المرايا المنسكبة من شاشة لابتوب جديد

المرايا المنسكبة من شاشة لابتوب جديد

المرايا المنسكبة من شاشة لابتوب جديد

من الممتع اقتناء لابتوب جديد، هو عالم رائق غير مستكشف بعد رغم أنه مألوف، ليس مزعجاً كطفل وليد يبكي دون ملامح ويتغزل به المعتوهون – لا أسمح لنفسي بوصف جهاز جميل متقن الصنع مذهب الأطراف بكلمة قبيحة كالأطفال فهم أسوأ الكائنات على الإطلاق – وليس مزعجاً كرفيق سكن باهت الملامح يستعد للرحيل أخيراً، كما أنه مزود بحماية خاصة تطرد مختلسي النظرات من نوافذه الواسعة الخالية من الستائر.
في الخلفية البعيدة ظل فتاة تجري باسترخاء، يقول لي زميلي أنها تتريض على شاطئ بحر فسيح في خلوة طبيعية لطيفة، أو ربما شاطئ خاص تمتلكه في فناء بيتها الفاره إن كانت ثرية كما يبدو ظلها الكريم عن بعد، أو هو استرخاء كاذب لأنها هاربة بجلدها من ملاحقة الشرطة السرية بعد أن تسللت إلى بقعة محرمة على أمثالها من الوضيعين، هي نحيلة لدرجة كافية كي تكون من منبت وضيع في حي سفلي مظلم خاصة أن شعرها مربوط إلى الخلف على استعجال وإهمال.
كل ذلك مسل لو كان فيلماً حداثياً لكنه ليس حقيقياً بطبيعة الحال فالمكان ليس “شاطئاً”، أنا أكره البحر ورائحته القذرة ولونه الأخر، لم أضرب رأسي بمقلاة طائشة كي أحب امتداداً أزرق من البلاهة المجردة فكيف إن ترافق مع صخرة مشوهة قبيحة المنظر تعود لعصر فينيقي عتيق مغروسة في وسطه. وكيف لي أن أغرم إلى هذه الدرجة بجهاز جديد إن كانت طاقة سلبية بحرية تنبعث منه طوال الوقت وأنا أحمله فوق ساقي مباشرة، لا يمكن لذلك أن يحصل حتى لو فقدت عقلي مرة ومرتين، ولو تحالف الشيطان والله معاً لإرغامي على ذلك.
إنها إذاً أرض المرايا المنسكبة وما يراه هو ماء سخيفاً أراه أنا زجاجاً سائلاً براقاً غير متساو كما ينبغي لعالم جديد مجهول أن يكون، كلما خاض المرء فيه أحس به مستوياً دون أن يشعر بطبيعته المبعثرة إلا من مسافة بعيدة كما نشعر بالأفق عادة أو كما نشعر بكروية الكوكب غير المعقولة، كما أنه في بعد آخر معقد كهذا لا توجد الجاذبية الأرضية ولا الجاذبية المستمدة من نواة مرآية في مركز البعد الخفي هنا أو هناك، ثم إنه من الحمق التفكير بجاذبية في أرض معكوسة كالمرايا وإلا تطاير كل شيء إلى أعلى وهذا ليس لطيفاً بل يسبب الصداع فقط.
الزجاج السائل لا يجرح الأقدام الحافية التي تجري فوقه، الصورة ثابتة جداً لكن الفتاة تجري إلى الوراء قطعاً حيث بداية كل شيء، النهايات مملة لا أحد يريد التوجه إليها في قرارة نفسه، اما الصخور فهي أخشاب عملاقة منزوعة من إطار صدفي قديم، غابت الأصداف ونمت الطحالب لأن منظرها جميل وليس منها أي فائدة تذكر.
تعود القصة إلى عصور خلت قبل أن تنفصل العوالم، كان المرآة المغترة بنفسها في متجر قديم، لم تكن سوى مرآة مصقولة جيداً، لكن أحد ثقيلي الظل حاول وضع إطار لها كي يبيعها لسيدة تحمل مظلة زهرية في منتصف الصيف، لكن روحها الفاسقة قليلاً رفضت العملية بشدة، كيف تسمح لبشري أخرق بحجب أجزاء من جسدها الفاتن، كيف ستتمكن من لفت نظر مرأة أخرى بإغواء إن وجدت مرآة ذكورية في يوم من الأيام، لا يمكنها الجزم بأنثوية جنسها في التو واللحظة ولا تريد أن تكون سحاقية، على الأقل الآن، يبقى الأمل أفضل من لا شيء.
مقاومتها كانت نافعة فهي صاحبة إرادة جارحة، وربما كانت العناية الإلهية تدخلت لسبب غامض، للشفقة الربانية طرق غريبة في التعريف بنفسها في أحلك اللحظات كما تعلمون، قرأ ذلك أحد الصبيان أمامها وهو يحاول خربشته عليها بقلم حبر جاف، من حسن الحظ أنها قوية البنية وإلا لباتت موشومة باقتباسات سخيفة، لا يمكن لمراة موشومة الاستمرار في عالم قاس وجو محافظ حتى لو كانت من أسرة طيبة معروفة ولو أتت من متجر حسن السمعة.
كيف يثبتون المرآة بالإطار، لا يمكن أن يطرقوها بمسمار فظ كي لا تتهشم لألف وستمئة قطعة، ولا يمكن أن يصلبوها فهي ليست كريمة بقلب ذهبي للتضحية بلمعانها كي تمسح بقع المرايا الدنسة الآخرى حتى القيامة القادمة، ربما يكون الصمغ هو الحل الأجدى لكنها تشمئز من المواد الكيماوية، هذا مقرف، لو نقعت نفسي في مغطس ساخن من مواد التنظيف الزرقاء مدة شهر كامل لن تزول رائحة الراتانج الكريهة عني!
