رومانسية خارجة عن المألوف في “زوجة المسافر عبر الزمن”

رومانسية خارجة عن المألوف في "زوجة المسافر عبر الزمن"

رومانسية خارجة عن المألوف في “زوجة المسافر عبر الزمن”

بأسلوب خاص جداً في الكتابة, وبتوليفة سحرية بين “السرد التقليدي” وتعدد الأصوات”, تنجح الكاتبة الأمريكية أودري نيفينغر (ميتشيغان, 1963 – الآن) في تحويل قصة حب عادية وحمقاء في روايتها الأولى “زوجة المسافر عبر الزمن” من حكاية يومية سخيفة إلى تحفة أدبية معاصرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
تدور الرواية في مدينة شيكاغو الأمريكية, لكن المكان مجرد تفصيل ثانوي إلى حد ما في الكتاب, حيث يبرز الزمان كقيمة طاغية في الرواية ليحرك الأحداث ويتحكم بقدر ومصير الشخصيات المختلفة, وعلى رأسها بطل الرواية هنري دي تامبل المصاب بخلل جيني يودي به إلى السفر والتنقل عبر الزمن دون إرادته وخاصة في المواقف الحرجة التي يتعرض لها, والطريف المؤلم أن بطلنا المسكين يجد نفسه دون سابق إنذار في عصر آخر مرتبط بحياته في الماضي أو المستقبل عارياً تماماً بعدما خلف وراءه كومة من الثياب في حاضره الغريب.
تتمحور الرواية بشكل كامل حول علاقة هنري بالفنانة التشكيلية كلير أبشير, حيث تعرف عليها لأول مرة خارج منزل والديها عندما كانت في السادسة من عمرها بينما هو في السادسة والثلاثين, ولسبب ما تتفهم كلير الصغيرة رؤية رجل عار في باحتها الخلفية وتتفهم أنه مسافر عبر الزمن, وتتفهم أنها ستقع في غرام ذلك الكائن الغامض لتتزوجه في المستقبل, وفعلاً يتزوج البطلان عندما تبلغ كلير الثالثة والعشرين بينما يكون هنري في الحادية والثلاثين.
البنية الزمنية للرواية وتأثيراتها على الشخصيات كبيرة جداً, فهنري هو المسيطر في الماضي والمستقبل عموماً حيث يمتلك المعرفة, لكنه في الحاضر مجرد شخص مصاب بمتلازمة جينية فريدة لتكون كلير هي التي تدري حقيقة ما يدور من حولها, مثلاً في العشرين من عمرها تلتقي كلير بهنري لأول مرة في “الحاضر” أثناء عمل هنري في المكتبة, هنري بالتأكيد لا يعرف تلك الشابة الغريبة التي تناديه باسمه لأن نسخه المستقبلية لم تسافر بعد إلى الماضي حيث كلير الطفلة والمراهقة, هذه العلاقة المتأرجحة في الزمن والمكتوبة بأسلوب خارق متنقل من سنة لأخرى دون الكشف عن كافة التفاصيل دفعة واحدة هي ما يجعل الكتاب مذهلاً.
لتحقيق أكبر قدر من التأثير, عمدت نيفينغر إلى استخدام أسلوب تعدد الأصوات خلال سردها للقصة, ففي كل فصل تتناوب كلير وهنري على رواية الأحداث كل من منظوره لتكتمل بذلك الصورة الكاملة لما يجري في ذهن القارئ, ومع لمسات وإضافات نيفينغر الخارجة عن السياق أحياناً, يرتفع مستوى التشويق والإحساس بالغموض والخطر والتواصل العاطفي مع الشخصيات, ففي مرحلة ما يجد القارئ نفسه عارفاً بما سيحدث في مستقبل هنري وكلير أكثر منهما, كما يجد نفسه متوتراً بسبب عدم قدرته على تحديد المأساة التي ستحدث لهما مع كثرة الإشارات لذلك في الكتاب.
