“أنا سارة، سارة أنا” لربيع علم الدين .. رواية أم مسودة ؟

"أنا سارة، سارة أنا" لربيع علم الدين ..  رواية أم مسودة ؟

“أنا سارة، سارة أنا” لربيع علم الدين .. رواية أم مسودة ؟

أنا سارة، سارة أنا” ليس كتاباً يقع الإنسان في غرامه منذ الصفحة الأولى حتى آخر سطر، لكنه في ذات الوقت ليس الكتاب الذي برغب المرء برميه من النافذة في نوبة من الملل أو الغضب، ببساطة هو كتاب يتربع في منطقة دافئة مسالمة نوعاً ما بعيداً عن استفزاز القارئ نحو مشاعر متطرفة كالحب والحقد مع طيف من الشخصيات الباهتة التي تتحرك على الورق بأسلوب كتابة مميز (كان بالإمكان تحسينه).
تحكي الرواية قصة سارة الفتاة اللبنانية المتمردة على جو العائلة اللبنانية الكلاسيكية الذي يقيد الحرية الفردية، وعبر “حوادث استثنائية” تتحول حياة سارة لتصبح الخروف الضال في العائلة سواء بحياتها البعيدة في الولايات المتحدة أو علاقاتها العاطفية الفاشلة المتكررة أو شخصيتها الأقرب للصبيانية بالمفهوم الشرقي من حيث حبها لكرة القدم أو تلفظها بأقدح المسبات والشتائم في طفولتها البعيدة، إضافة لعلاقاتها القريبة البعيدة من بقية أفراد أسرتها الذي يتميز كل منهم بخصائص لا تقل غرابة عنها (من وجهة نظر الرواية على الأقل).
لا تجري الرواية بسردية كلاسيكية متراتبة في الزمن، بل عمد الكاتب ربيع علم الدين إلى أسلوب مبتكر نوعاً ما لكسر الروتينية في الأحداث، فنتابع في الرواية محاولات سارة المتكررة لكتابة مذكرات حياتها، لكن سارة لا تستطيع تجاوز الفصل الأول مطلقاً كأنها لا تجد ما تكمل به الصفحات، فتتالى الفصول الأولى من مذكرات سارة علينا فصلاً أول وراء فصل أول، لتتشكل حياة سارة كاملة من جمع قطع الـ Puzzle الصغيرة المفتتة في الفصول الأولى، وهي النقطة المشرقة الوحيدة – إلى حد ما – في الرواية بالنسبة لي.
حكاية القصة سخيفة وهي بالتالي صفة تطبع حياة سارة نفسها، لا أدري إن كان ذلك مقصوداً من الكاتب أم لا: أن تحاول امرأة فاشلة بحياة لا أهمية لها على الإطلاق كتابة مذكراتها كمحاولة لإعطاء نفسها إحساساً بالأهمية في عالم شديد التغير، وذلك من منطلق تختصره فيرجينيا وولف بقولها الشهير: “لا حدث يحدث بالفعل إذا لم يدون”، وبالتالي فشل سارة في كتابة مذكراتها الدائم مبرر من جهة فشلها في الحياة نفسها ومن رغبتها في أن تحظى بحياة مهمة.
الأسلوب السابق جيد لكنه لم يكن كافياً لانتشال الرواية من السطحية لأنه صيغ ببساطة شديدة تفتقر للعمق، لا يوجد أي تفسيرات أو تدخلات من الكاتب لتقديم بواطن الشخصيات من الناحية النفسية وبالتحديد شخصيته الأساسية سارة، كان من المثير للاهتمام كسر روتينية الفصول الأولى المتتالية (التي تصبح مملة بعد الاعتياد عليها) بفصول تصور سارة وهي تحاول الكتابة كفعل وليس قراءة نتاج محاولاتها فقط، تلك الفصول المفقودة كانت لتنقل الرواية إلى مستوى آخر تماماً خاصة لو كانت عميقة بشكل يفسر الضحالة والتهميش الذي تغرق فيه شخصية سارة.
