غيمة فقيرة الملامح

غيمة فقيرة الملامح

غيمة فقيرة الملامح

غيوم قليلة تتحرك في الفراغ السماوي الداكن حولي، أراقب غيمة واحدة منها باهتمام منقطع النظير، لا أدري لماذا بالتحديد، ربما لأنها فقيرة الملامح مثلي تماماً، أو لأني لا أملك لبؤسي فتاة أتأمل انحناءاتها المثيرة، أحاول التجسد فيها إلى حد الالتصاق من وراء الزجاج المتسخ لكنني أفشل، “يجب علي أن أغسل ذلك الزجاج النتن”، أفكر بتصميم أحادي الاتجاه لا بد له أن يخبو في أي لحظة الآن، لقد خبا.
لم أهتم يوماً بمراقبة الغيوم في السماء أو محاولة تفسير أشكالها المتعددة بنزق خيالي طفولي كما يحلو للآخرين فعله باسترخاء وهم يتمددون على أعشاب المروج الخضراء في ريف بريء النسمات مثلما تظهر أفلام الرسوم المتحركة أو قصص الأطفال المصورة المغلفة بورق أخضر، أدرك اليوم أن كل تلك التخيلات سحابية الهوية ليست إلا تجلياً آخر للفقر لا أكثر، أتذكر كل القصص التي قرأتها في طفولتي البعيدة وكل أبطال الرسوم المتحركة أصحاب الخيال السماوي الواسع، جلهم كان من الفقراء المعدمين وبعضهم كان من أولئك الرومانسيين المنفصلين عن الواقع، حسناً، تباً للألهة أو شكراً للشيطان – أو بالعكس لا أدري – لست من كلا النوعين، كنت حتى أيامي الأخيرة أستمتع بحياتي لحظة بلحظة دون العوز لخيال أشحذه عبر غيوم السماء.
تتشكل الغيمة المختارة أمامي بصورة ديناصور صغير، ربما كان عملاقاً مخيفاً في يوم ما، أبتسم وأنا أتذكر الكتب التي كنت أمتلكها عن الكائنات المنقرضة، كانت غرامي الأول خلال نشأتي السعيدة، لا بد أن ذلك الديناصور يبتسم الآن في مكان ما من جوانب الزمن المتوارية خلف أستار العوالم دون أن يدري لماذا، السبب أني أفكر به الآن في لحظة ما من المستقبل السحابي الأبيض، تضمحل الغيمة بشكل غريب متداخلة ببعضها كما تتمازج سوائل العشاق معاً فوق سرير رخيص لا يصله نور الشمس، لا أحتاج كثيراً من التركيز كي أعرف أنها باتت كائناً منقرضاً آخر هو ثلاثية الفصوص، لطالما أغرمت بذلك الكائن المسكين القبيح الذي كان معرضاَ في حياته القاسية لشتى أنواع السخرية من الكائنات المنقرضة الأخرى بسبب شكله المنفر، لم يكن أي كائن منقرض ليرى كل ذلك الجمال المختبئ ببراعة ولؤم إلهي قذر تحت القشرة القاسية، تلك خواص طورها القبيحون بأنفسهم بطفرة وراثية ما لتتناقلها الكائنات بطريقة ما حتى يومنا هذا، الحاجة لشيء تودي بالمورثات إلى اتخاذ صيغ جديدة كل مرة.
أريد أن أنقرض أيضاَ، سيكون لطيفاً لو يتذكرني أحد ما بشكل غيمة رمادية كثيفة وهو يراقب السماء بسعادة غامرة أو حزن فائق في آخر ليالي الصيف، لا يتذكرني أحد اليوم وأنا على قيد الحياة فربما يتذكرني أحد بعد موتي، “رحمه الله كان رجلاً طيباً” جملة لن تفيدني، أريد نوعاً آخر من الذكريات الأكثر حميمية، لا أعتقد أن ذلك ممكن بجميع الأحوال، نحن نتذكر الكائنات المنقرضة كفصيلة وليس كأفراد، لا أتذكر بكل تأكيد الديناصور المنقرض دينفر أو ثلاثية الفصوص نيكول، وهكذا لن يتذكر أحد الرجل الغامض X أو المرأة الفاتنة Y بمجرد النظر إلى غيمة إلا إن كان مخبولاً، عمومية السحب تبعدها عن هكذا تفاصيل دقيقة محكومة برومانسية الذاكرة أو بلاهتها.
