عشر أصابع ودماغ

عشر أصابع ودماغ

عشر أصابع ودماغ

أنا على قيد الحياة ربما، لست واثقاً من حالتي المثيرة للشك، قد أكون ميتاً، الراحة التامة التي تغمرني على نحو مقلق تشير إلى ذلك، الموت مرحلة مريحة في دورة الحياة كما تعرفون، مرحلة نهائية ساكنة دون تقلبات أو حوادث مفاجئة أو منعطفات على الطرق والدروب الريفية المنبسطة ودون ظلال المجرمين في الأزقة الخلفية للمدن المزدحمة الضاجة بالحياة نفسها.
أنا على قيد الحياة أم لا، لست متيقناً أين أرقد الليلة، وحيداً منبسطاً دون تكورات في مكان معتم، ربما يكون هذا قبري مثلاً، أي منزلي الوحيد فيما تبقى لي من وقت قبل أن أتحلل وأندثر وأتفسخ مصدراً أبخرة لا مرئية عديمة الرائحة، ربما دفنني أحدهم في المقبرة العمومية الرمادية الكئيبة التي لم أتخط سورها الحجري الضخم مطلقاً، أو ربما لم أدفن بعد. أجل، ربما يرقد جسدي المسكين في ثلاجة ضيقة بأحد المشافي العملاقة، لكنني لأكون صادقاً معكم أرجح الخيار الأول بعد تفكير بسيط، الحرارة هنا عالية لدرجة مازال فيها العرق يرشح من تحت إبطي جثتي وهذا مستحيل لو كنت في ثلاجة فعلاً، لكن لا يمكنني الجزم في هذه الحالة أيضاً، ربما يكون للبرودة تأثير معاكس على الجثث، وإن صدق إحساسي وكنت ميتاً فلا عجب أنني لم أعرف ذلك بعد، ربما علي الشعور بالحماسة لاكتشاف كل تلك القوانين التي تنتظرني في عالم الموت الساكن، قوانين جديدة دون ريب وإلا لما كان هناك داع قوي لاكتشافها، لكن الجثث والموتى وأنواع الزومبي المختلفة لا تحس بالحماسة ولا بأي شيء آخر.
إن تركت الوقت يمر دون تفكير فإنني سأكتشف في النهاية ما يجري من حولي، سيكون ذلك سهلاً إنما لن يكون ممتعاً بالدرجة نفسها التي تولدها خيبة الأمل عندما تتدفق بين أصابعي العشرة، لطالما كنت هكذا مهووساً بالتفكير في الاحتمالات، احتمالات لي واحتمالات للغرباء من حولي، لا ألتقي كثيراً بالغرباء فأنا أكره وجودي الدائم المريض في خيالاتهم مع تبدلهم بمرور الزمن، أشعر بنفسي أقتحم عنوة الهواء الساكن منزوع الأوكسجين بين جماجمهم العظمية البيضاء وأدمغتهم الرخوة، أحب أن أدس نفسي بين أفكارهم الروتينية لأستكشف احتمالات ما لهم ولي أيضاً، وأحب أن أغفو في القحف الواسع الشبيه بوسادة معقرة قبل مغادرتي لكل واحد منهم إلى الأبد.
انتهت حياتي، ربما كان علي أن أستغل خاصيتي التسللية الفضولية في نبش الاحتمالات من قبورها الدماغية عند مشاع الغرباء الذين التقيتهم في الشوارع والباصات، لو فعلت ذلك بالشكل الأمثل لأصبحت كاتباً مرموقاً، أو مجرد كاتب دون أن أكون مرموقاً، لكنني لم أفعل، أحب أن أصف نفسي بالمفكر فذلك أفضل من مواجهة حقيقة الفشل، أصابعي العشرة تكتب دوماً أفكارها في مكان ما من الفراغ، حسناً لا بد لي من الاعتراف بذلك في مرحلة ما، كنت كاتباً في وقت ما لكنني تركت تلك المهنة التعيسة للرومانسيين الحمقى، كم أنا ماهر في اختلاق الأكاذيب الرخيصة، وكم تنطلي عليكم كلماتي بسهولة، في الحقيقة لم تكن مهنة بقدر ما كانت نزوة أو هواية أو رغبة شريرة لا أكثر.
عندما كنت على قيد الحياة، أبعدت أصابعي العشرة عن مكانها المفترض مع الحروف والكلمات، وحاولت إبعاد دماغي عن جماجم الآخرين، لماذا تتساءلون وتتعجبون هكذا؟ إنه ليس أمراً غريباً أو مستهجناً بالنسبة لي، في الحقيقة أردت أن أكون أكثر من مجرد عشر أصابع ودماغ مثلما أنا عليه في الواقع، يحق لي سلوك طريق فرعي أليس كذلك؟
لا كيان مادياً لي، ليس بالمعنى الفيزيائي للكلمة فأنا موجود في ثلاجة من الثمانينيات كجثة كما أخبرتكم قبلاً، لكن جسدي ضئيل كأنه ليس موجوداً من الأساس، لست ماهراً في استخدامه كغيري، لا أشعر به يستفزني لتحريك أعضائه الضامرة، كانت الكتابة نزعة شريرة تشدني نحو عالم الكلمات والجمل والنقط وعلامات الترقيم، عالم من اللونين الأبيض والأسود، عالم لا أكون فيه سوى دماغ يحرك عشر أصابع لإنتاج مزيد من الأبيض والأسود، كان ذلك مقيتاً وكريهاً، ولكي أجتث تلك الرغبة الشريرة من داخلي كان علي أن أجد لنفسي مهمة أخرى في الحياة.
