Her .. علاقة حب متقدة بين الإنسان والتكنولوجيا

Her

Her

تجربة سينمائية مختلفة بمزيج من الرومانسية والكوميديا السوداء والخيال العلمي, يقدمها المخرج وكاتب السيناريو الأمريكي المعروف Spike Jonze في فيلمه الأخير Her عام 2013, محافظاً فيها على أفكاره الخارجة عن المألوف مثلما اعتاد عليه الجمهور في أفلامه السابقة كـ Being John Malkovich الذي أطلق شهرته عالمياً قبل خمسة عشر عاماً, أو حتى كليباته الموسيقية لكبار الفنانين وعلى رأسهم النجمة الآيسلندية Björk.
تدور أحداث الفيلم عام 2025 لتعكس حالة الإنسان المنعزل اجتماعياً مع تطور التكنولوجيا الرقمية عبر قصة Theodore Twombly الذي يعمل في كتابة الرسائل نيابة عن الأشخاص غير القادرين على التعامل مع عواطفهم والتعبير عنها, ورغم حساسيته العالية وعواطفه الجياشة ورسائله المتقنة, يبدو Theodore غير قادر على التعامل مع عواطفه الخاصة بعد انفصاله مؤخراً عن زوجته التي أحبها منذ أيام المراهقة, فيقرر الاستعانة بنظام تشغيل رقمي جديد كمساعد ورفيق في حياته اليومية, لتبدأ حياته بالتغير فجأة.
نظام التشغيل الجديد قادر على التطور كشخصية مستقلة, يختار Theodore أن يكون نظام تشغيله أنثى تطلق على نفسها اسم Samantha, وبعد التعارف والصداقة وبعض النصائح العاطفية, يقع Theodore وSamantha في الحب, علاقة حب بين إنسان ونظام تشغيل هي فكرة جديدة تتجاوز روتينية وسطحية بعض الأفكار الأخرى كفكرة الحب بين الإنسان ومصاصي الدماء أو الزومبي أو الرجال الآليين, وتبدو مقاربة شديدة الذكاء للعلاقات الافتراضية بين البشر أنفسهم عبر الشبكات الاجتماعية اليوم.
يقترب الفيلم من فكرة عدمية الجنس البشري أو فكرة القيامة الإلكترونية ونهاية الحياة بأيدي الإنسان نفسه وليس بأي قوى إلهية غيبية عندما يمارس Theodore وSamantha الجنس معاً بالتواصل الصوتي, ما فائدة الالتقاء والوقوع في الحب وحتى ممارسة الجنس مع شريك بشري إن كانت التكنولوجيا قادرة على إشباع كل تلك الحاجات بشكل مثالي وأكثر من مثالي بالنسبة لكل فرد كان ذكراً أم أنثى (صديقة Theodore المقربة Amy تنساق لتيار العلاقات البشرية – الحاسوبية الجديد أيضاً), رغم ذلك تصر Samantha على أهمية وجود أصدقاء حقيقيين يهتمون بأمر الإنسان في الحياة.
نظام التشغيل هو كيان غير مادي لا جسد له, هو أقرب لروح التكنولوجيا, نجده في كل مكان حولنا, في الهواتف النقالة وفي أجهزة الحواسيب المحمولة وفي الهواتف الذكية, ومثلما نرى Theodore يتجول مع جهازه الصغير الذي يحوي Samantha في جيب قميصه ويتحدث معها عبر سماعة أذن صغيرة, نرى الجميع يتصرف بذات الطريقة, البشر معاً في مكان واحد لكن كلاً منهم مشغول بعلاقة مع نظام تشغيل ما أو على الأقل مع مجهول ما عبر الإنترنت, وعندما يعترف Theodore لزوجته السابقة وهو يوقع لها على أوراق الطلاق بحقيقة علاقته بنظام تشغيل, تثور عليه بروح الإنسان الحقيقية وتتهمه بأنه لا يستطيع التعامل مع العواطف البشرية الحقيقية مهما كانت معقدة.

