التحرر الأخير قبل النوم

التحرر الأخير قبل النوم

التحرر الأخير قبل النوم

في تلك الليلة المنكوبة, كان الله في سمائه البعيدة يمارس هوايته الأبدية في تصنيع مزيد من الحمقى, وكنت أنا أمشي على الرصيف الطويل الممتد أمامي نحو منزلي الحقير في أطراف المدينة, كعادتي البائسة كل ليلة تماماً, لا فرق بيني وبينه على الإطلاق باستثناء أن هوايتي الوحيدة هي محاولة البقاء على قيد الحياة.
ما أطلق عليه بفخر مصطنع “منزلي” ليس في الحقيقة سوى سيارتي القديمة, إنها آخر ما تبقى لي في الدنيا, صغيرة جداً ولم يعد لها لون محدد, لكنها ستحجب عني دون ريب مطر الشتاء القادم على الأقل, رفعت رأسي أتأمل غيوم الخريف الأولى التي باتت تتكاثف ببطء مقصود فوق رأسي مؤخراً, سيكون أول شتاء لي هنا و.. لم أبالغ في الانسياق وراء مشاعري, أكملت سيري دون اكتراث.
تنتظرني سيارتي تحت الجسر الحديدي العتيق, إنه أحد أقدم جسور المدينة على ما أعتقد, منطقتي الأثرية التي لم تكتشف بعد, للأسف الشديد كان لونه أخضر وكنت أكره الأخضر, لم أتصور أن تكون إطلالة منزلي في أحد الأيام خضراء لهذه الدرجة, لكن ذلك لا يهم, فكل شي هادئ حولي, السيارات لم تعد تمر قربي منذ شهور, وتحول مكان وقوفي الأبدي تحت شجرة الكينا المسنة إلى شارع فرعي مهمل, حتى المارة أنفسهم لا يقتربون من هناك, هذا ألطف بكثير بجميع الأحوال, من حين لآخر تعبر الرصيف قطة بيضاء مرقطة بالأسود لكنها تلوذ بالفرار عندما تلمح ظلالي حول جسدها الهزيل, ربما كنت سأحيا هنا لأؤلف كتاباً ما لو كنت أجيد القراءة مثلما كنت في طفولتي البعيدة, لا أعتقد أني أتذكر حتى شكل الحروف بعد كل تلك السنين, لكني أذكر تلك الأناشيد الطفولية التي تعملتها, لم أكن أدري أن اسمها الحقيقي هو شعر, لم أقرأ شعراً في حياتي.
“عمي منصور نجار, يحمل في يده المنشار” .. كررت هذه العبارة دون توقف وأنا أمشي, رددتها بصوت عال أجوف, تلفت حولي لكن الشارع كان خاوياً سوى من الأشباح الهاربة من الجحيم, لو كنت واحداَ منهم لما وجدت مكاناً أفضل من هذا للاختباء بعيداً عن سياط العذاب الأبدي, ابتسامتي البلهاء باتت تضفي على سحنتي الوسخة منظراً مخيفاً للشيطان نفسه, لكنها كانت تمدني بالقوة للمضي قدماً نحو منزلي.
يقولون أن شبحاً مخيفاً يمشي هنا كل ليلة, لا يحيد أبداً عن الرصيف الممتد على طول الجسر إلى نهاية المدينة حيث الشوارع المبتعدة إلى اللانهاية, يمشي ببطء وتمهل دون كلل وهو “ينطط” رؤوس ضحاياه بالتناوب ككرة سلة داكنة تقطر منها الدماء بدل حبيبات العرق .. تواتر الضربات على الأرض الحجرية يثير قشعريرة باردة في أعتى القلوب الجسورة, أحياناً لا يراه أحد, لكن صوته يتردد هنا في جوف الليل منذ سنوات وسنوات.
