت بهذا, لكني في سنين مراهقتي سمعت أن الرجل لا يمل المرأة الإيطالية أبداً مثلما لا يمل السيارة الألمانية, بقيت تلك الفكرة المهينة في خيالاتي الجنسية حتى اللحظة, لا أدري لماذا, مع أني أكره النساء الإيطاليات, بكل الضوضاء التي تصدر منهن والأرداف المتمايلة والفكوك العريضة, على الأقل تلك هي مواصفات الإيطاليات اللواتي أعرفهن, أحب هنا أن ألتقي سائحة تائهة أغويها تحت الشمس بكل عنجهية ذكورية قبل أن أقع في غرامها اليائس الجميل, سنعيش هنا للأبد وسننجب طفلاً واحداً, سيكون إيطالياً غريب الأطوار يلوح يده بالمقلوب ويقود دراجة نارية صغيرة ويغازل كل فتيات القرية دون استثناء, سيكون ولداً طيب السريرة بسيطاً لا أكثر, وسيكون تحفة نادرة جميلة أفخر بها في سري, عظيم إنه وميض الكاميرا مجدداً, انتهى كل شيء, لا أدري لم كانت أوصالي ترتعد من قبل مع كل صورة تلتقط لي, مثلما لا أستوعب اللون البنفسجي الذي بات يغطي المكان كرائحة جثة في منزل مغلق, من جديد بدأ كل شيء ينهار بصمت هذه المرة, اختفت الأشجار دون جلبة كأنها لم تكن, ربما هوت واستحالت غباراً بنفسجياً, لم أعد أحتمل حبس أنفاسي أكثر من ذلك, إنه يتسلل إلى جوف صدري مع شهقتي التي سحبت ما تبقى من أوكسجين في المكان, والذي لم يكن ليملأ ربع رئتي, واختفى كل شيء من جديد في ظلام دامس.
لن أفتح عيني هذه المرة, ربما أجد نفسي في حضرة إله غاضب بجبروت لا نهائي وملائكة مستعدة لجلدي بسياط العذاب, لكن هذا لا يقاوم البتة كتفاحة متدلية من شجرة محرمة, سأغامر بفتح عيني في حضرته تعالى كي ألتقط له صورة واحدة لا غير, هذا مخيف فقد يرميني في الجحيم الأبدي لجرأتي, لكني لا أؤمن به, أو لأقل أني لا أؤمن به مخيفاً هكذا, أفضل أن يكون إلهي نسخة مطلقة مني, حب ونور وسلام, ألم يخلقني على شاكلته كما يقول أحد الكتب المقدسة أم أني أهذي, بجميع الأحوال ها أنا أفتح عيني, لكن لا أحد أمامي, ربما أنا في الجنة, إنها هي بكل تأكيد, لكن لا في الجنة لا يوجد صخب وحماس كهذا بكل تأكيد, فهما صفتان أرضيتان بامتياز, هذا لا يصدق, أنا جزء من الحائط الأصفر, حلمت طوال حياتي بلحظة كهذه, إنها لحظة تاريخية تستحق الأرشفة, أنا قطعة طوب بشرية تسند أشهر حائط في ألمانيا بعد جدار برلين الراحل, صورة مزدوجة لي هنا ستكون أمراً خرافياً, واحدة بعيدة تصورني مع الحشد البشري وأخرى قريبة لي بالزي الأصفر التقليدي لبروسيا دورتموند, سأصرخ وأقفز وأحمل علماً عملاقاً, حملت علماً من قبل مرة واحدة في حياتي, أحمر وأبيض وأسود مع نجمتين خضراوتين جميلتين, شيء بسيط لم أكن أقدره من قبل لكنني أفتقده هذه الأيام, تمنيت مراراً لو كنت واحداً من هؤلاء الرياضيين أشباه العراة الذين يلتفون باعلام بلادهم في الألعاب الأولمبية ليجفف رائحة عرقهم بحب لا محدود دون أن يشعر بالقرف, للأسف الشديد لم أنتم لعالم الرياضة على الإطلاق, وربما لن أنتمي لأي مكان بعد الآن أيضاً, ولا أعتقد أن علماً سيلامس جسدي العاري, أفضل لمسة من يد امرأة فوق ترهلاتي الخفيفة دون أن تتضايق من ذلك, هذا حسي وأكثر ثباتاً من بلاد قد تزول بسرعة كضوء الكاميرا الذي أضاء فجأة أمامي, أوه انتظر قليلاً كنت أريد أن أعانق المشجعين في نوبة جنون عارمة دون سبب, لماذا لم تتركني أبكي من شدة الحماسة أولاً, أخبرتك أني أريد صوراً استثنائية, تباً ليس مجدداً, كل شيء ينهار بسرعة, موجة بشرية تهوي بثقلها نحو عشب الملعب, جن جنون العالم دون شك, أهي نهاية المباراة, كان ذلك سريعاً ولم أشعر به, أنفي فوق العشب الأخضر ووحل بني يسد فتحتيه بخشونة, ولغط إنساني يسد أذني بالخشونة ذاتها, و عتمة دامسة تتلقفني بعد السقوط.