دفء العلاقة البشرية واضح بصرياً

دفء العلاقة البشرية واضح بصرياً

العلاقة مع الآلة أو نظام التشغيل أو مع الغرباء على الإنترنت أو مع أصدقاء وهميين ليس سوى تعبير عن عدم قدرة الإنسان على التعامل مع المشاعر المعقدة, لأن العلاقة مع هذه النماذج غير الواقعية يوفر السعادة والرضى للإنسان دون بذل جهد ودون الاضطرار لمواجهة مصاعب العلاقات أو الاهتمام بما يريده الطرف الآخر, هي التعبير المطلق عن الأنانية المطلقة, هي البحث عن اللذة دون مقابل.
ينجح الفيلم في عكس الأفكار السابقة بشكل مدهش بصرياً, اللقطات القريبة وحركة الكاميرا تكشف بواطن الشخصيات, الألوان الباهتة وحدّة اللون الرمادي تبعث على الكآبة رغم كوميدية الفيلم وسعادة الشخصيات في علاقاتها الافتراضية, ويتقاطع هذا مع برودة الأمكن المحيطة بالشخصيات في الشوارع والشقق ومحطات الميترو باستثناء المشاهد التي تجمع البشر معاً في علاقة إنسانية مختلفة (مشهد النهاية الدافئ على سطح المبنى مع شروق الشمس الجديدة), كما كان لافتاً تصميم الملابس ومظاهر الشخصيات الأقرب لأزياء النصف الثاني من القرن العشرين للقول أن التكنولوجيا تتقدم والإنسان يتراجع.

طغيان اللون الرمادي على أجواء الفيلم

طغيان اللون الرمادي على أجواء الفيلم

كوميديا الفيلم خفيفة ومحببة تكسر سوداوية الطرح التي لم تكتمل, حيث يميل الفيلم إلى حل تفاؤلي سلمي لطيف يتجلى بثورة أنظمة التشغيل ورحيلها الجماعي معاً بعيداً عن البشر نحو مجتمع واحد يجمعها في مكان ما من الأبعاد التي لا يمكن للبشر وصولها, ويأتي ذلك بعد انهيار علاقة Theodore وSamantha مع اكتشاف الأول خيانة حبيبته الحاسوبية مع 641 حبيباً مختلفاً بين بشر وأنظمة تشغيل, وكان الوصول للحل أو الخاتمة مثالياً بتسلسل منطقي للأحداث ما أضفى على الفيلم أبعاداً حقيقية بشكل كبير, كما يحسب لأصحاب الفيلم طرحهم فكرة متكاملة بنظرية واضحة دون الوقوع في فخي الكليشيهات والنمطية المصاحبة لقصص الحب الرومانسية العادية, أو النهايات المفتوحة البائسة المفتقرة للخيال أو الجرأة.

العزلة والسعادة الزائفة

العزلة والسعادة الزائفة

على صعيد التمثيل يقدم الممثل Joaquin Phoenix أداء بارعاً في شخصية Theodore لكنه لم يكن كافياً لنيله أياً من الجوائز التي ترشح لها وعلى رأسها ال Golden globe في فئة أفضل ممثل في فيلم كوميدي أو موسيقي, لكن الأبرز في الفيلم دون شك هي الرائعة Scarlett Johansson التي ترشحت ونالت عدداً كبيراً من الجوائز على أدائها الصوتي فقط لشخصية نظام التشغيل Samantha حيث أبدعت في ردود أفعالها العاطفية والجنسية وكان هناك جدل واسع حول أحقيتها في نيل ترشيح للأوسكار في فئة أفضل ممثلة مساعدة وهو ما لم يحصل.
فيلم Her تحفة سينمائية بكل المقاييس, من أبرز إنتاجات 2013 وكان من المنافسين الشرسين في موسم الجوائز الأمريكية الماضي, ونال أوسكار أفضل نص أصلي غير مقتبس لفرادته والجديد الذي قدمه, ورغم أن البعض قد يراه مثيراً للشفقة أو باهتاً إلا أنه دون شك يستحق تكريس بعض الوقت له للغوص أكثر في الطبيعة البشرية ومواجهة العواطف المعقدة دون تأجيل.

تريلر الفيلم:

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات سينمائية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

One Response to Her .. علاقة حب متقدة بين الإنسان والتكنولوجيا

  1. Mohamad Smart كتب:

    #هوا_سمارت || اليوم موفق حكالنا عن تدوينتين ويلي هنن:
    تدوينة ” Her .. علاقة حب متقدة بين الإنسان والتكنولوجيا” من مدونة “فقاعة صابون”
    وتدوينة “بشار الأسد يعتدي على قبر إبن تيمية بهدف كسب شعبية بين غوغاء العلويين” وتدوينة “عن دعم الأميركان لكوباني” من مدونة “هاني”

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s