شبح موقع البناء

شبح موقع البناء

شبح موقع البناء

يا لها من لذة مفاجئة, موقع البناء يزخم بعد حرمان طويل برائحة المطر الطازج والإسمنت المجفف, تأخر الشتاء كثيراً هذا العام, وعندما وصل كان جافاً مرهقاً معصور الغيوم في أماكن أخرى يسكنها الحزن, هنا لا حاجة لرفاهية الغيوم, المياه المعلبة ومياه المجارير تفيان بالغرض أياً كان.
موقع البناء الفسيح يبدو بريئاً أكثر من براءته المعتادة تحت الشمس, رائحة الولادة التي تنتشر منه إلى الجوار تزكم أنفي بقسوة, هنا أعيش, لا أحد يعرف ذلك, ليس بعد على الأقل, إنه سر أحتفظ به لنفسي, أبتسم وأنا أصنع حفرة صغيرة في الطين بحذائي المتسخ, وأتلذذ بقدرتي على الخلق كإله أرضي مع منظر البركة الصغيرة التي شكلتها جداول المياه الصغيرة المنسابة برفق مخاتل.
اشتدت قطرات المطر فوق كتفي, ركضت نحو الجدار القريب لأحمي رأسي الحاسر من البلل, لوحت بسعادة لزملائي عمال البناء البعيدين عني في الطرف البعيد من الموقع وأنا أتراقص بخطوات رشيقة فوق البرك المائية الرمادية التي ترشق الماء حولها مع كل قطرة مطر ساقطة من السماء, لوحوا لي بالمقابل بزنودهم السمراء القوية وهم يلقون نكاتاً بذيئة حول رقصي الشاذ في المكان على ما أعتقد, عرفت ذلك من ضحكاتهم العالية التي وصلتني على استحياء أخيراً, ابتسمت وعرفت كم أحب تلك العصبة طيبة السريرة من الرجال.
لطالما أحببت رجال البناء دون أن أعرفهم بشكل شخصي, يبدون من بعيد أنقياء السريرة أينما كانوا, تأسرني عضلاتهم المنفوخة وظهورهم المتصلبة وجلدهم المفعم برائحة الإسمنت وأبخرة الولادة الحديثة مع كل غرفة يشيدون أعمدتها, للأسف لا أنتمي لهم فأنا أقذر من ذلك بكثير, ربما لو عرفوا حقيقتي النتنة لما ألقوا علي التحية برحابة صدر مثلما يفعلون كل يوم, وأعتقد أنهم سيكرهونني أكثر مما يكرهون المهندسين المتملقين ذوي بناطيل الجينز المكوية ونظارات الشمس السوداء, صحيح أنهم يودون لأبنائهم أن يصبحوا مرموقين مثل أولئك المهندسين اللعينين, لكن يبقى ذلك شيئاً آخر بالنسبة لهم, شيئا متعلقاً بالإحساس العام بالعدالة أو الحسد أو الرغبة في التفوق, لا يمكنهم معرفة ذلك بالضبط, ربما لو عرفوا حقيقتي يوم وجدوني مرمياً هنا في الطين وسط الساحة قبل شهور لضربوني بالرفوش المعدنية حتى الموت.
احتميت بالجدار أخيراً, قطرات المطر الباردة تملأ شعري الأشعث المليء بالغبار, فوقي تمتد شرفة إسمنتية لم تكتمل تفاصيلها بعد, أكره الشرفات أكثر من أي شيء آخر في العالم, وأكره من أضافها إلى فن العمارة الحديثة أكثر مما يكره الشيطان جموع المؤمنين, دعوني أقول فقط أنها لا تناسب طبيعتي, فهي تمتد من أجساد الأبنية الناضجة كأعضاء ذكرية متطاولة منتصبة في الفراغ ببلاهة فوق كومة من الملابس, وهذه الشرفة أسوأ من أي شرفة أخرى, فهي تمتد كعضو متهدل مثير للشفقة في وقت غير ملائم, الغرف تناسبني أكثر لاحتضان رجولتي العارمة بأنثويتها المغلقة, لا أبحث عن الدفء والسكون فيها أو ما شابه, فذلك كلاسيكي مناسب للحمقى فقط.
في الشرفات يتلاعب الهواء بكل شيء مثلما يتلاعب رشاش المياه في الحمام بالصابون المنزلق على الجلد المشعر, وتنكسر الموسيقا على نفسها بحدة الآلات الكهربائية في موسيقا الروك النزقة, أما في الغرف المغلقة فلا شيء سوى الغرف نفسها, تمتد الموسيقا في كل مكان دون حدود لترتطم بالجدران دون صوت, وتضم نفسها بتلقائية مولدة ألحاناً جديدة مع اختلاف النغمات التي تلج المكان باختلاف الأجساد التي تسكنها, أبخرة حارة تملأ الغرف برائحة العرق البشري الطازج.
