أن تشعل فكرة خير من أن تلعن الظلام

أن تشعل فكرة خير من أن تلعن الظلام

أن تشعل فكرة خير من أن تلعن الظلام

أن تشعل فكرة خير من أن تلعن الظلام, أقول ذلك لنفسي بينما أبحث بجهد عن الحروف الصحيحة في حاسوبي المحمول مهتدياً بضوء الشاشة الضعيفة كنبي يهتدي بنور الإله, متلمساً بأصابعي حواف الظلام الدامس الذي يحيط بي لليوم الثالث على التوالي في أشرفية بيروت حيث أقطن منذ سنة تقريباً.
إنها الحالة الجديدة التي يجب أن أعتاد عليها في الأيام القليلة القادمة على الأقل, فعطلة العيد ثم عطلة نهاية الأسبوع تمنع موظفي مؤسسة كهرباء لبنان من إصلاح العطل الذي ضرب المنطقة برمتها هنا, المولدات المحلية الصغيرة لا تستطيع تلبية احتياجات الحي أيضاً, كل جيراني يعانون نقصاً حاداً في الطاقة, هذا مثير للسخرية إنها المرة الأولى التي أساوي نفسي بهم.
سأشعل فكرة أولى فوق رأسي كي تزيل شيئاً من السواد المحيط بي, في ظلام بيروت أكتب عموماً عن ظلام داعش, لا أستطيع في هذه اللحظة أن أفصل بين الظلامين, رؤيتي البشرية المحدودة لا تساعدني للأسف, الظلام كلمة واحدة فضفاضة تجمع النقيضين معاً كعباءة سوداء, يقولون في نشرات الأخبار المتشائمة أن داعش ستأتي إلى هنا لتبسط نفوذها على لبنان أيضاً, لا أدري في تلك الحالة المأساوية ماذا سيحل بي فأفكاري المجنونة لن تروق لهم على الإطلاق, هذا سخيف بالفعل, إن داعش التي تقلقني هي ذاتها داعش التي أحصل بالكتابة عنها نقوداً كثيرة! هذا لا يفيد أليس كذلك؟ التفكير بداعش ينشر الظلام في رأسي أكثر من انتشاره الحامضي حوله, علي أن أشعل فكرة جديدة بسرعة وإلا هلكت اختناقاً.
في أفلام الرسوم المتحركة القديمة, كانوا يظهرون لنا الأفكار النيرة بشكل مصابيح صغيرة مضيئة فوق الرؤوس الكارتونية الهزلية, الأفكار كلها في تلك الرسوم تكون بلهاء عموماً, لا أدري لماذا, ربما لأن الأفكار البلهاء تثير كثيراً من الضحك أكثر من الأفكار الجادة, هذا يبدو منطقياً في عالم صناعة الترفيه, كم هذا سخيف, لكنها البلاهة هي المنطق الوحيد في عالمنا غير الكارتوني أيضاً, هي المنطق الوحيد في عالم لا منطقي تندلع فيه حرب بلا نهاية تقطع فيه الرؤوس وتفجر في البراميل ويتقاتل فيها الجميع على السلطة بشراهة.
سأشعل فكرة أخرى, الفائدة الوحيدة للظلام المحيط بي هي أن لا عصافير كريهة تزقزق الليلة, العصافير السجينة في أقفاص ضيقة لدى أحد جيراني في الطابق الأسفل تظن نور الشارع المباشر فوق الشرفة فجراً أبدياً, أريد أن أشفق عليها لمعاناتها من النور الساطع طوال الليل والنهار لكنني لا أقدر فأنا بطبيعتي الغريبة أمقت الطيور المغردة بكافة أنواعها, الليلة لا وجود سوى للصمت المريح, سأفكر بنقطة إيجابية أخرى للظلام كي أبعد عن ذاكرتي صوت العصافير المزعج الذي بدأ يتردد في جنبات رأسي … حسناً أستسلم, لا إيجابيات أخرى, سأكتفي بإشعال فكرة أخرى فوق رأسي فقط, فكرة واحدة للخلاص.
أشتاق لصوت أزيز الكهرباء, أشتاق لصوت مكيف الهواء وضجيج الثلاجة المعطلة, أشتاق للنور الأخضر الصغير في دردشة فايسبوك, لا أستعمل الدردشة كثيراً فأنا كائن انعزالي غير اجتماعي, حتى افتراضياً, لا أستخدم الدردشة عموماً إلا في سبيل مقالة جديدة أحضر لها, أو لأسأل عن موعد استلام نقودي لا أكثر, ربما علي تغيير ذلك عندما تعود الكهرباء, أجل علي التحول إلى كائن يبرز اهتمامه بالآخرين, لكن لا, لا أريد أن أفرض إزعاجي على الناس فرضاً, لا أريد أن أكون ثقيل الظل, الاختفاء في ظلام غرف الدردشة لا يناسبني حقاً, أعتقد أن هذا النوع من الأفكار الظلامية لا يناسب الحالة التي أنا فيها الآن حقاً, علي الابتعاد عنها فوراً.