ترهات غبية, لو شاهدت مثل تلك الخرافات أمام عيني لما صدقتها, هززت رأسي ونفخت صدري بعنجهية وأكملت سيري المتمهل, لكني توقفت فجأة والدم يتجمد في عروقي لبرهة, “طب طب” .. ربما كنت أتوهم لا أكثر, أجل أنا متعب فحسب, أكملت سيري بتردد لكن الصوت المخيف عاد ليهاجمني بغتة, لم أملك الشجاعة أو الرغبة للنظر خلفي, أطلقت ساقي للريح ولذت بالفرار, جريت وجريت وجريت حتى خانتني ساقاي المتعبتان, ووقعت على الأرض ألهث من شدة الإنهاك.
عمي منصور نجار, طب طب , يحمل في يده المنشار, طب طب .. انبثقت آلاف العيون من حولي وهي تبرق بتواتر غير آدمي, راسمة دوائر متداخلة حول رأسي .. لم أستطع الصراخ, كنت أرتعش وأنا أتراجع زاحفاً على مؤخرتي, ابتسامتي الشيطانية ترتسم بتحد أهوج على وجهي رغماً عني, ويداي تتحركان بعنف أمامي, وأسناني تطفئ النور الأخير في العيون الآتية من أرض الموتى باحثة عن انتقامها .. مني.
قهقهت بجنون هستيري عندما عدت وحيداً, ركضت ككلب مسعور نحو منزلي, اصطدمت بشجرة لم أرها في طريقي ورسمت خطاً رفيعاً من الدم الملوث بالشر نحو جحري البشري, والرؤوس التي قطعتها يوماً بمنشاري تتلاشى بعيداً في ملكوت الله اللامبالي, كنت أقوى من الله نفسه في تلك اللحظات المباركة التي كنت أردد اسمه فيها مع كل رأس يهوي من يدي نحو الشيطان, لعق دمائهم الحارة عن وجهي كان متعتي الكبرى, كنت أشبه قطاً كبيراً يلعق الحليب عن شاربيه الأنيقين, حسناً شارباي تحلقهما أصابعي الثخينة كل مساء بإصرار لا يرحم, لكنهما اليوم ينتشران بعبث خشن الملمس فوق شفتي.
اقتربت كثيراً من سيارتي حيث راحتي المعدنية, وقبل أن أصل وجدتني ألتقي بوجه بشري يبدو عليه الضياع, حدقت في المرأة التي تتلفت حولها بحثاً عن الطريق, لم أقتل امرأة في حياتي من قبل, لا شهامة في قتل مخلوقات رقيقة .. اقتربت منها دون أن أبعد ناظري عن بشرتها السوداء البراقة, أنت آلهتي الإفريقية التي أبحث عنها, سحر بلادك الهمجية سيحررني, أجل سيحررني, صرخت في داخلي بوحشية هائلة كوحشية تسونامي منتصف الليل وتقدمت نحوها.
اقتربت منها أكثر وأكثر, شاهدتها تهم بفتح شفتيها المكتنزتين لتلقي تحية ما, لكنها أحجمت عن ذلك ما أن رأت عيني الحمراوتين تفضحان سريرتي القذرة, تراجعت خطوة للخلف بتهور, لكن ذراعي الخبيرة كانت أسرع منها بكثير, جررتها نحو مزيد من الظلام غير مبال بثقل وزنها, وعندما خرجت كنت ألعق شاربي بتلذذ وحرية شيطانية تغزو صدري مثلما تغزو الغيوم فوقي كبد السماء.
استلقيت على مقعد سيارتي الخلفي أخيراً, أغمضت عيوني المتعبة وغرقت في الظلام, لم أعد أحلم بشيء منذ سنوات, لذا يمكنني النوم باطمئنان, لن تهاجمني الكوابيس الليلة بكل تأكيد, ستنتظر يوماً آخر أضعف فيه عن استجرار الأمان إلى داخلي, مددت يدي قليلاً لتلمس باب السيارة المعدني البارد, وغفوت بسلام.

Like This!

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s