الوقت والملل

الوقت والملل

الوقت والملل

إنها الخامسة فجراً, لست ادري لم أنا مستيقظ بمثل هذا النشاط في مثل هذا الوقت المبكر, لست شديد الانشغال مثل آني شيرلي لأصحو بسعادة وهمة قبل شروق الشمس, لا واجبات منزلية متراكمة كحلب الأبقار وتظيف الأطباق يجب علي إنهاؤها, ولا تنتظرني طريق طويلة لقطعها نحو مدرسة وسط الثلوج الكندية القاسية, وللأسف لا أملك شيئاً من خيالها الواسع لأتسلى به وأنا أحدق في السقف الذي لم يتحرك عليه أي ظل داكن ممتع بعد.
إنها الخامسة فجراً, يبدو الوقت أمامي طويلاً بلا نهاية, طويلاً مقترناً بالملل الأعظم, لو كنت كاتباً بارعاً لكتبت رواية فلسفية تحت عنوان “الوقت والملل”, الملل كما أعتقد هو المحرك الوحيد للحياة البشرية, وربما للآلهة أيضاً, أتصور أن الله يشعر بالملل طوال الوقت, لذلك خلق البشرية وبقية الكائنات في لحظة نزقة وصل فيها سأمه إلى الحد الأقصى, لا أدري إن كانت حالته تحسنت بعد كل تلك السنين منذ بدء الحياة, قبل ذلك كان المسكين وحيداً في ملكوته الفارغ, أحياناً تكون الوحدة أشد وسط الآخرين, أعتقد أن الله يحس بذلك الإحساس تماماً, كغريب خجول من أصول محافظة في حفلة شبابية ماجنة, لا بد أن الوحدة أقسى عليه بأضعاف كثيرة وهو يعرف مصير كل حركة مهما كان حجمها في الكون, المعرفة التي يمتلكها ستزيد من عزلته لا أكثر.
لم تتحرك العقارب كثيراً, الخامسة ودقيقتان فقط, لا أصدق أن كل تلك الأفكار الكبرى استغرقت مني دقيقتين فقط لسردها, السرد العقلي السريع شريك أبدي للوهم, كنت أظن أني لو فكرت بأمور كبيرة كالآلهة سيمر الوقت بسرعة أمامي, هذا هو الوهم دون شك, لم يكن وهماً لذيذاً, إنه وهم فقط دون منكهات إضافية, الشعور به مزعج لا يحمل اسماً خاصاً به, آني شيرلي كانت لتستعمل كلمات كبيرة لسرد أفكارها الكبيرة, التفكير بالكلمات الكبيرة يستغرق وقتاً طويلاً دون ريب, لا يوجد في أفكاري المسرودة قبل قليل أي كلمة كبيرة, أنا مجرد أخرق في هكذا مهاترات لغوية, أنا أخرق في كل شيء تقريباً.
ربما التفكير فيما سأفعله اليوم سيسرع الوقت, توافه الأمور تأخذ حيزاً كبيراً من وقتنا دون أن نشعر بها, سأنهض وأغتسل, لن أحلق لحيتي, الظلال الرمادية قد تجعلني جذاباً ولو ليوم واحد, لن أبالي بالحكة فوق تفاحة آدم الخاصة بي, لا أدري لم أحب أن أعذب نفسي بالحكة, أنا متأكد أنني لن ألتقي أي فتاة جميلة اليوم, لن ألتقي أي فتاة على الإطلاق حتى لو كانت قبيحة, حسناً في الواقع لن أخرج من المنزل أبداً لذلك لن أقابل أحداً, لهذا فقط لا أريد أن أشذب لحيتي, لا أريد أن أضيع دقيقة واحدة من وقتي الثمين في ترهات الأمور كالحلاقة العبثية, هذا سخيف, الحقيقة, لا يوجد شيء آخر لأعمله, الوقت فائض عندي إلى حد لا يصدق, لا أدري لماذا أريد الحفاظ عليه بتلك الصورة المتفانية, ربما لأنه الشيء الوحيد الذي أمتلكه حقاً, حسناً ماذا بعد؟ لا شيء, الفراغ فقط لا أكثر.
الخامسة وثلاث دقائق, هذا سخيف, انتظار الوقت كي ينقضي من تلقاء نفسه مثير للأعصاب, سأتجاهل الساعة المعلقة على الحائط, أشعر بها تمد لسانها الطويل نحوي بسخرية وقحة, لا هذه أفكاري البريئة وأنا طفل صغير فقط, هي ترفع إصبعها الأوسط بحركة بذيئة وعينين حادتين غير عابئة بشيء نبيل كالتصرفات المهذبة, حسناً سأرمي بتلك الساعة قليلة التهذيب من النافذة, لكن ليس الآن, بعد قليل عندما أنهض, لا أرغب بترك السرير الدافئ لأمر تافه كالانتقام من ساعة غبية. هذا ليس سريراً أيها الأحمق, إنها أريكة ضيقة طويلة. أدرك ذلك, لكنه المكان الذي أنام فيه لذا الأريكة هي سريري. هذا أفضل من أن تطلق عليه اسم المخدع مثلاً. أعتقد أنك مصيب, لكن التسمية تروقني, المخدع, ألا تشبه كلمة الخداع بطريقة ما؟ لن تجيب, يبدو أنك سيء في المهاترات اللغوية أكثر مني.
الخامسة وخمس دقائق, الوقت لا يمر, الساعة تتوقف, عقلي لا يضخ مزيداً من الأفكار لقتل الوقت, الوقت ينتصر على الجميع في النهاية, لست من الجميع فأنا أعتز بفرديتي المطلقة, هذا لأنك لا تستطيع أن تكون جزءاً من الجميع, أنت فاشل اجتماعياً, هذا صحيح لكنه لا ينفي أني أعتز بفرديتي, هل تعتز بها حقاً؟ لا يهم, المهم كيف ستقتل الوقت؟ دعنا نمارس الجنس, لا تحرف الكلمات, إنه مجرد استمناء لا أكثر, لا تهمني التسمية بقدر ما يهمني الفعل الممتع, إنه فعل كئيب النتائج ألا تتعلم من تجاربك السابقة, بلى ولكن لا شيء آخر أفعله, تعرف ذلك, أجل, أشعر بالملل أنا أيضاً, بالطبع فانت تتجول داخل جمجتي الفارغة من الأفكار.
الخامسة وتسع دقائق, يدي اليمنى تمتد من الأريكة نحو الأرض وهي تقطر سوائلي اللزجة على الأرض, اكتئاب حاد يطوف في جمجتي مع أصواتي الداخلية الأخرى, لم يأخذ ذلك وقتاً طويلاً أيضاً, أنا بارع في إنهاء كل شيء بسرعة خاطفة, هذا ليس جيداً تماماً, نحن في بلاد لا تقدر السرعة على الإطلاق, السرعة ترادف الموت النزق فقط على الطرقات, ربما الحياة هي طريق ما أيضاً, طريق أحادي الاتجاه نحو العدمية, طريق تمتد ببلاهة نحو اللاشيء, الفراغ فقط يحيط بها من كل جانب, هذه حياتك أنت فقط, فأنت لا تنتمي للمجموعة, أتذكر ذلك؟
الخامسة وإحدى عشرة دقيقة, النوم يداعب جفوني فجأة, أتعرف, ربما أنتمي لمجموعة ما في نهاية المطاف, فالرجال عموماً يشعرون بالنعاس بعد الجنس, لم يكن ذلك جنساً كان مجرد استمناء قذر, قلت لك لا تهمني التسميات ولا المهاترات اللغوية, كلا التسميتين تنتهيان بقذف السوائل والنعاس, النعاس المبارك في هذه اللحظات سيقودني للرقاد, وهذا أمر عظيم يعادل اكتشاف قارة جديدة بين محيطين, الرقاد سيقتل الوقت لساعات كاملة قادمة, الرقاد أشبه بأسلحة الدمار الشامل يغتال الثواني مجتمعة في لحظة واحدة, أتسمعني؟ يبدو أنك غفوت قبلي, يجب ألا أستمر بالتفكير أكثر, التفكير يقتل الرقاد, الرقاد يقتل الوقت.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

