400 دولار لأريكة واحدة وثلاث طاولات

400 دولار لأريكة واحدة وثلاث طاولات

400 دولار لأريكة واحدة وثلاث طاولات

لطالما كرهت بيروت، لكنني لم أكرهها أبداً كما أكرهها الآن، ثلاث سنوات قضيتها في المدينة الرمادية اللعينة دون أن أستطيع فك رموزها كما ينبغي، ثلاث سنوات تعرفت فيهم على عدد محدود من الأصدقاء، أو دعوني أستخدم هنا كلمة المعارف فهي أصح وأجدى ، معارف لا يتعدون أصابع اليدين ربما.
أقلب الأسماء في هاتفي المحمول عتيق الطراز، لا أملك المال الكافي لشراء هاتف جديد لذا أتظاهر بكرهي للتكنولوجيا الحديثة، أريد أن أتصل بأي أحد، أريد أن أسمع صوتاً بشرياً يعرفني، لا أجد في قائمة اتصالاتي أحداً أستطيع فعلاً أن أكلمه، لا أدري لم أنا وحيد هكذا، لست سيئ الأخلاق ولا صعب المعشر لأبقى في هكذا وحدة، لا أدري حقاً ما السبب، أنا فقط جيد جداً في خسارة الأصدقاء أو إبعاد الناس عني، لا أعرف كيف ألتقي بهم، ولا أعرف كيف أقابلهم أو أين ومتى، وهناك لعنة غريبة تدفع كل من أرتاح بالبقاء معهم إلى السفر بعيداً، منذ كنت في السابعة من عمري وأنا أعرف ذلك الإحساس بتلك اللعنة (دعوني أسميها هكذا لأني لا أجد كلمة أخرى لوصفها).
أتظاهر دوماً بالقوة واللامبالاة، تزعجني صور الأحباء المتعانقين على فايسبوك لكنني لا أعبر عن ذلك الانزعاج الذي يذكرني بوحدتي الأبدية أنا الذي لم أكن في علاقة غرامية مع فتاة من قبل، أريد ذلك لكنه لا يحصل لسبب أو لآخر، ربما لا أعتقد أنني جدير بالحب، أو ربما أعتقد أنني لا أملك شيئاً لأقدمه في المقابل، أكتفي بوضع لايك سريعة على تلك الصور قبل أن أخفيها عن الصفحة الرئيسية، أتذكر مجدداً أنني لا أخرج من المنزل كثيراً لذلك لا أقابل الفتيات.
أشبه نفسي لبطل فيلم Her أو لبطل رواية الجوع لكنوت هامسون، أنا أقرب لذلك الأخير ربما، أخاف من ذات المصير البائس من ناحية مادية وحتى من ناحية الوحدة الخانقة، لا أجيد التعامل مع المشاعر المعقدة، أتعلق بالأشخاص بطريقة غريبة ومرضية، ليس تملكاً بقدر ما هو رغبة في الاستقرار، ربما لهذا أخشى كل شيء، لا أتحمل أن يتركني أحد رغم علمي أن لا أحد يبقى مع أحد إلى الأبد، أختلف عن البطلين السابقين في أني لا أمتلك أي حلم أو أي Fantasy عقلية أسعى لتحقيقها، في عقلي لا شيء سوى السواد، لا أشاهد الأحلام حتى عندما أنام، ربما لأنني لا أمتلك تلفازاً.
أن أسكن وحيداً هو كارثة بحد ذاتها، أدرك ذلك منذ كنت أقيم وحيداً في الحدث (إحدى ضواحي بيروت البعيدة)، قبل فترة أيضاً عدت وحيداً في بيروت، المكان كله بات كئيباً، أمكث طوال اليوم في المنزل، عملي كله من المنزل، لا أخرج، لا أطيق المشي وحيداً في الشوارع، لا أطيق المكوث وحيداً بين الجدران البشعة، أخاف الخروج كي لا أضطر للعودة إلى منزل فارغ، وأخاف المكوث في المنزل لأنني أعرف أن لا أحد سيعود إلى المنزل لنتناول الطعام معاً.
أبكي هذه الأيام دون أن أستطيع إيقاف ذلك الضعف البشري، كنت أبكي في أيامي الطويلة التي قضيتها في “الحدث”، أدرك تماماً أنه لا يجب علي السكن وحيداً لكن يبدو أحياناً ألا خيارات أخرى، يقولون لي أنه علي أن “أغير جو”، لا أستطيع ذلك أيضاً، لا أريد حلول مؤقتة لكل مشاكلي في الحياة، أريد حلاً أبدياً، ربما أنا طماع في هذه المسألة أيضاً.
