الموت في مجارير المدينة

الموت في مجارير المدينة

الموت في مجارير المدينة

إنها المدينة الكبيرة تبتلعني, المدينة الكبيرة مسنة جداً بلا أسنان في فمها الكبير, لم تمضغني, مازلت قطعة واحدة, لم أقاوم أبداً, رضخت ببساطة للجاذبية وأنا أسقط في سوائل معدتها الحامضية, رائحة الأرصفة النتنة تفوح مع الأبخرة الإكسيدية المنبعثة من الفقاقيع التي تملأ المكان, الفقاعة هي المرحلة الأخيرة في حياة الجثث هناك, بالصيغة المادية المرئية على الأقل.
لطالما كرهت المدن الكبرى, لم أتخيل نفسي مطلقاً أنتهي في إحداها, الموت في قرية جبلية صغيرة أمنية لم أعرفها سوى الآن, غريب كيف لم ألاحظها وأنا حي, أعترف أنها أمنية غير مستقبلية, هي مجرد أمنية أخرى نحو ماض تلاشى, ربما لأن الموت في قرية جبلية صغيرة يبدو أقل نتانة مما هو عليه في الواقع, ربما تكون رائحة الأبخرة المنبعثة من فقاعات الموتى هناك مضمخة بصمغ الصنوبر أو لحاء الجوز.

هل تشبه رائحة فقاعاتنا الأخيرة حياتنا السابقة؟ ربما يكون ذلك صحيحاً, ففي حياتي البائسة كنت شخصاً نتناً, على الأقل في سنواتي الأخيرة التي لا أدري عددها, استحمامي كان مرتبطاً بموعد هطول الأمطار, أمر أتركه للرب فلا سلطة لي على يومي نفسه فكيف لي بالسيطرة على الغيوم في السماء, لا مغاطس فاخرة على أرصفة الشوارع للأسف, الجاكوزي أيضاً ليس متاحاً للمتشردين أمثالي, لا أعرف ما هو الجاكوزي حقاً ولا أريد أن أعرف, أريد أن أعرف المياه الساخنة مرة واحدة أخرى فقط.
لم يأت الشتاء بعد, رائحتي المختزنة علناً في تلافيف جسدي عتيقة بعمر الجفاف الطويل, رائحتي تتلاشى الآن, إنها تتحلل أيضاً مع تفسخ خلايا جثتي, للأسف إنها لا تنطلق غازاً ساماً أخضر اللون فوقي بصفير حاد, إنها تختفي بصمت فقط.
لا صوت هنا على الإطلاق, حتى أفكاري نفسها تتحرك داخل رأسي كمادة هلامية مصمتة أكثر من كونها سائلة رقراقة أيام حياتي, سقطت جثة أخرى بالقرب مني, ارتطمت بجوف معدة المدينة دون صوت أيضاً, الصمت خاصية لم أعرفها منذ سنوات, النوم تحت جسور المدينة كان عملية مقلقة حقاً, لم يكن هناك سوى تتالي الضجيج بتواتر لوني مزعج, ربما يحرك الشيطان السيارات بعد نوم أصحابها.
لم أستطع التحرك نحو الجثة الجديدة, الموتى لا يتحركون, تأملتها من بعيد بنظرات خاشعة مثلما ينبغي لجثة محترمة, لا بد أنه كان رجلاً غنياً في حياته, حاولت تحريك ساقي بعنف كل أتأمل ملابسه الجديدة عن قرب لكنني فشلت, ربما هذه هو قماش الجوخ الشتوي الثمين الذي نسيت كيف يكون, إنه عتيق الطراز جداً لكنه جميل مع الساعة الذهبية الضخمة في معصمه الأيسر, لم أمتلك ساعة في حياتي, لا معنى للوقت بالنسبة لرجل متشرد, لم أستطع تحريك ساقي, لم يعد لدي ساقان أيضاً, عملية التحلل تجري بأسرع مما توقعت.
لا أتذكر كيف مت, لا أحد هنا ليذكرني, الموتى دائماً وحيدون, ربما تعطلت أجهزة ذاكرتي من تأثير الأبخرة الكريهة القاتل في المكان حولي, ركزت بجهد كبير كي أتذكر لكن النتيجة كانت مزيداً من السرعة في تفسخي المحتوم, كنت حياً حسبما أذكر وفجأة وجدت نفسي هنا, لم يبق مني الكثير الآن, تحلل نصف جسدي حتى خصري النحيل, لم أشعر بلذة قصوى مع تحلل أعضائي الجنسية مثلما كنت أشتهي, الموتى لا يشعرون أيضاً.

الموت في مجارير المدينة

الموت في مجارير المدينة

بشكل غريب بدأت أشعر بالأسف على نفسي, حياتي كانت بائسة ويجدر بي الابتهاج للخلاص منها, لكنني بطريقة حمقاء مازلت متشبثاً بها, هناك ملايين الأمور الصغيرة التي لم أجربها بعد, لم أذرف الدموع, الموتى لا يبكون بل يتبخرون فقط, أصبحت عملية التحلل سريعة كأنها خرجت عن السيطرة, لم يبق مني سوى رأسي فقط.
بعد قليل وجدت نفسي أغوص في مجارير المدينة, لم أكن ميتاً بعد إذاً, كنت أهوي فقط نحو قعر بالوعة عملاقة مفتوحة في طريق ما, لا بد أنني فقدت القدرة على الشعور مع تتالي الأيام القاسية علي وأنا حي, كل شيء يبدو لي متشابهاً بحدة, حتى الموت والحياة باتا يبعثان في ذات الأحاسيس الجامدة.
حاولت فتح فمي كي أطلب النجدة, لكن ذلك كان متأخراً جداً, اندفعت السوائل الكريهة في فمي عنوة, واحترقت رئتاي مع شهقتي اليائسة للأوكسجين, الأوكسجين مادة غير ضرورية للموتى, كيف لم أدرك ذلك قبلاً, لم أنتبه أني كنت أتنفس بانتظام طوال الوقت, الظلام منعني من التفكير بشكل جيد.
يبدو أني سأموت الآن, عندما أفتح عيني مجدداً سأتذكر كيف كان موتي وبأي طريقة, لن أشعر بالأسف حتماً على ما فاتني في حياتي البائسة بل سأغمر ذاتي بالراحة والهدوء, الموتى لا يفتحون أعينهم بندم, بل يرقدون في سلام إلى الأبد, غرق كل شيء في ظلام مسالم.
فتحت عيني من جديد, وجدت نفسي ممدداً في مكان ضيق, ربما لم أمت بعد, هل أنا نائم على رصيفي القديم نفسه؟ للمكان ذات الملمس القاسي على أردافي لكنه يبدو أضيق قليلاً من المعتاد, لكن لا, أنا ممدد في تابوتي فقط, ربما انتشلني أحد ما بمحض الصدفة وألقوا بي في مقبرة تحوي رفاتي الآن, هذا مزعج وغريب, لا أريد أن أمضي وقتي منذ الآن إلى الأبد وأنا حبيس صندوق, ربما مازلت على رف صدئ في ثلاجة ما, تباً هذا أسوأ بمراحل.
حسناً, يبدو أن الموتى يستيقظون, لم أتوقع هذا, لا سلام حتى في الموت, ربما الموت في الجبال الوادعة البعيدة اكثر سلاماً, لن أعرف أبداً, حاولت إغلاق عيني لكنني لم أستطع, الموتى ينامون بسكون وعيونهم الكبيرة مفتوحة ومطفأة.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s