النزوات 2

النزوات 2

النزوات 2

أنت نزوتي الجديدة، نزوة لليلة واحدة فقط، نزوة أدفع للالتقاء بها في مرقص صغير مكاسب أسبوع كامل من الكتابة، لكني لا أستطيع مقاومتها وهي تتلوى أمامي كموجة لونية بارزة بلا ظلال على خلفية من الإزعاج البصري، أنا ضعيف أمام النزوات مهما تعددت أشكالها، جسد يقف على الطريق بكعب عال وشعر مشدود، أو كلمة جديدة بأجنحة براقة تدور فوق رأسي متخيلة مصباحاً صغيراً يومض مع كل فكرة، أو شمس تفرش لي أشعتها على الشرفة كي أذبل دون شعور بالخوف من الفناء.
أنت نزوتي الأخيرة التي لن تكتمل، لكنك لا تعرفين ذلك بعد، دعيني أتوقف داخلك قليلاً لأبث فيك معنى كلمات بعيدة عنك وعن النزوات. دعيني أحدثك عن الحزن والأسى والتوق والعزلة، دعيني أحدثك عن الفراغ. اعذريني، كلها كلمات خرقاء تصدر مني كنزوة مباغتة رغم استغراقي بكافة أجزاء جسدي وجسدك في نزوة لذيذة من نوع آخر.
أنت نزوتي الأخيرة، بعدك سيتغير كل شيء نحو السكون، لم يخبرني أحد بذلك ولا أقرأ المستقبل في أوقات فراغي الفضفاضة، لكنني أدركه من تلقاء نفسي كنزوة سريعة تهب قرب ضلعي الثاني عشر، بعدك لن تكفي أي نزوة بمفردها لشحذ نصل خيالي وإطلاقه من غمده ليعربد داخل جمجمتي، وبعدك لن يتكور الزمن ويختفي نقطياً من تلقاء نفسه أمام نزوة لم أختبرها من قبل، المفاجأة تنتفي وينتفي معها أي إحساس بالمغامرة، وحدها النباتات تموت وقت الكارثة لأنها لا تستطيع الحركة، النزوة وحدها لا تكفي للاستمرار في الحياة.
النزوات التي تؤرقني لا تؤرقك، نزوة عابرة مثلك لا تمتلك نزوات خاصة بها سوى مباغتة ضحاياها، تلك ليست نزوة بحد ذاتها، هي أقرب لخاصية مميزة من صميم النسيج الذي يشكلك، الساتان لا يتمزق بسهولة عندما يكون مبللاً، هكذا تقول الحكايات الخرافية، قد لا يكون ذلك دقيقاً لكنه مناسب لتوصيفك كنزوة لليلة واحدة بطريقة حمقاء.
النزوات باتت تأتي إلي مجتمعة كحشد من الأصدقاء الظرفاء في نزهات ليلية داخل سيارة كلاسيكية، لا أقاوم البهجة، ولم أفعل؟ أرمي أنفسي داخل التيار الممتع وأنساق بجسدي مع اختلاجات السيارة على الطريق اللامحسوس، لا نسير في شوارع المدن ولا نقطع أزقة الريف ولا نعبر الزمن، الأنوار الأمامية غير ضرورية في رحلتنا، النور الخلفي الخافت يباغت النزوات التي تأخرت عن الركب ويحثها كي تسرع في خطواتها نحوي لالتهامي عند أول توقف طارئ.
ليست نزوة بحد ذاتها لكنها تولد في داخلي مزيداً من النزوات كي لا تتوقف السيارة عند الزاوية التالية، النزوات تولد البنزين ولا تقوى على تصنيع الوقود النووي، نزواتي تبقيني على قيد الحياة، أنا لست شجرة سفرجل في جبال نائية تتوجع فيها الرياح من الزوايا الصخرية المدببة، أنا ثمرة متدرحجة فوق تراب الحديقة الجاف فقط، القطط العملاقة تتسلى بقذفي بين يديها في نزوات من المرح الشهواني البريء.
نزوات أخرى تتملكني، أن يتخطاني الزمن وينساني بين جدراني الضيقة، لا يحق له أن يأخذني بعيداً عن عالم النزوات السريع، أن أحيا كل نزوة كأنني أحياها للأبد، أن لا تنساني نزوة بعد أن تفرغ مني وتنصرف لشؤونها، أن تتوق لي بعد مدة، وأن يغمرها الأسى بعد سنوات من فراقي، لا أحن شخصياً لتلك النزوات التي قضيتها بسرعة كاستخدام كلمة الفراديس في جملة غير مفيدة، لكن لا أدري إن كانت تلك النزوة تتذكرني بعد حين وهي تعبر الكوكب نحو نظيري الأنثوي الأسود في قارة أخرى لتبث فيها دون شفقة الرغبة بتعلم لغة جديدة، النزوة تأتي هناك بصورة حلم مزعج فوق وسادة، النزوة تجيد استعمال الأقنعة، النزوات تقدس أرسين لوبين.