أردت دائماً أن أكون شيئاً آخر أكثر قوة وجمالاً وإبهاراً من مجرد دماغ رمادي رخو وأصابع هزيلة بلا خواتم، أردت أن أكون كتفاً عريضاً يسند الأخشاب في مبنى ضخم قيد الإنشاء، وأردت أن أكون معدة منبسطة تصلح منضدة صغيرة لتقديم القهوة عليها صباح يوم العطلة دون ان تهتز من تراكم الترهلات عليها، وأردت أن أكون قضيباً منتصباً على الدوام دون تهدل بعد لحظات اللذة التي تولدها الأصابع العشرة، وأردت أن تدخل أصابعي عوالم جسدية ملونة صاخبة ورطبة بين فخذي امرأة مختلفة كل ليلة بدل عوالم الكلمات الجافة المكررة برتابة كريهة منذ الأزمان السحيقة إلى أبد الآبدين.
ليس غريباً أن أشعر برغبة ملحة للكتابة وأنا ميت فيما أنبذ الكتابة بجنون مسعور وأنا حي، رغبتي الملحة لأن أكون كاتباً مرموقاً أو غير مرموق وأنا راقد كجثة مفكرة ليس سوى دليل على أنني اتخذت القرار الصحيح، فكل شيء مقلوب في عالم الموتى كما أخبرتكم من قبل، الأشخاص العاديون البعيدون عن التفكير البراق تتلبسهم عادة مشاعر الندم والحنين المرضي لعالم الأحياء من أجل إصلاح حياتهم السابقة، ومن هنا يأتي الاختلاط بين العوالم ومن هنا أتت قصص الأشباح في المنازل المهجورة ومن هنا ستأتي الرحلات السياحية بين العوالم في المستقبل القريب، كل ذلك لأن أولئك الموتى العاديين لا يدركون بسرعة قوانين عالم الموت المقلوبة رأساً على عقب، أن تشعر بالندم هنا يعني أن عليك ألا تقلق من واقعك القديم الذي تركته في فوضى عارمة بعد رحيلك، لكنني كشخص بدماغ مفكر أستطيع إدراك تلك الحقيقة دون استخدام أصابعي العشرة.
لكن ماذا لو لم أكن ميتاً كما أتصور، ماذا لو كنت على قيد الحياة، هي لعبة الاحتمالات تنبثق في خلايا دماغي الرمادية من جديد، أين يمكن أن أكون يا ترى؟ لست في غرفتي بكل تأكيد فكل شيء هنا معتم لحد لا يصدق، وهو ضيق إلى درجة تتنافى مع طبيعة منزلي الواسع، ربما كنت في ماخور رخيص طالما فكرت مراراً بالتوجه إليه، هل نفذت تلك الفكرة فعلاً؟ لا يمكنني تصديق ذلك، لكن لا، الرائحة هنا لا توحي بجو الشبق المفترض في ماخور أياً كان مستواه، إذا أين أنا؟ لست مستلقياً في حانة ولا في سرير لفتاة قابلتها بالصدفة، تلك الاحتمالات لا تتواجد في حياتي، ولست متدثراً بأوراق بيضاء كما كان يحصل عادة معي عندما أغفو مع رغبة جامحة في الكتابة الليلية القذرة، ولست في منزل أحد أصدقائي فأنا أقرب للعمة الانعزالية صاحبة القطط الكثيرة، حسناً دون القطط ودون أن أكون عمة أيضاً، لا يمكن أن أصف نفسي بالعم هنا حتى لو كان وصف العمة الأنثوي بشعرها الرمادي الأشيب مهيناً لرجولتي المزعومة.
أين أنا؟ ربما علي ألا أعرف الجواب أبداً، فربما علقت داخل جمجمة أحدهم بصورة مادية ظلامية وأنا أتجسس على احتمالاته الحياتية مثلما اعتدت لسنوات من الزمن، يبدو ذلك منطقياً مع أن جماجم الآخرين بدت لي دائماً مكاناً رحباً لطيفاً لا نهائياً بعكس المكان الكريه هنا.
أتساءل كيف سيكون الأمر لو تسللت رغماً عني إلى داخل جمجمتي أنا، لا أعتقد أن المكان هناك سيكون فسيحاً مثلما هو عند الآخرين، أعني بحقكم كيف يكون واسعاً وأنا مجرد دماغ بعشر أصابع فقط؟ لا بد أن يكون مقراً معتماً ضيقاً للأفكار السوداوية لا غير، لكن ذلك لا يهم الآن فهو شبه مستحيل، كيف يمكنني أن أدخل إلى جمجتي وأحبس هناك رغماً عن إرادتي؟ ذلك سخيف، إنه ليس عالم العجائب الذي تضيع فيه الفتيات في جحور الأرانب! علي أن أفكر أكثر بمنطقية عن مكان وجودي الحقيقي، ربما علي أن أنهض أولاً أو أن أحرك إصبعي هنا أو هناك بحثاً عن مفتاح النور.
لا فائدة ترجى من كل ذلك، لذا دعوني أعود بكم إلى البداية المنطقية السهلة، ربما أنا ميت فقط، التفكير أمر مرهق حتماً، أنا ميت وهذا يكفيني للبقاء مسترخياً للساعات القليلة القادمة، أنا ميت حتى لو كنت على قيد الحياة.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s