تمتد الرواية لفترة زمنية تقارب أربعين عاماً, لتغطي حياة هنري بالكامل من طفولته وحتى وفاته, مع شطحات بعيدة من هنري نحو ماضي والديه وتحديداً أمه المغنية المشهورة التي فارقت الحياة في حادث سيارة غامض, أو نحو مستقبل كلير التي تنتظر عودة هنري إليها مسافراً نحو المستقبل وهي في الثمانينيات من عمرها, وتحفل تلك السنوات بكثير من الأحداث التي تكتمل تفاصيلها في نهاية الكتاب بعدما حصل القارئ على نتف صغيرة منها طوال قراءته 600 صفحة من القطع الكبير, ومنها مثلاً حادثة انتحار إنغريد حبيبة هنري السابقة أو تفاصيل وفاة هنري المتداخلة زمنياً على عدة مستويات.
يحدث أحياناً أن يلتقي أكثر من هنري في مكان واحد مع كلير أو من دونها, ومن المثير للاهتمام رؤية هنري الشاب الآتي من المستقبل وهو يعلم نسخته الطفولية في الماضي كيف يسرق الملابس وينتشل النقود من جيوب المارة كي يستطيع الحفاظ على نفسه عبر الزمن نحو الحاضر, كما أن نسخة من هنري الخارجة عن الزمن تمارس الجنس مع كلير بجوار هنري في الحاضر وهو نائم بعد عملية قطع القناة الدافقة, لتحمل كلير طفلتهما الوحيدة آلبا بعد سنوات من الإجهاض, ولتكتمل المأساة تعاني الطفلة المسكينة خلل والدها الوراثي, لكنها تتمتع به إلى أقصى الحدود, حيث يتيح لها لاحقاً اللقاء بوالدها المتوفى من حين إلى آخر.
على المستوى العاطفي, تبدو الشخصيات نابضة بالحياة وعامرة بالمشاعر, الحب والكراهية والانتقام والشغف والملل والطموح والشبق والانتظار كلها تمتزج في شخصيات الرواية المتعددة في إطار الزمن, وتبدو حقيقة عدم قدرة الإنسان على التغير الجذري واضحة في الكتاب, حيث تكرر الشخصيات ذاتها بأساليب جديدة كل مرة, وهو ما يحدث في الحياة عموماً, ويبدو أن نيفينغر تصر على هذه الحقيقة في شخصيات القصة الثانوية خصوصاً, مثل غوميز الثوري السابق والواقع في غرام كلير من طرف واحد.
يمتلئ الكتاب بالتفاصيل الصغيرة للحياة اليومية, الطهي وإعداد الطعام واختيار الملابس واحتساء القهوة والرسم والقراءة, وتزخر الصفحات بأسماء الفرق الموسيقية والكتب والأدباء والمفكرين والاقتباسات التي تشكل جوهر حياة الشخصيات, وبقدر ما يبدو ذلك مشتتاً أحياناً إلا أنه ضروري لعكس تفاصيل كل زمن وكل حقبة من حياة الشخصيات بدقة وأصالة.
من جهة أخرى, تمتزج الرومانسية الطاغية على العمل بالخيال العلمي, فالسفر عبر الزمن مستحيل لكن نيفينغر تطرح له حالة طبية جينية وراثية من بنات أفكارها الخصبة, فهناك أطباء في المستقبل يعملون على علاجه وراثياً, وفي العام 2011 نجد آلبا تتحدث عن حالتها أمام معلمتها بارتياح لأن تلك الحالة لم تعد سراً مثلما كانت مع هنري في القرن العشرين, كما أن خلق نيفينغر لهنري في المكتبة يعطيه أبعاداً ميتافيزيقة وجمالية إضافية حيث تغدو المكتبة إشارة من الكاتبة إلى العوالم السرية التي تخلقها القراءة عموماً عبر آلات الزمن الوحيدة وهي الكتب.
زوجة المسافر عبر الزمن, رواية ساحرة بتفاصيلها وغنية بالمشاعر والأفكار المبتكرة, صدرت عام 2003 باللغة الانجليزية, وصدرت ترجمتها العربية في عام 2010, علماً أنها تحولت لفيلم سينمائي يحمل ذات الاسم عام 2009 بعدما باعت أكثر من 5.5 مليون نسخة حول العالم.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات أدبية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s