أريد زيارة أهلي ولو لأيام قليلة، أشعر أن ذلك مستحيل، لا أدري لماذا لكنني أشعر أنه مستحيل، لم أرهم منذ نهاية صيف 2013، أشتاق لحياتي القديمة هناك، لذلك الدفء في منزلنا، هنا لا أملك شيئاً ولا أستطيع أن أمتلك شيئاً، أشعر أنني أقطن في حفرة عند الطابق الخامس لا أكثر، في غرفتي المستقلة أريكة وثلاث طاولات (ربما أربعة) وثلاجة وغاز صغير لا غير، أشعر بالبؤس وأنا أفكر بالـ 400 دولار التي أدفعها كل شهر مقابل المكان الوضيع، أشعر بالظلم أيضاً وأشعر أنني لا أستحق هذا النوع من الحياة.
أوهم نفسي أنني سأكتب هنا أكثر، أعرف أنني أكذب على نفسي، لا يمكنني الكتابة في هكذا مكان، أضطر لكتابة مقالاتي كي أستمر في حياتي البائسة فقط، لا أدري ما السبيل إلى الخلاص حقاً، تبدو كل الأماكن متشابهة بحدة، هنا أو في ألمانيا أو حتى لو عدت إلى سوريا نفسها، مشكلتي ليست في المكان، مشكلتي في نفسي، لا أدري ماذا أريد ولا أدري كيف أتصرف لأنال ما أريد، أشعر أني فاشل، وأني لا أمتلك المهارات الكافية to survive حسب المنطق الاصطفائي.
اكتشفت في الأيام الأخيرة أنني مقتنع بفكرة أني خسرت كل حياتي، أو بفكرة أنني لا أملك حياة على الإطلاق، أشعر أنني أحيا على الهامش غير الملاحظ، لا أحد يهتم فعلاً ولن يلاحظ أحد إن اختفيت عن الكوكب مثلاً، أريد أن يكون لي عائلة مرة أخرى، أشتاق للتفاصيل الصغيرة وللحنان، كلمة الحنان تذكرني بكل الحرمان الذي أحيا فيه، حياتي جافة إلى أبعد الحدود، أكتب كثيراً من تلك الجمل على “فايسبوك” لكن لا أحد يبالي.
الساعة الآن تقترب من السابعة مساء، ألاحظ إبريق الشاي المفضل عندي على الطاولة وقد بات بارداً، لم أستطع أن أشرب رشفة واحدة منه منذ أعددته عند الثالثة ظهراً، أفقد تدريجياً رغبتي في الأشياء وهو نوع متقدم من المأساة، لا أحاول أن أحول حياتي إلى دراما تراجيدية، أكتب هنا ما أعاني منه فقط، لا أدري لماذا، فقط أكتبه، كقربان ربما أو كرغبة في الخلاص، أعرف أنه أمر عبثي فلا أحد يقراً.
الفقر، الغربة، الحرمان، الوحدة، الضياع، الاشتياق، النوستالجيا، الوحشة، وعشرات المشاعر الكريهة الأخرى التي ترادوني، ربما عليي ألا أفكر بأي شيء لكن منظر الأرض العارية من أي شيء يغيظني ويدفعني للتفكير من جديد بكل ما سبق، هي دوامة مفرغة من القرارات الخاطئة ربما، قرارات أرى نفسي أجبرت عليها، لا خيارات في حياتي، أفتقد الخيارات مثلما أفتقد سريري في غرفتي في ديرعطية.
أدعو الله أن يفرج عني وأنا عادة لا أتطلع إليه كثيراً، أكره أن أربط نفسي بالقوة الغيبية لكن لا أملك إلا ذلك، أدرك أني بحاجة للمساعدة لأنني تعبت وكل شيء حولي بات فوق طاقتي، لا يمكنني احتمال المزيد، هي نقطة الحضيض بالنسبة لي، لا أدري كم سأمكث فيها.

ملاحظة: ما سبق كله جزء من حياتي وليست نصاً أدبياً من الخيال كالمعتاد.

وليد بركسية

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات شخصية وكلماته الدلالية , , , , , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to 400 دولار لأريكة واحدة وثلاث طاولات

  1. salma subh كتب:

    كتير أنا زعلانه علشانك .. إن شاء الله يتحسن مزاجك وتقابل ناس يغيروا ليك المود دا 🙂 .. تعالى مصر زيارة عندنا أكشن طول اليوم ممكن يغيرلك جو 🙂

    إن شاء الله تلاقي الإستقرار قريبا كلنا في فترة من فترات حياتنا بنقابل نفس المشاعر دي

    إعجاب

  2. أحمد العقدة كتب:

    وليد الوليد .. هي فقاعة صابون جديدة تعيشها لا أكثر

    اعجبني التنويه قبل الملاحظة .

    إعجاب

  3. lady كتب:

    جميل ما كتبته ربما لكونه يشبه شئ داخلنا صادق ورقيق ومؤلم

    إعجاب

  4. sa كتب:

    جميل

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s