قبل أيام سافر شريكي في السكن إلى سوريا حيث ظلام الحرب يبدو أبدياً, أنا وحيد في الظلام البيروتي المؤقت, لو كان معي هنا لقمنا بشيء مسل معاً كالتنزه في الشوارع المظلمة دون حديث معين, أتذكر نزهاتي القليلة في شوارع بيروت الكئيبة, في وسط المدينة مثلاً أعاني من الفراغ, الشوارع الفارهة على الطريقة الإيطالية خالية من المارة, والمحلات الفخمة مغلقة باكراً, اللافت في الأمر أن الضوء هو الشيء الوحيد الذي يبقى موجوداً هناك, الإنارة القوية في الشوارع والإنارة الباذخة التي يتركها أصحاب المحلات لعرض البضائع للفضائيين المارين فوق الكوكب خلسة أو لطرد الأرواح الشريرة, لم أجد تفسيراً مرضياً آخر لتلك الفعلة الشنيعة النكراء, إنارة كل محل على حدة كفيلة بإنارة بلدة لبنانية صغيرة أو حي صغير كي لا أتهم بالمبالغة, والكل يرمي نتيجة إهماله على المجتمع أو على الظروف, الكل لا يرى قبائح ما تصنعه يداه.
فكرة أخرى تشتعل فوق رأسي من تلقاء نفسها, هل يوجد كهرباء كافية في سوريا, الكل على فايسبوك يشكو من قلة الكهرباء هناك, لا أتذكر طوال سنوات حياتي في سوريا أن حرمت من نعمة الكهرباء لمدة طويلة كهذه, لا يمكنني التعجب من نقص الكهرباء في بلدي الآن حيث الحرب الطاحنة ودوامات العنف المتعددة, لكنني أتعجب من كهرباء لبنان التي انتهت حربها ظاهرياً منذ عقود, لا مبرر لكل ما يجري هنا حقاً, عندما كنت طفلاً كنت أسمع في نشرات الأخبار أحادية الاتجاه أن لبنان يستمد كهرباءه من سوريا, لم أكن أعرف إن كان ذلك حقيقة أم خيالاً ولم أكن أعرف إن كان ذلك نوعاً من التآخي العربي المزعوم أم ماذا, كنت أستهجن كل ما أسمع رافضاً تقنين الكهرباء المحدود لنصف ساعة فوق رأسي لصالح الغرباء, اليوم أرغب بأن يعطي أي أحد الكهرباء للبنان كي أتنعم بتلك الهبة مع مواطني البلد على حد سواء, أنانيتي المفرطة لا حدود لها حتى في تفاصيل حساسة كهذه.
لا أدري إن كانت داعش توفر الكهرباء لمواطني دولتها المستحدثة في شمال سوريا والعراق أم أن النظام السوري هو من يمد الكهرباء إلى الرقة وجوارها مثلاً, ولا أعرف إن كان الناس هناك يتذكرون ما هي الكهرباء حقاً, لا أعرف أحداً يقطن في تلك البقاع البعيدة, ربما علي التعرف على بعضهم عبر فايسبوك مثلاً كي أستسقي منهم الخبر اليقين, لكن لا, لا أريد أن أعرف, الجهل نعمة كبرى لا يتم تقديرها في أغلب الأحيان فالحقيقة لن ترضيني مهما كان اتجاهها, تباً لقد عادت أفكاري من تلقاء نفسها نحو ظلام داعش, هذا سيء!.
كل أفكاري التي أشعلتها تنطفئ الواحدة تلو الأخرى, أريد أن أشاهد فيلماً لكن الطاقة المتبقية في حاسوبي لا تكفي لأي نشاط ترفيهي, الرفاهية مرتبطة بالكهرباء إلى حد لا يصدق, ربما لأنها العنصر الناقص في حياتي الآن, وربما لأنني لا أريد أن أمضي بضع سهرات كإنسان الكهوف البدائي, الإنسان البدائي يعرف الظلام أكثر من الجميع, يعرفه أكثر من القاتل المأجور الذي يختبئ في الظلام, أريد أن أكتب قصة عن قاتل مأجور يظهر في النور فقط, لا سأكتب قصة أسميها لا كهرباء في منازل هذه المدينة, إنه عنوان مسروق من رواية لم أقرأها بعد, علي إيجاد عنوان آخر قبل أن يسطع النور في الصباح, نور الصباح سيمحق ظلام أفكاري أو ضوءها الخفيف دون رحمة بانبلاجاته القوية, نور الصباح قوي إلى حد إشاعة ظلام أبدي في العيون المحدقة به مباشرة.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات شخصية وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s