الملل من شخصية سارة ومحاولاتها العبثية قد يتفاقم لدى القارئ في أي لحظة، ففي كل فصل تقريباً تطاردنا عبارة مثل “أنا سارة، سماني جدي لأبي على اسم الممثلة الأسطورية سارة برنار”، فيما تزيد الحرب الأهلية اللبنانية اللبنانية من الملل، لا أدري لم يستند معظم الكتاب اللبنانيين على الحرب الأهلية إلى هذا الحد بشكل بات مبتذلاً وكأنه لا يوجد أمور أخرى للكتابة عنها رغم أن المجتمع اللبناني حالياً مليء بالتفاصيل الغنية والمثيرة للاهتمام أكثر من الحرب القديمة التي تعيش في الكتب كشبح فقد طاقاته الميتافيزيقية.
لا يوجد أصالة في الرواية، تبدو الأحداث المبعثرة على خط الزمن مركبة تركيباً رغماً عنها، وذلك فقط للالتزام بكلاسيكيات عربية ولبنانية في الأدب (كالحرب) .. حتى المساس بما يسمى “الخطوط الحمراء” بات كلاسيكياً بقدر البساطة التي يطرح بها الأفكار وكأنه بحث عن تسويق للرواية لا أكثر (الحب بين عرببة ويهودي، الخيانة، المثلية الجنسية والانتحار) وتبقى تفاصيل كالطائفية والعنصرية في المجتمع اللبناني غائبة تماماً، وأيضاً فكرة البطولة النسائية للرواية باتت كلاسيكية بابتذال خاصة عدم تقديمه لأي جديد (أي كاتب يحاول تقديم نفسه على أنه خارج عن المألوف يبحث عن شخصية أنثوية متمردة عن طريق الجنس دون تقديم العمق الكافي للطرح).
أعتقد أن عمومية الرواية ومحاولة تقديم حياة كاملة لعائلة كاملة فيها أساءا لها، وكان من الأفضل محاولة تقديم جزء واحد بعمق من كل تلك التفاصيل بدل تقديم نثرات سطحية لملايين التفاصيل الصغيرة (التركيز على علاقة سارة بديفيد مثلاً، أو أي حدث آخر بحيث تبدو كل الأحداث الأخرى خلفيات للقصة لا أكثر)، وعند الانتهاء من قراءة الكتاب يشعر المرء أنه أمام مسودة لمشروع رواية أكثر من كونه أمام رواية متماسكة، بحيث يرغب في إضافة ملايين الرتوش على كل صفحة.
بقية الشخصيات المحيطة بسارة أكثر إثارة للاهتمام من سارة نفسها، جدها المتوفى الذي سماها تيمناً بالممثلة القديمة سارة برنار أو والدها الطبيب الذي ترك الحب لصالح الزواج التقليدي وكلاسيكية الطائفة والدين والمجتمع في لبنان، زوجة والدها التي تصبح امرأة أعمال وتفاصيل خيانتها البسيطة، أمها الأمريكية التي وقعت في غرام رجل شرقي يتخلى عنها دون أسباب، وبالتحديد شخصية أختها لميا المصابة بالاكتئاب والعزلة والتي كتبت بعمق وإتقان شديد حتى تمنيت لو كان الكتاب كله عن لميا وليس عن سارة.
في الرواية يوجد بعض الأخطاء الإملائية والنحوية المتكررة، لا أدري إن كان ذلك من الترجمة نفسها أو هو أمر مقصود من الكاتب كإشارة إلى أن سارة لا تتقن الكتابة أيضاً (مكمل لشخصيتها الخالية من المعنى) تماماً كعدم إتقانها الرسم الذي وجدت نفسها تخوض غماره في الولايات المتحدة فجأة (البحث عن الذات في الفن والأدب نقطة مملة أيضاً، مئات الأفلام والروايات تدور حول ذات النقطة !!).
أنا سارة، سارة أنا” رواية للكاتب اللبناني ربيع علم الدين، صدرت عام 2001 باللغة الانجليزية في الولايات المتحدة تحت اسم I، The divine وصدرت ترجمتها العربية متأخرة نوعاً ما في 2013 عن دار هاشيت أنطوان اللبنانية.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات أدبية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s