5 Responses to الوقت والملل

  1. Sabrin Ali كتب:

    سمعت اليوم بأن ذلك الذي امتلك وقتا لم يمتلكه قبله أحد، سوى آبائنا الذين في السماء، قال بأن السر هو بالمحافظة على السكون خارج إيقاع ماراثون الحياة، الركون ثباتا مثل سلحفاة، المشي وثبا مثل حمامة، و النوم مثل كلب. و منذ اليوم صار همي أن أتعلم كيف تنام الكلام!

    Liked by 1 person

  2. brain-in-sane كتب:

    جميل جدا، تخاطف الأفكار، القفز ما بين الأفكار بشكل طبيعي كما يدور في عقل اللاوعي في تعبه، هوسه كتصفح كتاب بسرعة شديدة تتقلب فيها الأفكار بعضها بعض، وكل هذا بشكل سلس مع عقارب الساعة التي تلذغ القارئ ما بين التعجب والضحك، “رواية قد قُذِفَت على القراء بسرعة شديدة”

    إعجاب

  3. brain-in-sane كتب:

    قام بإعادة تدوين هذه على إنسان،.

    إعجاب

  4. ليس ضروريا استخدام مفردات كبيرة لانتاج فكرة مهمة، جميل كيف تقضي 9 دقائق على الورق، تبد كما لو أنها حياة

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s