سمعت صوت صفارة انتهاء العمل تتغلب بسهولة على صفير الرياح الشتائية الواهنة, انصرف العمال إلى بيوتهم الدافئة وأجساد زوجاتهم, تقلصت الضوضاء في المكان شيئاً فشيئاً, تظاهرت أني أستعد للرحيل مثلما يفعلون, ولوحت لهم بيدي بينما ألف المعطف الأسود القديم فوق كتفي الهزيلتين, وعندما صرت وحيداً ألقيت نظرة على المكان برمته كأني أراه لأول مرة, ذلك صحيح نوعاً ما فلم يسبق أن شاهدت المكان خالياً في منتصف الظهيرة حتى في أيام العطل, مشيت في المكان وأنا أتلو صلوات قصيرة لإله غير محدد.
توقفت في مكان أعرفه جيداً, هنا دفنت أولى ضحاياي, كان ذلك سهلاً بالنسبة لي, إلقاء الجثث في الشوارع ليس ذكياً, لكن إخفاءها في الحفر التي تملأ المكان هنا بعد منتصف الليل أمر سهل جداً, لم أعد أذكر كم روحاً أزهقت يداي الآثمتان, يمكنني الحفر في الطين لاستخراج الجماجم المتكدسة فوق بعضها بعبثية إن أردتم معرفة العدد الدقيق, لم أكن أقتل بقصد الحصول على المال, صحيح أنني كنت أسطو على المحافظ والجواهر وكل ما هو ثمين, إلا أنني كنت أقتل لمجرد الرغبة في القتل, كان ذلك مسلياً فقط ومثيراً في ذات الوقت, أحب اللحظة التي تستدير فيها مقلتا العينين نحو الأعلى بعيداً عن وجهي الجامد وأنا أخنق رقبة ما بيدي طويلتي الأصابع, كما أحب المفاجأة الممزوجة بالألم مع القضيب المعدني الذي يهوي على الرأس فجأة من الأعلى, للأسف لا أملك معدات التصوير الباهظة كي أخلد تلك اللحظات الفنية البديعة, كما أنني فاشل في الرسم أيضاً, لوحتي الأولى كانت نهراً أحمر اللون ينساب من الجبال نحو صبي وأمه قرب الكوخ الريفي المائل, وبخني المعلم باستهزاء أمام الجميع, لم يدرك أنني أرسم دم الأب الذي قتله دب بني مخيف في الجبال, ربما علي البحث عن ذلك المعلم الفاشل اليوم وقتله جزاء له, لكنني لست بحاقد كما تعرفون.
في الليلة الأولى لي هنا فكرت أن أكون ذكياً, المجرم يعود إلى مكان جريمته كل مرة, وأنا قررت السكن في مكان جريمتي, هذا يبعد عني الشكوك حتماً, أختار ضحيتي بالقرعة غالباً وهذا مثير للاهتمام إذ لا أدري من سيكون التالي على لائحتي, أتعرف عليهم بسرعة غالباً فلا وقت للمحادثات الطويلة هذه الأيام, ولا مجال للاتصال العاطفي مع أحد خلال وقت العمل, بجميع الأحوال أنام هناك في الأنبوب الطويل أمام باحة الحفر وظهري للمقبرة السرية الفسيحة, لا تنبعث الأشباح من القبور منزوعة الشواهد لتعكر صفو راحتي مثلما هو متوقع, ربما لأنني أحرص على تلاوة الصلوات لهم كل ليلة قبل أن أغفو, وربما لأنهم ممتنون لي لتخليصهم من بؤس أيامهم بطريقة لا أستطيع إدراكها الآن.
تكورت على نفسي في الأنبوب الضخم الطويل, أصدقائي الموتى يحيطون بي, لا أدري كيف سآخذهم معي عندما ينتهي العمل المضني في البناء بعد أشهر, سأوصيهم قبل أن أرحل ألا يبثوا الذعر في السكان الجدد للمكان كي لا يجلبو السوء لي بطريقة ما, عمال البناء سيأخذونني معهم إلى موقع جديد دون ريب, قلوبهم أطيب من أن تعرف حقيقة قلبي المخيفة, بت واحداً منهم الآن, قلت ذلك بصوت مرتفع وكررته حتى شعرت بالنعاس, ذلك جيد فالليلة أريد صديقاً جديداً بسلاسل حديدية ثخينة تقيد قدميه إلى قدره الأرضي رغماً عنه.
في الليل استيقظت رغباتي قبلي, خرجت من أنبوبي كما يخرج الدبور الشرير من شرنقة وهمية في أفلام الكارتون الخرافية, تجولت في الطريق بحثاً عن أي أحد, لن أجد أحداً بسهولة فالمطر والبرد القارس أسكنا الجميع بيوتهم باكراً, كان علي الانتظار بصبر في الشارع الطويل, اختفيت في الظلام متربصاً اللحظة المناسبة وبقيت هناك خلف الأشجار الكبيرة إلى الأبد, وما زلت أدور في الأرجاء حتى اليوم, منتظراً دون أن أدري أن جسدي تجمد في الأنبوب خلال غفوتي القصيرة, قبل أن تجرفه المياه نحو برك الطين في الصباح.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s