أن أفتح عيني يعني أن ألتقط صورة جديدة لي في مكان ما, أين سأختار يا ترى, أود حقاً أن ألتقط صورة لي في أوروبا الشرقية, بولندا مثلاً, أو في قرى الأرمن في تركيا, حسنا ما تبقى منها, ستكون صوراً مذهلة, أظهر فيها ملوناً محاطاً ببيئة رمادية, الأبيض والأسود لونان مثاليان لتصوير الفاجعة, أما أنا فلا أنتمي لشيء سوى لذاتي, قلت لكم أني أخشى أن تكشف الكاميرا حقيقة نفسي, لكن لنواجه الحقيقة, وجودي هناك بألوان أو من دونها كاف دون شك للتعبير عن اهتمامي بآلام الأخرين, لكني هربت من اللون الرمادي الذي يغمر دمشق دون مبالاة, حسناً لا أريد أن أكون جزءاً من خلفية غير ملونة لشخص ملون في يوم ما, هذا سبب كاف للهروب, كفى ثرثرة الآن, سأفتح عيني لأرى أين أنا بالتحديد.
فتحت عيني بلهفة, تلفت حولي, لكن لا شيء واضح, كل شيء رمادي حتى وجهي الطفولي, لماذا عدت طفلاً في السادسة فقط؟ لكني ما زلت أسمع صوتي و أنا في الخامسة والعشرين يتردد في داخلي, هذا مخيف, ربما بدأت أهذي من الغبار البنفسجي الذي تنشقته في توسكانيا, لا أبدو خائفاً من الكاميرا وأنا في هذه السن المبكرة, كنت أبتسم بوداعة وسعادة, ربما كانت أمي تقف بجوار المصور كي لا أشعر بالغربة في غرفة باردة تعج بالمرايا, تذكرت الآن! بدأت معاناتي مع الكاميرا بعد سنتين من الآن مع صور سفري الأولى, لم أرد أن أترك قريتي ورفاقي, كنت ساذجاً لأني رفاقي تخلوا عني في وقت لاحق, بكيت يومين متتالين حتى تخلى والدي عن فكرة السفر, لكن دموعي انحفرت عميقاً على وجنتي وباتت تترك انطباعاً غامضاً بالخوف مع كل صورة لي فيما بعد, أوه كنت طفلاً بلا عقد نفسية وأنا في السادسة من العمر, لكن ما هذا الذي يلامس حافة جبيني وشعري هناك في الأعلى, ربما كان عبث طفل أخرق بصورتي العتيقة, كم أكره الأطفال وهم يخربشون في كل مكان بأقلامهم الرخيصة, لكن لا! هذا ليس صحيحاً, هناك إحساس ناعم يتعدى خشونة خطوط قلم صبيانية بشعة, إنه كالقماش, ربما علي أخذ نظرة بعيدة متعمقة, فعلاً! كما ظننت تماماً, إنها شريطة سوداء صغيرة في زاوية صورتي المعلقة على الجدار وأنا طفل مبتسم في السادسة.
هذا محير قليلاً, أين أنا بالتحديد, إنه بيتنا القديم, لكنه لا يبدو كذلك, كل شيء مهدم يعلوه الغبار, وفي الأرض مجموعة كبيرة من الصور الممزقة, لا وجود لي إلا في اللحظات التي جمدتها الكاميرا في غفلة من الزمن والقدر معاً, أنا شبح يسكن ألبوم صور عتيقاً لا غير, لا سماء تفتح أبوابها لي, ولا أرض تفرش ورودها لأجلي, ولا امرأة تفرد ذراعيها لاحتضان بقايا جسدي, هناك فقط ظل غريب لمجهول مخيف يتدلى منه سلاح ما, لا أدري من هو, ولا يهمني, كلهم متشابهون, كلهم يلونون التفاصيل الرمادية برائحة الموت, كل الأماكن الرمادية مزيج من شرهم الأسود وأرواحنا البيضاء, أتساءل كم كنا سنكون أفضل لو لم نكن من نسل القاتل الذي دنس يديه بدم أخيه يوماً.
توقف الظل الشاحب في مكان ما قربي, ألقى مزيداً من فتات الصور التي مزقها بيديه, وأشعل فيها النار بعود ثقاب استله من مكان غير واضح تماماً, المسكين ربما كانت أوصاله متجمدة في هذا البرد الدمشقي القارس, التفت الظل نحوي, لم أميزه رغم أنه حملني بين يديه, الأشباح لا تميز سوى بني جنسها, هذه حقيقة مؤكدة, ربما يريدني أن أسهر معه كي لا يشعر بالوحدة, لكنه وكأنه لم يكتف بكل النار التي أضرمها من قبل, رماني في اللهب دفعة واحدة, لم يكن هناك زجاج يحميني من الحرارة, اشتعل الخشب والورق والروح دفعة واحدة, لم يبقى مني شيء, وطرت مع الرماد في كل مكان نحو أماكني المفضلة, لن أموت مجدداً, ما زلت في الخامسة والعشرين فقط, سأبقى في التفاصيل الصغيرة هنا أو هناك, وفي الغبار على سطوح المنازل الأنيقة, لكنني لن أعود أبداً إلى هنا, أجل لن أعود, أريد مكاناً آخر يليق بي, مكاناً يرقص ويغني ويتلون تحت الشمس ويغفو بسلام كلما هبط الظلام.

مكان يليق بي

مكان يليق بي

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s