مع ملامسة الخشب لها، هزت نفسها بعنف وقاومت بوحشية وسحبت نفسها إلى الخلف لكن اليدين البشريتين كانتا أقوى لوهلة، الأقدام لحسن الحظ ليست ذكية لهذا توجدان في الأسفل، تعثرت الأرجل فجأة وتناثر الزجاج اللامع في كل أرجاء المكان في اللحظة التالية، واستقر الإطار الخشبي فوق أكبر قطعة لم تتهشم بعد، وفي تلك اللحظة العظيمة بالذات خلقت الآلهة هذا المكان، كيف لها أن تتجاهل قصة دراماتيكة شاعرية إلى هذا الحد، لا يمكن لإله محترم الكذب والإدلاء بحجج واهية أو تجاهل موقف ما مهما كان تافهاً أمام مرآة كما يفعل أمام الأعين المتضرعة، ولا يمكنه المخاطرة بسمعته اللائقة التي يحاول تحسينها في عالم السوشيال ميديا فالمرايا الناقمة معلقة على الجدران، وللجدران آذان وأفواه، كان عليه ألا يخلقها هكذا من البداية، تباً لعجلة الأيام الستة وراحة اليوم السابع، لا يمكنه التراجع الآن.
في الزاوية، توجد سلة مهملات كبيرة، الغطاء الجانبي ملقى بإهمال على جانبها وكانها آتية من فيلم رسوم متحركة، لا بد أن قطة بعينين كبيرتين تسكن هناك وتقتات على هياكل الملفات العظمية، لكن قطط اللابتوبات المتخيلة ليست كقطط الروايات الأسطورية، لا توجد هنا ضحكات واسعة تجلجل فجأة ولا أسنان براقة تلمع مع ابتسامات مباغتة ولا انتقالات عبر الزمان والمكان ولا مواء خافت يستجدي الرحمة، هناك بؤس جميل فقط وجسد هزيل وأعين خائفة بحاجة إلى الحب والعطف، كل ذلك لا يوجد لدي للأسف! ستبقين وحيدة هناك ولن أقول لك “بست” ولن أرمي لك بكورتانا كي تصبح صديقتك.
أفضل وجبة للهزيلة المسكينة دون شك هي التي تأتي من صور الطعام المحذوفة من حين إلى آخر، وأسعد القطط تلك التي تقطن في لابتوب يعود لمصور طعام أو ناقد طعام أو مدون عن الطعام، أو شخص أكول فقط، مع أن ذلك الأخير لن يقوم بحذف صور ولائمه واعياً لكن الفرصة باقتناص سلة دسمة تبقى موجودة أكثر من حالتها مع شخص لا يأكل سوى ليعيش مثلي.
بالانتقال الممل والكلاسيكي من زاوية إلى زاوية، توجد في الأسفل روزنامة كبيرة، اللون الرمادي يطغى عليها دون أن يزعج أحداً، هو لون محايد لا يتنبأ بالأيام السعيدة من الأيام التعيسة، الخدمات الإلكترونية ما زالت بدائية في أمور التنجيم والتكهن، أبحث بيأس عن برنامج تشغيل بابلي لكن ذلك مستحيل، النجوم في عروشها تقاتل ضدي وتمد لساناتها دون أي بريق، ولم يخبرني أحد أنني قبل ستة أيام سأقتني جهازاً جديداً.
ولأنها تقع فوق أرض المرايا مباشرة لا يمكن استشفاف شيء من أيامها بعد، النقاء معكوس فيها إلى شيء من الترقب المتوجس القلق، أقلب فيها بحثاً عن تاريخ قادم كي أنتظره فأنا بارع في هذه الأمور، لكنني لا أجد يوماً مميزاً طوال العام الجاري ولا الذي يليه، أتذكر أني كنت هكذا في كل السنوات الماضية، كل الأيام متشابهة وهذا يبعث راحة في قرارة النفس البشرية، في السويد يطلقون اسماً على كل يوم! لست بذلك الغباء، أفضل إطلاق اسم واحد على كل الأيام، ذلك أكثر جدوى من تعقب سراب جلل ينبثق من يوم ملون بالأصفر.
موسيقا المروحة تهب على قدمي مع رياح دافئة، لا وجود للبرد في أرض المرايا والقطط المتشردة تنام بدفء ولو كانت جائعة، النور يأتي من انعكاس خلفي بعيد، هذه فوائد الشاشات الحديثة، كل شيء سائل في نهاية المطاف، كل شيء متجانس في مكانه كما كان وكما أريده أن يكون، لم أكن بارعاً طوال حياتي في شيء سوى خلف الشاشات، ينتهي التكوين ويبدأ الخروج ثم اللاعودة أو التمعن أو أي سفر آخر غير موجود، يمكن لي أن أرتاح في اليوم السابع أنا ايضاً.

المرايا المنسكبة من شاشة لابتوب جديد

المرايا المنسكبة من شاشة لابتوب جديد

Advertisements

About وليد بركسية

الكتابة هي قدري ... Writing is my destiny
هذا المنشور نشر في فقاعات من نفخ الخيال وكلماته الدلالية , , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

رأيك يهمني ...

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s