أن أخطو في الهواء أو على الماء كرسول أسطوري نزوة لم تعد تراودني، وكذلك أن أرش العرق البارد على أرضية خشبية في مكان مثلج على الكوكب، نزواتي باتت أكثر بساطة وأقل جموحاً، حتى النزوات تفقد بريقها بعد حين كما تلاحظين يا عزيزتي النزوة الأخيرة، نزوة صديقتنا أليس المفاجئة لنزول حفرة الأرنب لم تتكرر في يوم آخر رغم أن نزوتها لشرب الشاي عصر كل يوم لم تتبدل، وكذلك نزواتي أنا الذي لا أؤمن بالأرانب المستعجلة، أنا شخص متأن جداً حتى عندما أنهمك في نزواتي، جسدك يحب الحركات البطيئة، أرى تلك النزوة تبرق في عينيك بشبق لا يولد داخلي نزوات متبادلة.
نزواتي لا تتكاثر، الفراغ يقتلني، النزوات تجافيني مفسحة مكانها للكوابيس، لا أتذكر منها شيئاً سوى افتقادي للنزوات في نومي أيضاً، المشي العبثي على الطريق في يوم مشمس بغرض الاسترخاء وقتل الوقت لا يجلب النزوات، الإرهاق من النزوات القديمة يؤخر النزوات الجديدة، زحمة السير تقل بعد غروب الشمس، الحديقة البشعة تولد نزوات للرحيل نحو كوكب آخر كزحل حيث تلف الحدائق الغازية الكوكب بأسره بجمال بدائي مبهم رغم أنها تشبه ميداناً كونياً للجري المرهق، كما تعلمين، لم يذهب زحل إلى الحلاق لتهذيب منظره منذ مليار سنة وخمسة أيام وبضع دقائق بالضبط، زحل يخاف من المرايا.
الصمت هو النزوة الكبرى التي تطول أكثر من بقية النزوات، كل النزوات في العالم تطمح أن تصل لمستوى الصمت في المكوث قبل أن يقضي وطره، أحب ذلك التعبير الدنيء ونحن نتخبط كقطع من اللحم العاري في صحن من البهارات، الصمت دنيء بطبعه أيضاً، أصوات العصافير تزيد من رهبة الصمت، الصوت لا ينقل الكهرباء، الصمت رطب في الليالي المقمرة، الأيدي حليفة أبدية للصمت وعدوة للأقدام التي ترتدي أحذية مقرقعة.
نزواتي تتلاشى، أتهدل داخلك دون أن تنتهي نزواتي تماماً، يباغتك غضب عارم في شكل نزوة هادئة تحرك الجلد الشفاف فوق الترهلات البسيطة التي تغطيك، كم أنت جميلة كنزوة مشرئبة بغضب فوق ملاءة بيضاء، نزوة اللون الأبيض بيننا تبدو كمتلازمة جينية تنتج الأجنة المشوهة، في عالمك الموازي لعالمي الأجنة كلها متساوية في ظرافتها، نزواتك لم ترتق لمستوى النزوات الشريرة بعد مثلما هو الحال عندي، نزوتك الدنيئة الكبرى هي توقك للمال فقط، نزواتي الشريرة مخيفة لدرجة لن ترغبي بسماعها في لحظة صفاء كهذه.
الفراغ لا يقتل أصحابه، الفراغ نزوة واحدة تجمعنا معاُ في فراغ أكبر يوماً ما، البدايات تولد النزوات والفراغ يمتصها بشراهة، النهاية تتحدد بفراغ يتسع للجميع كجراب كنغارو أو قبعة ساحر، نزوة المرة الثانية تراودني مثلما لم تراودني نزوة من قبل، لكنني لا أملك الود والقلب اللازمين لٌإقناعك بالمكوث أكثر.
كتابة نص جديد يكمل نصاً قديماً تبدو نزوة من نوع جديد، الإهمال مصير مثالي لتلك النزوات الفاشلة الحمقاء، التمدد في السرير ومراقبة السقف عن قرب تبدو نزوة أكثر جدوى، لا طائل من التفكير في اجترار الإبر القاتلة لحقن الدماء في العيون لمزيد من الدراما ومزيد من الشر، السقوف لا تهوي دفعة واحدة على نزوات أصحابها، الغبار يرش رقبته بالعطر ويتساقط أولاً كنزوة للرقص الأخير قبل الفناء.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s