منزل خالٍ من الكافيين

منزل خال من الكافيين

منزل خال من الكافيين

الأحذية تطير في الجو على ارتفاعات متفاوتة, روائح الأقدام البشعة تنتشر كسحابة خضراء هلامية المنظر, الحفاة يملؤون الطرقات الوعرة والعجب يعلو وجوههم ببلاهة متنامية, متعثرين بحصى الدهشة المتناثرة ونظراتهم الزائغة تعكس بحيراتهم الداخلية الجافة منذ الأزل, أنا الوحيد في المدينة بأسرها الذي يحتفظ بقدميه مغلفتين حتى الآن, مازلت أنتعل حذائي الممزق بفخر وصل متأخراً إلى حظيرة مشاعري المفروشة بالقش, ابتسمت واقعاً في غرام ذلك الحذاء العتيق تماماً كأول مرة وقعت فيها عيناي عليه في سوق رخيص, من قال أن الحب لا يدوم إلى ما بعد الشيخوخة وذَوْي الجمال الغابر؟ وأيقنت حق اليقين أخيراً أن الأحذية الممزقة كالدجاج المدجن لا يستطيع الطيران عن أصحابه بعيداً.
السرطانات المائية الحمراء تتسلق الأشجار الباسقة قرب شرفتي ببطء, ترفع لافتات صغيرة من الورق المقوى الرخيص معرفة عن نفسها باسم واحد كالعاطفيين الحمقى في المطارات الكبيرة, “كابوريا كابوريا” يصيحون بلوعة قزحية دون فجيعة حقيقية في الصميم, منادين صديقتهم الجميلة المتلوية بألم في قدر حار مغلق قرب نافذة المطبخ, وملاقطهم تصفق مستجدية أمطاراً مختلفة من السماء كعاصفة من الأسماك الطازجة ربما, بعدما أثارت شهيتهم رائحة الطعام البحري الطازج, عيون السرطانات تدور حولي بتعويذات سحرية سوداء, لعنة ما ستنصب فوقي مثلما انصبت يوماً فوق رأس أطلس المسكين, في أي لحظة الأن سينمو لي ذيل قصير يتعلق به سرطان ضخم إلى الأبد.
البحارة الأشداء بجلودهم المسفوعة شمساً وتيناً يتجولون في الأرجاء بخطاهم العسكرية المنتظمة وياقاتهم البيضاء المنشاة برائحة المحيط البعيد, يدفعون مراكب طويلة مدببة المقدمات على إسفلت الطريق الخالي من الزهور على جانبيه, عجلات صغيرة مثبتة أسفل كل زورق بصمغ رديء المنشأ تدور دون توقف بصرير يؤلم الأسنان, طيور النورس النزقة تدفن رؤوسها في بقايا رمال الشاطئ المتناثر على الرصيف من خف فتاة في السادسة من عمرها بعد نزهة الأمس مع والدتها الشبقة, ملابس السباحة النسائية المغرية تتجول على الشرفات المقابلة لمنزلي بابتذال فاضح وتناديني بإشارات من يدين غير موجودتين, الثداء الجميلة ترتطم ببعضها في اهتزاز منتظم.
الشمس تبزغ من حافة النافذة المغلقة ككرة ملونة متحركة في سقف مرقص ديسكو من السبعينيات, الستائر البوليسترية تقهقه بوضاعة مراقبة جسدي المترهل فوق السرير المصنوع من نوابض ميكانيكية الحركة, الشمس تدور في المكان جذلى ببلاهة أرضية بدل أن ترسم ظلالاً مستقيمة على الجدران, السجادة بحاجة للتنظيف من غبار الجو ورماد النجوم المتساقط إثر ليلة حافلة للآلهة في مراقص الجنان الأسطورية, غبار الجو يشبه فضلات الطبيعة التي تنثرها بسخاء وازدراء فوق رؤوسنا الحاسرة مشكلة عرقاً برائحة حمض الستريك على جلودنا الملساء وبرائحة الأمونياك على الجلود المشعرة, الأوراق البيضاء المتبقية تحت كومة الثياب على الأريكة اليتيمة ترحل من الباب الأمامي وهي تشتمني بأقذع الأوصاف.
جنرالي الصغير يقف باستعداد مؤلم بين فخذي معلناً رغبته الحاسمة في خوض معركة عاجلة, لا وجود للأعداء والأصدقاء في محيط رؤيتي المحدودة لذا عليه الانتظار, يداي الباردتان تتسللان بخبث نحوه من خلف حدود الملابس الداخلية كي تطفئا حماسته دون إشاعة اللذة في بريكاته الدموية, قذائف النابالم الأخيرة متعطلة للأسف بتأثير خيبة الأمل والصقيع, غطاء كرسي المرحاض الأبيض يغلق من تلقاء نفسه في الحمام القريب رافضاً بتقزز استقبال أي سوائل في الوقت الحالي, والصابون الأزرق نافذ الرائحة يفشل في إشاعة الراحة فوق وجهي المتغضن رغم برودة الماء المرشوش عليه عنوة من الصنبور الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة بشكل قطرات بلورية متواضعة مع السعال.
أتكور على ذاتي بانتظار يد حنونة توقظني من نومي الأخرق الذي طال لتقدم لي فنجاناً من القهوة الساخنة في السرير مثلما يفعل المترفون في المسلسلات الرخيصة, أفتح عيوني وأغمضها بضع مرات في لعبة ابتكرتها قبل سويعات لأقطع بها الوقت وأسميتها بعبقرية فجائية “خمن ما ترى”, لا أرى شيئاً الآن سوى السقف الداكن المرتفع في الهواء دون جدران وهو يهوي نحوي بعنف, أنتفض في مكاني مغطياً رأسي بذراعي في نوبة ذعر لم أتحكم بها جيداً, أنتظر رؤية نور منبلج ينبئني بموتي لكنه لا يحدث, أتذكر بسعادة بالغة أنني لم أسمع صوت اصطدام السقف بعظامي المنسحقة, أفتح عيني بارتياح كي أتأكد من كل شيء لأجد السقف مثبتاً في مكانه بقوة ما, أجلس في مكاني وأنا أتحسس عظام رسغي, بدأت أطفو فوق السرير بدوائر متتالية بحثاً عن أفكاري التي تسربت مني وأنا شبه نائم, انتشلت نفسي أخيراً من أضغاث أحلامي الهوجاء وقد جمعت أفكاري في سلة تنزه صغيرة, وسرعان ما اجتررت نفسي نحو النافذة أو الشرفة أو الخارج – لا فرق – بحثاً عن الهواء النقي.

منزل خال من الكافيين

منزل خال من الكافيين

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s