النهايات

النهايات

النهايات

أكره النهايات، أنا كلاسيكي جداً، قلت لكم قبلاً كم أحب البدايات التي تولّد في لحظة واحدة عدداً لا نهائياً من الاحتمالات لنهايات لا أقوى على التفكير في وجودها الحتمي عند نقطة ما، أنا ذات الشخصية الحمقاء التي تهوى البحث عن النزوات كي لا تبتلعها نهاية ما، ذات الشخصية التي ترفض وضع كلمة النهاية في خاتمة نصها الأول وجزئه الثاني، ليست نزوة مثلما ستفكرون بل هي خاصية جذرية متأصلة داخلي منذ أن انتهى الله من تشكيل صلصالي الأول بيديه الهلاميتين في لحظة ما قبل بدء التكوين.
النهايات حزينة، ليست مؤلمة أو موجعة ولا حتى مخيفة، إنها حزينة فقط، الموت نهاية مؤلمة للحياة، ليس له أي توصيف آخر من تلك الشروحات البلهاء التي نكررها نحن البشر الفانون منذ انتبهنا لوجود نهاية حتمية لنا، لا بداية جديدة بعده هو الحزن المطلق الذي تولده النهاية، ليس فراغاً ولا هوة عميقة ولا ملكوتاً فردوسياً براقاً، هو فقط نقطة لا شيء بعدها، نقطة تنتظرنا كشهوة من طرف واحد أو كثقب دائري في جدار، أرجع ذلك لخلل كوني فاضح وأرفض أن أكون جزءاً منه، لا نهاية لي هنا على الورق على الأقل أو على شاشاتكم الذكية، الورق أيضاً يرفض الاستسلام للنهاية مثلي، ولذلك أذكره كصديق وحليف في محنة واحدة، أستمد منه القوة والعزيمة، أطوي نفسي على نفسي مرات كثيرة، وأتذكر أن الورقة الواحدة ضعيفة أمام أصابع الأطفال الهزيلة عندما تجتاههم رغبة في التمزيق، لكنها تصبح خالدة أمام جبروت مقص صدئ إن كانت مطوية بانتظام.
البعض يكره النهايات الحزينة في الأفلام مثلاً، أنا أكره نهايات الأفلام بالمطلق، كل نهايات الأفلام حزينة حتى عندما ينتصر البطل ولا تشنق البطلة، المفهوم في حد ذاته غير قابل للفهم داخل رأسي، لمَ يجب أن ينتهي الفيلم أساساً؟ من وضع تلك القاعدة الغبية ولمَ علينا الانصياع لها؟ أود دوماً أن يستمر الفيلم بطريقة ما إلى الأبد دون سبب. كيف تكون النهاية سعيدة وهي التجلي المثالي للفاجعة؟ لا أتعب نفسي بالبحث عن إجابة قد لا ترضيني، أتجنب نهايات الأفلام بالخروج من صالة السينما قبل المشاهد الأخيرة أو بتبديل قناة التلفزيون نحو شيء آخر يبدأ لتوه، أدرك بذلك أن الفيلم لا ينتهي بل يستمر أبطاله في الحياة بعد انسحابي من حياتهم نحو حياة أشخاص آخرين لظروف ما. أفلام الكارتون القديمة هي الأفضل دون شك ففي نهاية كل حلقة منها بداية جديدة برموز يابانية تخبرني برقة “يتبع في الحلقة القادمة”، تماماً مثلي أنا الذي لا نص يحوي خاتمة لي بعد.
النهايات كريهة دائماً، حتى عندما أفكر في نهاية التفاصيل القبيحة، النهايات دائماً هي الأسوأ والأشد قبحاً، هي العودة للوحدة في المساء بين الجدران بعد وحدة في شوارع المدينة، هي القيح والعجز، هي الملوحة التي تمتزج بالعين المحمرة المرهقة من الأرق، وهي قضيب خائر القوى يتهدل دون أن يملك القدرة على التباهي بقوة توازي قوة العملة المعدنية قبل أن تنتهي في يد مترهلة الجلد، هي كتاب تموت شخصياته الشريرة على رف قديم اختناقاً بالغبار، ودخان كربوني لقطار بخاري في محطة منعزلة في أقاصي الريف حيث تنتحر كاتبة شهيرة في مستنقع أخضر اللون.
نهايات الأشهر هي الأسوأ دوماً من ناحية التوقيت، الوقت نفسه يقضي حتماً بوجود النهاية، النهاية تقضي على الاحتمالات، الوقت عدوي الأول الذي أقتله بقتل دماغي كي لا أفكر بنهاية ما له، نهاية الأيام المنفردة ثقيلة دوماً ومعتمة حتى عندما يكون لونها برتقالياً، أفكر بها كنقيض لنور الشمس الذي يشهد على بداية يوم جديد بكل حب ودفء، الظلام مخيف يذكرني بنهاية كل شيء، حتى نهايات الأفلام التي لا أراها أعرف أنها تنسدل بشكل لائحة أسماء ضئيلة على خلفية سوداء عملاقة، الخبر المفرح الذي يبعث في نفسي العزاء هو أن بداية يوم جديد ستأتي غداً، لا أدري إلى متى سيستمر ذلك، وأفضل ألا أعرف، النهاية هنا مجرد نقطة صامتة تختصر كل شيء بسخرية دون ابتسامة مخاتلة أو نظرة لئيمة أو ضحكة رقيعة مجلجلة.
في الحكايات الخرافية تنتهي القصص بالحياة السعيدة مع القبل والخير، الحقير هيرمان هيسه ينهي قصصه الخرافية بالأحزان والفراق، أعتبره مسؤولاً عن كآبة النهايات الجديدة لقصصي المفضلة، في الأجزاء الثانية من القصص الخرافية تتطلق سندريلا من الأمير بعد أن خانها في أول ليلة زواج وتقتل ليلى جدتها كي تتزوج الذئب ويتحول جاك إلى رجل أعمال سمين وراء مكتب تطل على أبنية نيويورك، النهايات الجديدة للقصص القديمة كئيبة حتى عندما تكون تمهيداً لبداية جديدة.
قد تسخرون مني لكني أحب مصطلح نهاية حقبة لأنه يوحي ببداية حقبة جديدة بعده، أنا كائن شديد التعقيد، ربما يكون هذا واضحاً. أنا أيضاً حقبة زمنية تعيش في ثلاثة نصوص متفرقة، أتطفل على عقل كاتبي كي يولّدني في نصوص أخرى جديدة، لا أريده أن يقتلني ويرميني في مجارير المدينة أو يحولني لقاتل لعين مشوه كما يفعل ببقية شخصياته المخبولة غريبة الأطوار، أتخوف منه ومن أصابعه وشاشة حاسوبه الملمعة، أتغذى على أحلامه كل ليلة وأبث في خلاياه الكوابيس كي يستيقظ مرهقاً ولا يقوى على وضع كلمة النهاية لنص أتواجد فيه، أسمعه يهذي بقتلي ويتوعد بتمزيقي إرباً كي لا أتجرأ على الانبثاق من قحف جمجمته مجدداُ، أخاف منه، بكل تأكيد لن يدس لي الزرنيخ بين السطور ولن يضعني في طريق رصاصة أطلقها مجهولون من قصة أخرى نحو قصتي ولن يرسلني عبر الزمن نحو مقصلة أو مشنقة أو محرقة، سيضع نقطة واحدة فقط بإصرار حاقد كي يبدأ من جديد ورقة جديدة، لا أدري إن كان التظاهر بالموت سيفيدني هذه المرة، قد تكون النقطة نزوة أو نهاية، لا أستطيع أن أحدد بعد، هو وحده من يقرر تلك التفاصيل القدرية لمصيري ولا أملك من أمري سوى أن أنتظر.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