سأموت فقط، لن أنقرض ! أكتشف ذلك فجأة، لا أكفي وحدي لتشكيل فصيلة جينية جديدة، حتى لو أردت تخيل ذلك لا أستطيع، مخيلتي الصدئة لم تشحذ جيداً بألعاب الغيوم البسيطة عندما كنت طفلاً مدللاً، الغيوم وحدها تراقبني بشماتة لأنها تدرك تماماً أني أتحسر على إضاعتي لفرصة أن نصبح أصدقاء عندما كانت الظروف مواتية، لن تفهم الغيوم أبداً من مكانها الطوباوي البعيد أني لم أصبح فقيراً يليق بها سوى الآن، ولن تدرك بكل تأكيد معنى كلماتي لأنها لا تعرف سوى تدرجات الألوان على بقية الغيوم التي تمارس ساديتها الجنسية فوقنا من علٍ كل شتاء، هي لا تعرف مصطلحات كالنقود أو المال أو الفقر أو الأورجازم، كما أنها كأداة للتخيل عاجزة وظيفياً عن أداء فعل التخيل من تلقاء نفسها.
الفقر اللعين ذو الرائحة الواحدة أينما حل لا يبدل حقيقة نفسه حتى في لعبة الغيوم، فلسفته الوجودية تثير الحنق داخلي، من وراء الأفق القصير الذي يمتد خلف الزجاج أميزه رابضاً كتلمود حجري غير مفسر، يحيط بي بحروفه المسمارية وأنا أحاول تسلية دماغي بترهات سحابية كي أبعد أفكاري عنه، الفقر يولد الفشل، أو يأتي مع الفشل مزيناً بشريطة وردية مع أغلفة براقة، أعود للتركيز في غيمتي الصغيرة، لا أراها لكنني لا أنصدم بتلك الفاجعة متحطماً كشظايا صغيرة نحو الأفق المضاد، بكل بساطة يبدو أنها تلاشت في العدم أو اختفت مع الرياح وراء أحد المباني في جهة ما خلف فقري.
بقية الغيوم لا تثير في نفسي أي رغبة لتتبعها، الغيوم كالنساء أشتهيهم جميعاً كفصيلة دون أن أحصل على واحدة منهن دون الأخريات، طبيعتي لا تتغير كصياد جمعي أحمق، ربما لهذا أوصلت نفسي إلى الفقر لأني أعامل النقود بذات المنطق الأبله أيضاً، أحس بحرماني مع عدم قدرتي على ملاحقة جديد مهما كان، أريد أن أضمحل بالمعنى الفيزيائي للكلمة كما اضمحلت غيمتي لكن طبيعتي البشرية المحدود تمنعني من ذلك.
أشرب الماء بشراهة لأني قرأت يوماً أن الماء يتمتع بقدرة التحول إلى شكل الوعاء الذي يحتويه، أريد لجسدي أن يتشرب تلك الخاصية بطريقة ما بتناولي جرعات مضاعفة مبالغاً فيها، الخطوة التالية ستكون امتصاصي لخواص الماء الأخرى، كالتبخر، الغيمة مياه متبخرة متكاثفة مع طبيعة شبحية كطبيعة الموتى، لن يتم الأمر إذاً قبل أن أن أموت فأنا لن أنقرض، بانتظار ذلك علي أن أشرب أكثر كي أتكاثف بسرعة أكبر، حرارة الشمس ستتكفل بالباقي حينها، لا أعتقد أنكم ستميزونني من خلف نوافذكم المتسخة، الفقراء لا يملكون ثمن منظفات الزجاج والأغنياء لا يمتلكون الوقت الكافي للتخيل.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s