الجدران

الجدران

الجدران

ليس للجدران آذان، لديها أفواه شرهة للحديث فقط، ألصق أذني على الجدار القريب الواطئ قربي بحرص، وأنصت بصمت للحياة المتدفقة عبره من الجانب الآخر، صراخ متبادل وتحطيم وقبل وجنس شهواني ثم صمت يشوبه تنفس ثقيل، وفي الخلفية البعيدة للصوت تدور مروحة في السقف ممتصة الحياة في دوامات متتالية فيما يئز مصباح النور الرديء في الردهة وهو يتحاشى النظر نحوي.
تمتد الجدران في كل مكان في صف طويل رمادي تغطيه رسوم الشوارع المبتذلة، أراها وأنا مستلق على بطني فوق حافة جداري متلذذاً بالشمس الدافئة، كجدار أبدي لا ينتهي في وارسو الكئيبة. لا تختلف الجدران في الضفة الأخرى من العالم عن الجدران التي أراها كل يوم في الجحر البشري الكبير هنا، لكن الجدران في وارسو عبارة منقوشة بطلاء أحمر باهت على الجدار المقابل لي، ولا أملك القدرة على تجاهل تكرارها بعجرفة وسخف معتقداً أنها مكتوبة لي وحدي كرسالة غرام سرية أو برقية بوليسية مشفرة علي اكتشاف معناها الحقيقي.
تضيق المسافة بين الجدران حولي، للأسف جدراني خالية من أي حس درامي أو فكاهي، هي جدران مملة فقط، الجدار الممل أسوأ أنواع الجدران بكل تأكيد، لا يوجد عليه ملصقات لنجمات السينما بأزيائهن البراقة ولا يسمح لأحد بتعليق صور عائلية بإطارات خشبية بسيطة عليه، ولم تتثبت عليه رماح معدنية شوكية قاتلة ولا حتى ثقوب محرمة تختلس منها النظر نحوي ألف عين، ولا تسكنه الأشباح. يلتصق به الغبار فقط كغطاء ناعم مصنوع في إسبانيا، ومع ذلك يرفض خلعه للاستحمام بعناد إسمنتي بغيض.
أقف ملصقاً ظهري العاري بالجدار، أرغب في الدخول عبره دون اختراقه كي أتحد معه في كل واحد لعلني أتماهى معه أكثر، لكن ذلك للأسف مستحيل فيزيائياً بالنسبة لجدار أحمق لا يثق بالغرباء، أشعر به يدفعني بعيداً عنه، أقع أرضاً وأراه لا يبتسم فوقي ببرود، بينما يتمدد ظله على الجدار المقابل دون الضوء اللازم لتشكيل الظلال، الظلال على جدراني لا تتراقص ولا تحب الموسيقا، وتفضل السكون والنمو باضطراد مقلق فقط.
أكره مشاركة الجدران مع الآخرين، لطالما شعرت بتلك الحقيقة التي لا يمكن تغييرها في أعماقي، أرغب بجدار لي وحدي لا أسمع عبره سوى الفراغ الذي ينتظرني لضخ الصوت في ذراته المصمتة، أدرك ذلك فجأة وأقوله لنفسي بصورة كلمات مجردة وأحقد بصمت على جداري، إن عرف بحقدي سيوقع نفسه فوقي وأنا نائم بكل تأكيد. لا أريد أن تكون نهايتي تحت جدار سخيف حتى لو كان جداراً كهرمانياً ثميناً في مدينة أجنبية أو جداراً أثرياً في بابل أو برلين.
جداراً إثر جدار يمضي الوقت، أتمطى وأنزلق عن جداري ولا أحضنه لأنه لا يحضنني بالمقابل، حاولت مرة أن أهدمه بمطرقة كبيرة حديدية ذات ذراع خشبية ضخمة، حولته إلى ركام من الحجارة الصغيرة وذهبت للنوم، في أحلامي تلك الليلة شاهدت جداراً أسود، استطعت تمييزه رغم أن أحلامي لا تتعدى كل يوم شاشة سوداء معلقة على جدار لا ألمحه، في الصباح بنيت جداراً جديداً من حجارة ملونة، استحالت الألوان في اليوم الذي يليه إلى خليط باهت بفعل أشعة الشمس التي كانت أول المهنئين وآخرهم أيضاً.
الجدار الأسطوري في أرض العجائب هو موطن البيضة همتي دمتي، ولا جدران أخرى تلاصقه، جدار قطتي القديمة يطل على شارع أنيق وتتسلقه النباتات جميلة الرائحة. جداري الخاص ملتصق بجدار آخر في زاوية قائمة مع حواف ناتئة في أسفله وسقفين اثنين تماهياً في الطمع، جميع الجدران شرهة للمزيد حتماً، قضمة إضافية مني لن تكون مؤذية.
الطلاء الجديد أزرق اللون لا يناسب الأثاث الرخيص ولا البساط العفن، لكنه يمسح الجدار بشيء من الفخامة الزائفة، وجهان من الطلاء الجاف تنجحان في حجب وجه الجدار الأصلي القبيح، أضيف نقاطاً زهرية كنوع من البثور الكريهة كي أزعجه، وأسمعه يحك نفسه طوال الليل، لم أعد أستطيع النوم من صوته لكنني شعرت بالرضا على أي حال، رائحة الطلاء الجديد دفعتني للخروج والتنزه.
تجولت بحثاً عن الانتقام، أرقت بما تبقى من الطلاء على جدران المدينة التي تحتجزني. عندما نفذ الطلاء مني تبولت على بقية الجدران في الزوايا المعتمة وتحت الجسور ولم أعد إلى منزلي ذي الجدران المتداعية مرة أخرى. بتّ أنبثق كل ليلة من جدار حجري كبير قرب نفق قديم تمر منه السيارات المسرعة، أمشي في ظلال الجدران النتنة دون غاية ولا يراني أحد لأنني اخترت الطرف المقابل من الجدار حيث تنمو الحشائش الداكنة وتهرب القطط من وطء خطواتي المتمهلة.

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

4 Responses to الجدران

  1. انا ناطر تدوينتك القادمة 😀 😀

    إعجاب

  2. brain-in-sane كتب:

    كمن يخلق شيء من لا شيء
    هكذا يكون التأليف رغم عن الجدران 😀

    إعجاب

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s