6 Responses to النهايات

  1. nourzahi كتب:

    ذكّرتني بحالي مع نهايات الكتب، لطالما أردت أن أستمر بقراءة الكتاب الذي يعجبني، أن أبقى برفقته وبرفقة صفحاته…
    بعض اللحظات التي نعيشها نتمنى أن يقف الزمن عندها، أن يتوقف…ولكن أحيانًا نحتاج أن تمضي الأيام مسرعة، أن يمسح الوقت عن عقولنا وقلوبنا تلك البقايا المؤلمة…
    مقال مميز…جميلٌ أن تقرأ وتشعر أنّك تريد أن تُكمل الكلمات…هذا ما أوحاه لي هذا النص حين قرأته على موقع جريدة السفير، وحملني إلى مدوّنتك…

    إعجاب

    • شكراً ع الكلام اللطيف صديقتي ..
      هذا النص غريب نوعاً ما, كتبت أول نصين “النزوات 1” والنص التاني “ألنزوات 2” لكن الشخصية المحورية فيهما بقيت تستفزني أو بقي صوتها داخل رأسي, من هنا أتت فكرة كتابة “النهايات” لوضع نهاية لشخصية ترفض أن يكون لها نهاية.
      شحصياً بمعزل عن النص, أنا بلاقي النهايات مريحة كفكرة .. كتير أمور بحياتنا لازم تنتهي .. في كتب محددة وقليلة تمنيتها ما تخلص وتستمر للأبد .. الأفلام كذلك أيضاً, مضت فترة طويلة منذ آخر كتاب وآخر فيلم سببا لي هذه الحالة.

      إعجاب

  2. ... كتب:

    أول مقال كأنه يحكي الي بقلبي … انا فعلا أكره النهاية لدرجه لا أكمل مسلسل أو فلم او كتآب . ……..

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s